- الخبراء: زيادة أسعار المحروقات تؤكد تخبط الحكومة

- الرئيس وضع الحكومة في مأزق بعد زيادة الـ30%

- ارتباك وزارات المجموعة الاقتصادية لتدبير الموارد

- خبراء الاقتصاد: الدولة مفلسة و"تنصب" على الشعب

 

تحقيق- صالح الدمرداش

استنكر خبراء ومحللون اقتصاديون قرار الحكومة المصرية بتحريك أسعار البنزين والسولار وكافة أنواع المحروقات والغاز الطبيعي والبوتاجاز وفرض رسوم إضافية على تراخيص السيارات بنسب تتراوح بين 40: 50%، وقالوا إن ذلك ما هو إلا إعلان مجدَّد عن إفلاس الحكومة الحالية وعدم قدرتها على استحداث موارد جديدة لتمويل الإنفاق العام، مؤكدين أن العلاوة التي أعلن عنها الرئيس مبارك في الاحتفال بعيد العمال كأنها لم تكن، بل إنها زادت من أعباء المواطنين بدلاً من التخفيف عن كاهلهم.

 

وأضاف الخبراء أن الحكومة وقعت في مأزق كبير؛ على خلفية الإعلان عن علاوة اجتماعية (30%) تُصرَف للعاملين بالدولة من أول مايو، دون انتظارٍ للسنة المالية الجديدة، ودخلت الحكومة في "حيص بيص"؛ بحثًا عن كيفية تدبير الموارد المالية بنسبة 30% دفعها إلى إرسال مشروع قانون عاجل إلى مجلس الشعب اليوم لمناقشة ارتفاع أسعار كافة أنواع المحروقات والغاز الطبيعي والبوتاجاز بنسب تتراوح ما بين 40: 50%، إضافةً إلى فرض ضرائب جديدة على السيارات ووسائل النقل، ورفع أسعار تذاكر المواصلات؛ لتدبير الزيادة الجديدة في العلاوة الاجتماعية!.

 

وكشفوا أن حالة الارتباك التي تعيشها الحكومة المصرية بعد إعلان الرئيس مبارك عن زيادة العلاوة الاجتماعية لم تقتصر عند هذا الحد؛ بل أدَّت إلى تأخر مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2008م: 2009م في البرلمان، وهو ما يمثل مخالفةً صريحةً للدستور، فضلاً عن تأجيل مؤتمر وزير المالية السنوي؛ الذي يعلن فيه الحصيلة الإجمالية للضرائب المصرية عقب انتهاء الموسم الضريبي في 30 أبريل من كل عام، وحتى كتابة هذه السطور لم تحدِّد وزارة المالية بعد موعد مؤتمر إعلان الحصيلة الضريبية، رغم انتهاء الموسم الضريبي منذ أكثر من أسبوع.

 

وأكد الخبراء أن الدولة المصرية مفلسة ونصَّابة وتلعب دور "النصَّاب" في إعادة ما يسمَّى بتوظيف الأموال؛ حيث تقترض من الداخل والخارج لسداد مستحقات وفوائد القروض!! مع عدم توجيه القروض الجديدة للاستثمار الحقيقي لخلق فرص عمل والقضاء على البطالة وتحسين مستوى معيشة المواطن "الغلبان"؛ الذي يعاني من ويلات سياساتها الاقتصادية الخاطئة، واستمرار العجز في الموازنة؛ مما يمثل ضغوطًا وأعباءً جديدةً على الأجيال القادمة.

 

وأوضحوا أن حجم الاقتراض الداخلي والخارجي في الموازنة الجديدة وصل إلى 88 مليارًا و139 مليونًا و627 ألف جنيه، مقارنةً بالموازنة الماضية والتي بلغت 69 مليارًا و934 مليونًا و85 ألف جنيه، مؤكدين أن هذا مؤشرٌ خطِرٌ على المستقبل الاقتصادي المصري بالنسبة للفئات الفقيرة والمهمَّشة ويصبُّ في مصلحة الأغنياء فقط.

 

وأشار الخبراء إلى أن الموازنة العامة للدولة تعد من أهم الوثائق السياسية والاقتصادية في مصر؛ التي تعبِّر عن طموحات وواقع المواطن المصري، وأنها المرآة الحقيقية لرؤية مشاكله وكيفية حلِّها، وتحسين دخله ومستوى معيشته اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتحديد مسار مستقبله وأسرته لمواجهة موجات الغلاء وتضخُّم الأسعار والغذاء وانخفاض دخله، واستشراء الفساد لدى الكبار، وتهميش الفقراء والطبقة المتوسطة، وهي الأغلبية التي تعاني.

