أثار موافقة حركة المقاومة الإسلامية حماس والفصائل الفلسطينية المختلفة على تهدئة متبادلة وشاملة مع الكيان الصهيوني، لمدة ستة أشهر، تبدأ من قطاع غزة، وتمتد خلال هذه الفترة إلى الضفة الغربية، على أن تكون مربوطةً بفك الحصار وفتح المعابر العديد من التساؤلات والتكهُّنات حول أسلوب المقاومة الفلسطينية ومستقبلها في المرحلة المقبلة، والأسباب التي دفعت الفصائل الفلسطينية لقبول هذه التهدئة؟ والمكاسب الحقيقة المترتبة على ذلك؟ وهل هذه التهدئة تصبُّ في صالح الشعب الفلسطيني أو في صالح الكيان الصهيوني؟
كما أثار تدخل مصر هذه المرة وبقوة في عملية التهدئة الكثير من التساؤلات لدى المهتمين بالشأن السياسي؛ حول الدور المصري الكبير الذي لعبته لعقد اتفاق يشمل جميع الفصائل ومن بينها حماس وفتح، وغيرهما من الفصائل الفاعلة على الساحة الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني.
الخبراء أكدوا أن المرونة التي أبدتها حركة حماس بقبولها أن تسري التهدئة لمدة ستة شهور على قطاع غزة أولاً، قبل أن تشمل الضفة الغربية بعد تلك الفترة أو أثناءها سجَّلت عددًا من المكاسب لصالح الشعب الفلسطيني المحاصَر، كما وضع الاتفاق أو ما أُطلق عليه "تهدئة القاهرة" كثيرًا من الضوابط التي يحفظ بموجبها خطّ الرجعة في حال عدم موافقة الاحتلال على التهدئة، أو خرقه لها في أي مرحلة من مراحل سريانها؛ بحسب ما هو متفق عليه، سواءٌ في مسالة فتح معبر رفح، أو العودة إلى مربع المقاومة.
الدكتور محمود الزهار القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية حماس ووزير الخارجية الفلسطيني السابق أكد أن قبول الحركة للتهدئة جاء سعيًا من الحركة للحفاظ على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، ورغبةً منها في إنجاح الجهود المصرية؛ حيث ينتظر أن تتوَّج هذه المساعي المشتركة، فيما لو التزم الطرف الصهيوني بما جاء فيها، بفك الحصار الخانق، وفتح المعابر، ووقف عدوان جيش الاحتلال.
شروط التهدئة
![]() |
|
د. عبد الله الأشعل |
وأكد د. الأشعل أن الحكومة الصهيونية تتعمَّد الميوعة السياسية في قبول أو رفض المبادرة المصرية؛ فالحكومة الصهيونية يصدر عنها بيانات غير رسمية؛ تؤكد رفضها للمبادرة والمطالبة بإقصاء حماس عن الساحة السياسية الفلسطينية وفي نفس الوقت تصدر بيانات أخرى تدعو إلى قبول التهدئة مع الجانب الفلسطيني؛ في محاولة لاسترضاء الرأي العام الفلسطيني الذي أصبح لا يشعر بالأمان في ظل استمرار عمليات المقاومة الفلسطينية.
وشكك السفير عبد الله الأشعل في إمكانية قبول الكيان الصهيوني مبادرة التهدئة التي ترعاها مصر في ظل موافقة فلسطينية، مؤكدًا أن الكيان الصهيوني لا يستطيع العيش بدون اغتيالات وسفك دماء واجتياحات؛ لأن تلك الممارسات ضمن خطة إستراتيجية يسيرون عليها.
تصرف عاقل
اللواء جمال مظلوم
وفي نفس السياق أكد اللواء جمال مظلوم مستشار مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية أن موقف حركة المقاومة الإسلامية حماس يُعد تصرفًا متوازنًا وعاقلاً في ظل تلك الظروف الصعبة التي يمر بها أهالي قطاع غزة في ظل حصار اقتصادي وسياسي خانق، مشيرًا إلى أن تضامن الفصائل الفلسطينية واتفاقها على تلك اللحظة التاريخية ضروري حتى وإن رفض الكيان الصهيوني مبادرات التهدئة؛ حيث سيكون ذلك الاتفاق والتجمع بدايةً صحيحةً في مسار المقاومة الفلسطينية السليمة.

وأكد اللواء مظلوم رفض الكيان الصهيوني مبادرات التهدئة "كالعادة"؛ لأن قبوله التهدئة مع حماس وفصائل المقاومة معناه اعترافه ضمنيًّا بالمقاومة الفلسطينية وهذا ما يرفضه الكيان وبقوة، مشيرًا إلى أن سياسة الاغتيالات والاجتياحات منهج صهيوني دائم في تعامله مع الفلسطينيين، وهذا ما يؤدي إلى نسف أي مبادرة تهدئة في الحاضر أو المستقبل.
إجماع وطني
اللواء طلعت مسلم
وأضاف اللواء طلعت مسلم الخبير الإستراتيجي أنه لا يتفاءل بقبول الكيان تلك التهدئة؛ رغم قبول معظم الفصائل الفلسطينية لها في ظل الرعاية المصرية، مؤكدًا أن الكيان الصهيوني له مشروعه الاستيطاني الخاص به، وأن تلك التهدئة ستعمل على إجباره على وقف ذلك المخطط حتى ولو فترة قليلة، وهذا ما سترفضه الحكومة الصهيونية وبشدة.

