- المستثمرون رفضوا التجاوب مع العلاوة الجديدة والحكومة تقر بالعجز

- "التأمينات" وسيلة الشركات الخاصة للتهرُّب من زيادة أجور العمال

- الخبراء: العاملون في حاجةٍ إلى زيادة دخولهم لمواجهة جنون الأسعار

 

تحقيق- صالح الدمرداش

حالةٌ من الغليان والتذمُّر تسود أوساط العاملين بشركات القطاع الخاص بعد رَفْض معظم أصحاب المؤسسات التجارية والصناعية الالتزام بزيادة أجورهم تجاوبًا مع العلاوة الاجتماعية التي أقرَّتها الحكومة المصرية مؤخرًا بنسبة 30%.

 الصورة غير متاحة

 المهندس رشيد محمد رشيد

 

وأكَّد المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة أن الحكومة لا تستطيع إلزام المنتجين والتجار بزيادة أجور العاملين لديهم في وقتٍ محدَّد؛ نظرًا لاختلاف توقيت السنة المالية بين المنشآت الخاصة والحكومية، كما أن رفع مرتبات العمال يستلزم تعديل ميزانيات الشركات.

 

فيما أعلن عدد من كبار المستثمرين زيادة أجور العاملين لديهم لدعم جهود الحكومة الرامية إلى رفع مستوى معيشة المواطنين لمواجهة موجة جنون الأسعار التي تشهدها الأسواق حاليًا، شريطة أن تكون علاوة مستقلة وليست على الأجر الأساسي، وأن تُخصَم قيمة التأمينات من راتب العامل، في المقابل رفض غالبية المستثمرين التجاوبَ مع العلاوة الاجتماعية بدعوى أن مرتَّبات العاملين بمؤسساتهم مرتفعة مقارنةً بمرتبات موظفي الحكومة.

 

وفي هذا التحقيق نطرح العديد من الأسئلة حول الوسائل التي من الممكن أن تفرضها الحكومة على رجال الأعمال لضمان صرف هذه الزيادات، وهل هي تملك ذلك بالفعل، وحول تأثير هذه الزيادات على سوق العمل في مصر.

 

تهرُّب

في البداية يؤكِّد د. عبد العزيز السيد رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية أن مرتبات العاملين بمعظم الشركات الخاصة تدخل ضمن الكادر الخاص ولا تخضع للمستويات الوظيفية، كما هو الحال بالمؤسسات الحكومية، ولكن يجب على جميع رجال الأعمال الالتزام بزيادة أجور العاملين لديهم تماشيًا مع الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات.

 

واقترح قيام أصحاب الأعمال بزيادة أجور العاملين بمؤسساتهم على أن تكون الزيادة الجديدة عبارةً عن علاوة مستقلة لا تُضَم للأجر الأساسي؛ نظرًا لأن ضم العلاوة بنسبة 30% للأجر الأساسي بجانب قيمة التأمينات ستصل في النهاية إلى 42%؛ فعلى سبيل المثال إذا كان راتب العامل 400 جنيه فالعلاوة تكون 120 جنيهًا، والتأمينات 48 جنيهًا، وفي النهاية تكون الحصيلة 168 جنيهًا بما يمثِّل 42% من الراتب الأساسي؛ مما يساعد على تهرُّب أصحاب المنشآت التجارية والصناعية من الالتزام بالعلاوة.

 

وأضاف أن زيادة الأجور تُعدُّ إحدى الوسائل المهمة للمواجهة، مع أخذ السن والخبرة والمؤهل الدراسي في الاعتبار؛ وذلك قبل مطالبة القطاع الخاص برفع الأجور؛ حيث إن المقارنة ستكون بالطبع لصالحه.