 

قرار غبي

 الصورة غير متاحة

 ضياء رشوان

من جانبه قال ضياء رشوان رئيس وحدة النظم السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية إن توقيت القرار غبي؛ فالناس لم تكد تفرح بقرار زيادة العلاوة الاجتماعية التي أقرت أول مايو ليفاجئوا بقرار زيادة أسعار البنزين والسولار، موضحًا أن القرار يعكس بوضوح الارتجالية في إدارة البلاد واتخاذ القرارات غير المدروسة.

 

وتوقع أن يؤدي القرار إلى إنجاح أي إضراب قادم، مبديًا تخوفه من ألا يكون هذا الإضراب منظمًا؛ حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل كبير في فترة قصيرة بما يفوق احتمال المصريين.

 

وضرب مثلاً بقانون المرور الجديد؛ الذي يقرر إلغاء المقطورات، ثم اكتشفت الحكومة بعده أن هناك 57000 مقطورة في مصر، وأن حجم النقل البري في البلاد يقدَّر بـ420 طنًّا تنقل المقطورات، منها نحو 155 مليون طن؛ فعادت وأجلت إقرار القانون، وهو ما يمثل حالة التخبط التي تتسم بها هذه الحكومة.

 

إفلاس حكومي

وعلى الجانب الاقتصادي قال الدكتور أسامة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة عين شمس أن ما قامت به الحكومة عن طريق مجلس الشعب لتحريك أسعار بعض الضرائب والسلع ما هو إلا إعلان مجدد عن إفلاس الحكومة الحالية وعدم قدرتها على استحداث موارد حديثة لتمويل الإنفاق العام، وهذا الأمر إنما يعكس التناقض بين المؤشرات المعلنة عن تحسن حالة الاقتصاد القومي وزيادة معدل نمو الاقتصاد القومي وبين الحالة المتردية التي وصلت إليها أحوال المعيشة في مصر.

 

وتوقَّع د .عبد الخالق تحريك كافة أنواع السلع والمنتجات إلى نسبة تتراوح ما بين 50 إلى 70% خلال الفترة الحالية على خلفية كل من الـ30% علاوةً والـ40% تحريكًا في أسعار المحروقات، مؤكدًا أن موقف الحكومة يطرح علامات استفهام حول التصريحات المعلنة والواقع المر للحياة اليومية للمواطنين.
 

خرق الدستور

 

د. جودة عبد الخالق

وينتقد د. جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية السياسةَ الاقتصاديةَ للحكومة المصرية قائلاً: إن جوهر السياسة المالية وفلسفة الموازنة العامة المفترضة هو الاهتمام بالطبقات الفقيرة والمهمَّشة والوُسطى لدعمها ومساندتها في المعيشة الكريمة، ولكن الموازنة العامة تمثل صورةً صارخةً للاستغلال الجماعي والاجتماعي للمصريين؛ حيث تأخذ من الفقراء لتمنح الأغنياء!!.

 

ويوضح د. عبد الخالق أن هناك خرقًا صريحًا للدستور من الحكومة؛ فالمادة 15 من الدستور تشير إلى أن مشروع الموازنة يجب عرضه على مجلس الشعب قبل ثلاثة أشهر على الأقل من السنة المالية الجديدة، مع العلم أنه قبل التعديل الأخير كانت تحدد شهرين، ولم يتبقَّ على بداية السنة الجديدة سوى أقل من شهرين، أضِف إلى ذلك أن مشروع 2008/ 2009م في حدود الصورة الإجمالية يُثير أسئلةً حول المال العام بصفة عامة؛ باختصار: من أين تجمعه الحكومة؟ وفيمَ تنفقه؟

 

متسائلاً: هل من المعقول أنه عشية مناقشة اللجنة لمشروع الموازنة يتم الإعلان عن نية بيع بعض الأصول الثابتة؛ علمًا بأن هذا كفيل بأن يهوي بأسعار تلك الأصول إلى درجات متدنية.