وأشاد مسلم بإجماع الفصائل الفلسطينية حول مشروع، حتى وإن كان ذلك الإجماع حول مشروع تهدئة، مضيفًا أن ذلك الإجماع بداية لإجماع وطني شامل حول القضايا الرئيسة التي تهم الشارع الفلسطيني.
وأشاد اللواء مسلم بالدور المصري المبذول في الوساطة بين الفصائل الفلسطينية بعضها وبعض وبين الفصائل والكيان؛ للعمل على إنهاء الأزمة الإنسانية الخانقة التي يمر بها قطاع غزة.
نجاح المقاومة
محمد عصمت سيف الدولة
ويقول المهندس محمد عصمت سيف الدولة الكاتب والخبير في الشئون الفلسطينية إن تلك المبادرة التي ترعاها مصر لتفعيل التهدئة بين الفصائل الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني لن تنجح إلا إذا لا قدر الله اعترفت فصائل المقاومة بمشروعية دولة "إسرائيل"؛ لأن قبول الكيان بالتهدئة هو اعتراف بمشروعية المقاومة ومشروعها الإستراتيجي، وبالعكس إذا قبلت حماس والفصائل الهدنة بالشكل الذي يريده الصهاينة؛ فعليهم القبول بمشروعية الدولة الصهيونية.

وأشاد سيف الدولة بموقف حماس الذي يراعي الموقف الإنساني لأهالي غزة بقبوله التهدئة المشروطة مقابل وقف العدوان وفتح المعابر ورفع الحصار، مؤكدًا أن أهالي قطاع غزة أسرى في السجن الصهيوني الكبير، ومحاولة إحداث تهدئة بين المقاومة والفصائل ما هي إلا محاولة من الأسير الفلسطيني لتحسين شروط أسْره للأفضل.
ومن ناحية أخرى أكد عصمت سيف الدولة أن موقف الدولة المصرية تجاه القضية الفلسطينية لا يعبر بالضرورة عن موقف الشعب المصري وتياراته السياسية المتنوعة، مضيفًا أن تدخل السلطات المصرية في هذه الأثناء هي محاولة لحفظ ماء الوجه أمام العالم المواطن المصري والعربي من ناحية، ومن ناحية أخرى الحفاظ على أمنها القومي كما تزعم من حين لآخر؛ وحتى لا تلجأ إلى اتخاذ أساليب عنيفة مع الفلسطينيين في حال تجاوزهم واختراقهم معبر رفح، كما حدث في أوائل العام الحالي؛ نتيجةً للحصار الخانق المفروض عليهم من العدو الصهيوني.
ذكاء حمساوي
فتح معبر رفح مطلب فلسطيني
ومن ناحية أخرى يرى الدكتور طارق فهمي المحلل السياسي أن حماس في الفترة الأخيرة وقعت تحت ضغوط دولية وإقليمية جعلتها تقبل التهدئة مع الجانب الصهيوني، ولكن الذكاء الحمساوي تمثَّل في موافقة حماس على تلك المطالب الدولية والإقليمية، وخصوصًا لموقف مصر الذي طالما طالب حماس بعقد هدنة مع العدو الصهيوني، مشيرًا إلى أن حماس تعاملت مع تلك الدعوات بشيء من الفطنة والذكاء، وفي ذات الوقت ستستغل هذه الفترة في إعادة ترتيب أوراق الحركة؛ حتى تكون جاهزة لأي طارئ في الفترة القادمة.

وأضاف أن موقف حركة حماس لا يمكن المزايدة عليه؛ حيث إن قبول الحركة لهذه الهدنة كان مشروطًا في البداية بشروط ثلاثة؛ هي: وقف جميع أشكال العدوان وفتح المعابر ورفع الحصار عن غزة، مضيفًا أن قبول الحركة التهدئة مع الكيان لا يعني بأي حال الاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة متمسكة بذلك بالثوابت الوطنية التي طالما نادت بها.
وأشار فهمي إلى وصول حركة حماس إلى اتفاق مع السلطات المصرية في ظل امتناع السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن عن التعاون مع النظام المصري، وفي ظل دعوات صهيونية شديدة وحثيثة لفتح حوار مع حماس؛ باعتبارها حركةً سياسيةً وليست منظمةً إرهابيةً على حد زعمهم.
مضيفًا أن الحكومة الصهيونية تعاني من زلزال سياسي يقوده 4 وزراء يعارضون المفاوضات مع عباس، يصفون السلطة الفلسطينية بـ"البطة العرجاء" وبـ"الحصان الخاسر"، مؤكدين أن كثيرًا من خيوط اللعبة السياسية على الساحة الفلسطينية في يد حماس والفصائل الفلسطينية؛ التي يجب أن يتعاملوا معها بدلاً من السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