 

تآكل الربح

ونفى د. عبد العزيز أن تكون العلاوة الاجتماعية التي أقرَّتها الحكومة مؤخرًا حافزًا للتجار لرفع الأسعار بدون مبرِّر؛ حيث إن السوق يعاني من حالة ركود شديدة، فضلاً عن أن الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الغذائية خلال الفترة الماضية أدَّى إلى إغلاق العديد من محلات البقالة لعدم قدرة أصحابها على تغطية تكلفة السلع المعروضة بها مع تآكل هامش ربحهم.

 

وطالب رئيس شعبة الثروة الداجنة الحكومة بالتدخُّل لضبط الأسواق من خلال استيراد كميات إضافية من السلع الأساسية بدلاً من الاعتماد على المستوردين الذين يتلاعبون في الأسعار بحجة ارتفاع مؤشِّرات الأسعار العالمية، وكذلك عقد اتفاقيات ودية مع المستوردين والتجار والمنتجين لتحديد هامش معيَّن لكل طرف لمنع المغالاة في الأسعار.

 الصورة غير متاحة

ارتفاع أسعار البنزين ينذر بموجة جديدة من الغلاء

 

وتساءل: "أين دور الحكومة في السيطرة على أسعار السلع من جنون الأسعار؟!.. ولكن ينبغي العمل على زيادة الإنتاج المحلي من السلع الإستراتيجية، وخفض تكلفة المنتج من خلال توفير الخامات ومستلزمات الإنتاج بالسوق المحلي بدلاً من الاعتماد على استيرادها من الخارج بأسعار مرتفعة؛ حيث إن توفير مستلزمات الإنتاج يؤدي إلى خفض التكلفة النهائية للمنتج بنسبةٍ تتراوح بين 50 و60%".

 

ضوابط

وطالب د. عبد العزيز بوضع ضوابط وقيود على استيراد مستلزمات الإنتاج من الخارج تتمثَّل في قيام وزارة التجارة والصناعة بعمل نشرة يومية عن أسعار السلع والخامات بالأسواق العالمية لمنع استغلال البعض الأسعار العالمية في رفع أسعار المنتجات المحلية بدون مبرِّر.

 

وشدَّد على ضرورة تشديد الرقابة على الأسواق خلال الفترة المقبلة لضبط أسعار السلع، لا سيما بعد إقرار العلاوة الاجتماعية؛ حيث يلجأ بعض التجار ضعاف النفوس إلى رفع الأسعار بزعم زيادة الطلب وارتفاع القوة الشرائية للمستهلكين؛ لأنهم يمارسون نشاطهم في ظل نظام السوق الحر، لافتًا إلى أنه يجب على الأجهزة الرقابية التابعة لوزارة التجارة والصناعة، مثل جهاز حماية المستهلك وجهاز منع الاحتكار، التدخُّل لضبط الأسواق في الوقت الراهن؛ أسوةً بما يحدث في الدول الأوروبية التي تطبِّق نظام الاقتصاد الحر أيضًا ولا يوجد بها تلك الممارسات.

 

ركود الأسواق

وربط صلاح عبد العزيز رئيس شعبة البقالة والمنتجات الغذائية بغرفة القاهرة التجارية، بين زيادة الطاقات الإنتاجية للمصانع ورواج الأسواق التجارية، واتجاه أصحاب المنشآت التجارية والصناعية لزيادة أجور العاملين لديهم، مشيرًا إلى أنه ليس من المعقول رفع مرتبات العمال في ظل حالة الركود والكساد التي تعاني منها الأسواق حاليًا.

 

واستطرد قائلاً: "إن مرتبات العاملين بشركات القطاع الخاص مرتفعة للغاية مقارنةً بموظفي الحكومة"، لافتًا إلى أنه يجب المقارنة بين أجور العاملين في القطاعين العام والخاص التي ترتفع بنسبة 100% رغم زيادتها في السوق العالمي بنسبة 40% فقط، مثل الزيوت التي زادت أسعارها من 60 جنيهًا إلى 120 جنيهًا للكرتونة خلال 6 أشهر.