 

ويشير د. عبد الخالق إلى انخفاض الاستثمار في الموازنة العامة مع استمرار عجزها؛ مما يؤدي إلى تقليل النمو الاقتصادي الحقيقي وزيادة التضخُّم في الأسعار والغلاء وتضخُّم الأغنياء والمترفين ويضحي بالفقراء، لافتًا إلى أن تقليل الإنفاق على الاستثمار واستمرار بيع الأصول المملوكة للشعب والدولة، يؤدي إلى تآكل في القاعدة وهو مؤشرٌ خطِرٌ على المستقبل الاقتصادي للفقراء والمهمّشين ومعدومي ومحدودي الدخل، ووصل الحال إلى انتحار الفقراء من وطأة المعاناة الاقتصادية والعجز عن مواجهة متطلبات المعيشة.

 

وللخروج من هذا المأزق يطالب د. عبد الخالق بفرض ضرائب متصاعدة على أرباح الأغنياء؛ الذين يشترون أراضي الدولة بأسعار زهيدة، ويقومون بتسقيعها وإعادة بيعها بالملايين من الجنيهات دون أعباء، مشدِّدًا على ضرورة أن تفرض عليهم ضريبة جديدة تسمَّى "الأرباح الرأسمالية" لصالح الفقراء، وهم الأغلبية من الشعب، لتحمل الأعباء وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

ويؤكد ضرورة تخفيض الإنفاق الحكومي على جحافل الأمن المركزي؛ التي تنشر الرعب في النفوس، وتُفقد المواطن أمانَه وحقوقَه في التعبير السلمي؛ التي كفلها الدستور، وتُهدر الموازنة، وتحمي النظام السياسي.

 

حرق الموازنة

 الصورة غير متاحة

ارتفاع أسعار البنزين ينذر بموجة جديدة من الغلاء

ويضيف الدكتور حسن عودة الخبير الدولي في الموازنة ونظُم المحاسبة الحكومية أن الموازنة العامة للدولة المصرية تفتقد المعايير المالية الدولية الآمنة في إعدادها، خاصةً في عجزها المالي لمصلحة أغلبية الشعب؛ وذلك وفقًا لمعاهدة الاتحاد الأوروبي الصادرة عام 1992م، والتي تقرر أنه يجب ألا يزيد العجز على 3% من الناتج المحلي، بينما يتجاوز أكثر من 15% في مصر، كما لا يجوز أن تزيد نسبة الدين والاقتراض عن 60%، وإلا وجب شطب الدولة العاجزة العضو بالاتحاد الأوروبي، بينما يتجاوز في مصر أكثر من 120%.

 

وانتقد د. عودة سياسة الموازنة العامة قائلاً: إن الدولة يجب أن تقترض للإنفاق والاستثمار، وليس الإنفاق الجاري، والذي تحمل الأجيال القادمة أعباءه، كما أن تلك الموازنة لا تخلق قيمةً مضافةً أو عائدًا استثماريًّا للمواطن، وهي عبارة عن تقديرات جزافية لا تنفذ نفسها ومرتبطة بالإدارة الحكومية، ولا تترجم الواقع أو الأهداف الإستراتيجية للدولة لتعكس متطلبات مواطنيها الحقيقية، وضرب مثالاً بإهدار المال العام، وهو الحرق السنوي خلال الشهرين الأخيرين للموازنة المالية، والذي يتجاوز 60 مليار جنيه لاستنزاف مخصصاتها وعدم ترحيلها للعام المالي القادم؛ خشية تخفيضها!! وهذا حلٌّ لعلاج عجز الموازنة.

 

ضريبة المواطن

 الصورة غير متاحة

ارتفاع تعريفة المواصلات بعد الزيادة الكبيرة في أسعار الوقود

ويشير عبد الحميد عطا الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة سابق بمصلحة الضرائب إلى أن المواطن البسيط يتحمَّل الكثير من الأعباء الضريبية، وأهمها الضريبة غير المباشرة، وهي ضريبة المبيعات، وجملتها في الموازنة 2007- 2008 (45) مليار جنيه، ولا يتحملها إلا المواطن متوسط الدخل، ومنها 20 مليارًا على السلع المحلية المستوردة؛ بما يعادل 5،17% من إجمالي إيرادات الضرائب، وعبء هذا المبلغ كله يقع على عاتق المواطن.