 

تخفيف الأعباء

ودعا أحمد حسن نائب رئيس شعبة الأجهزة المنزلية بغرفة القاهرة التجارية شركات القطاع الخاص إلى التجاوب مع العلاوة الاجتماعية التي أقرَّتها الحكومة مؤخرًا لإحداث توازن بين أجور العمال في مصر والمساهمة في تخفيف الأعباء التي تقع على كاهلهم جرَّاء الزيادات الأخيرة التي طرأت على الأسعار.

 

وأضاف أن ارتفاع اشتراكات تأمينات العمال التي تبلغ 40% تعتبر عائقًا أساسيًّا أمام زيادة أجور العاملين بالقطاع الخاص؛ ولذلك خصمت قيمة التأمينات على العلاوة من الراتب الأساسي.

 

تدنِّي الأجور

من ناحيته أكَّد عادل العزبي نائب رئيس شعبة المستثمرين أن الأجور في مصر متدنية، مشيرًا إلى أنه ما لم يشعر العامل بالراحة النفسية وقدرته على الوفاء باحتياجاته الأساسية واحتياجات أسرته وإحساسه بالأمان في المستقبل؛ لن يستطيع أن يقدِّم إنتاجية مرتفعة.

 

 الصورة غير متاحة

الغلاء وارتفاع الأسعار أصبح حديث المصريين جميعًا

وأضاف أن بعض الشركات الخاصة لا توفِّر هذه الضمانات للعامل، لكن في نفس الوقت فإن الكثير منها يقدِّم للعمال أكثر من ذلك بكثير، مؤكِّدًا أن الزيادة في الأجور سوف يترتَّب عليها زيادة في الإنتاجية؛ لإحساس العامل بالاطمئنان والارتياح لتوفير متطلبات حياته اليومية.

 

وأشار محمد غانم عضو مجلس إدارة شعبة المستثمرين إلى أن عمال القطاع الخاص في حاجةٍ إلى زيادة دخولهم لمواجهة الارتفاع غير المسبوق في الأسعار، موضحًا أن المصانع الكبيرة تستطيع تحمُّل هذه الزيادة في الأجور، لكن المشروعات الصغيرة والمتوسطة سوف تعاني من اختلال التوازن بين إيراداتها وتكلفتها إذا ما طُبِّقت الزيادة المقترحة في الحد الأدنى للأجور، مطالبًا الحكومة بمساندة هذه المشروعات من خلال تخفيض تكاليف الإنتاج بما ينعكس على زيادة تنافسيتها.

 

التأمين قبل العلاوة

من جانبه أكَّد الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للدراسات الاقتصادية أنه لا يوجد قانون للأجور في مصر يلزم القطاع الخاص بصرف العلاوة التي تقرِّرها الحكومة المصرية للعاملين بالجهاز الإداري للدولة، وهذا القانون من المفترض أن يناقشه المجلس الأعلى للأجور الذي لم يجتمع سوى مرة واحدة منذ انعقاده قبل ثلاث سنوات من الآن، مشيرًا إلى أن القطاع الخاص يتجاوب فقط مع القرارات التي يرى فيها أنها ستحقِّق له أرباحًا وليس العكس.

 

وقال د. عمر: "بعيدًا عن الأبعاد الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية فإن الحكومة المصرية لا تملك شيئًا سوى مخاطبة القطاع الخاص بشكل ودِّي للاستجابة بصرف أية زيادات للعاملين؛ لأن ذلك يرفع من تكاليف القطاع الخاص، ولن تدفع له الحكومة شيئًا".

 

وأضاف د. عمر أن مشكلة القطاع الخاص في مصر ليست في صرف علاوة جديدة، ولكن في أن العاملين غير المُؤمَّن عليهم، والعاملون أفضل لهم أن يُؤمَّن عليهم ويضمنوا حقوقهم من أن تُصرَف لهم زيادة شهرية.