 

كذلك الضرائب على الإنتاج موزَّعة على السلع المحلية؛ مثل التبغ والسجائر والمنتجات البترولية، وهي حوالي 1،16%، ويخرج عن هذا النطاق الضرائب على المنتجات الكحولية؛ لأن البسطاء لا يتعاطون هذه النوعية من المشروبات، وهناك قسم ثالث من ضريبة المبيعات، وهي ضريبة الخدمات وتشكِّل 9،21% من إجمالي الضريبة، وهي على الفنادق والمنشآت السياحية، وليس للفقراء علاقة بها، كذلك هناك ضريبة المبيعات على الاتصالات المحلية والدولية، وهي 1،2% وتتحمَّلها الطبقة المتوسطة ومحدودو الدخل، وبذلك يصبح ما جملته 8،3058 ملايين جنيه من ضريبة المبيعات عبؤها الأكبر على المستهلكين لهذه السلع، وهو مبلغ يعادل 5،25% من إجمالي الإيرادات الضريبية ويدفعها المواطن مضافةً إلى سعر السلعة التي يشتريها وربما لا يدري أنه دفعها، وهناك ضرائب الدمغة، وهي ضرائب غير مباشرة، وتقدَّر بحوالي 4% من إجمالي الإيرادات الضريبية.

 

إذن جملة الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل المواطن المصري هي 49 ألف مليون 698 مليون جنيه؛ أي حوالي 4،41% من جملة الإيرادات الضريبية، أما الضرائب المباشرة فهي ضرائب الدخل وهي حوالي 2،279،55 مليون جنيه، و6،80% من هذا الرقم يأتي من قناة السويس والبنك المركزي وقطاع الأعمال العام وغيرها، مما لا يساهم فيه المواطن المصري، ولكن المهم هو ضرائب الأفراد وهي المرتبات والأرباح التجارية والصناعية.

 

خسارة المليارات

ويطالب عبد الحميد عطا بخفض السعر وتشديد العقوبة ومراجعة الأعباء العائلية؛ فلا بد من أن يترك لكل أسرة مصرية عدد "5" أفراد 1000 جنيه شهريًّا لا تخضع للضريبة بما يوازي 12 ألف جنيه سنويًّا، وقانون الإصلاح الضريبي الذي اعتمد على تقرير خبراء أمريكا حدَّد ألا يدفع الفقراء ضرائب دخل على الإطلاق، ورفع الأعباء العائلية في الحدود التي افترضها، ولكن قانون الضرائب الجديد لم يأخذ بهذا على الإطلاق، ونصت المادة 7 من قانون ضريبة الدخل لسنة 2005م على أن تفرض ضريبة على ما زاد عن 5 آلاف جنيه، والحقيقة أن وزير المالية والحكومة غفلا عن ذلك، وأن الوزير نفسه في مجلس الشعب قال إن تخفيض سعر الضريبة يسبِّب خسارة كذا مليار جنيه، وردَّ عليه أحد أعضاء المجلس بأنه لا مانع من خسارة بضعة مليارات لمصلحة الفقراء.

 

رفع الكفاءة

 الصورة غير متاحة

أحد سائقي النقل يحتج على ارتفاع أسعار السولار

 الدكتور مصطفى السعيد وزير الاقتصاد الأسبق يؤكد ضرورة إعادة تسعير الغاز المصري المصدَّر للخارج والمستخدَم في الداخل من الشركات الاستثمارية لإعادة تصدير منتجاته؛ وفقًا للأسعار العالمية؛ حفاظًا على الثروة الطبيعية المصرية وحقوق المواطنين والوطن، في ظل الارتفاع العالمي المستمر لأسعاره ونضوب البترول وتدني السعر المصري لتصديره.

 

ويضيف أن وزير المالية مضطرٌّ لزيادة العلاوة السنوية للعاملين في الدولة ومخصصات الدعم؛ بناءً على تعليمات سياسية "غصب عنه"؛ من أجل تخفيف حدَّة الغلاء، ويجب فرض ضرائب تصاعدية لزيادة الحصيلة للموازنة.

 

ويطالب برفع كفاءة الشركات التي تريد الدولة بيعها وفقًا لسياستها في الخصخصة، والتي تبلغ 153 شركة، ولقد خصخصت سبع شركات فقط؛ وذلك من أجل رفع قيمتها الحقيقية أثناء البيع أو استمرارها وترشيد نفقاتها.