فجَّر حادث التصادم بطريق مصر- أسوان الزراعي، الذي كشف النقاب عن جريمة تهريب لحوم حمير تمهيدًا لطرحها بأسواق القاهرة، إعادةَ فتح ملف مافيا الكسب السريع حتى لو كان على حساب صحة المواطن المصري، وسط استكانة تامة للرقابة الحكومية في مصر، واستمرارًا للحالة غير المسبوقة التي يمر بها الشعب المصري؛ من غلاء لكافة متطلبات الحياة، وعمليات غشّ لم تحرِّك الحكومة لها ساكنًا.

 

وأعرب الخبراء والمتخصِّصون والمهتمون بالشأن العام عن قلقهم على الحياة الصحية في مصر، مؤكدين أن المساس بصحَّة المواطن من أهم المخاطر التي من شأنها أن تهدد الأمن القومي المصري.

 

(إخوان أون لاين) قام بجولة في الشارع المصري للتعرُّف على رأي المواطنين في فضيحة بيع لحوم الحمير بعد ذبحها، وأسباب لجوء البعض إلى شراء اللحوم، خاصةً من الأماكن التي تثور حولها شائعات بيع لحوم حمير أو كلاب وما شابه ذلك.

 

تقول وفاء سيد "ربة منزل" إنها بمجرد علمها بخبر بيع لحوم الحمير، قامت بإلقاء جميع اللحوم الموجودة بالثلاجة، وأصابتها هي وأبناءها حالةٌ من القيء المستمر، مطالبةً بسرعة تدخُّل المسئولين لمعاقبة هؤلاء الجَشِعِين، الذين لا يهمُّهم سوى الربح حتى ولو كان على حساب صحة المواطنين وحياتهم.

 

 الصورة غير متاحة

الدماء تسيل من حمار لحظة ذبحه

ويضيف سيد حسين "موظف" إن الأهالي يشْكُون من اللحوم الحمراء التي يأكلونها والتي تباع في الأسواق العشوائية وبأسعار رخيصة جدًّا، مضيفًا أن معظم حالات الوفاة التي تتم في منطقته تتم بسبب الأمراض المعوية الناتجة عن هذه اللحوم مجهولة الهوية.

 

ويشير سمير علي "تاجر بقالة" إلى أن عملية ذبح الكلاب والحمير وبيعها للمواطنين على أنها لحوم صالحة تتم منذ فترة كبيرة، وبالتحديد في أحواش المقابر، ويتم نقلها إلى المجازر، مشيرًا إلى أن المشكلة تكمن في أن الأهالي فقراء، ويلهثون وراء كل ما هو رخيص، خاصةً أن تلك اللحوم تُباع بأسعار رخيصة، فلا يهتمُّ أحد بشكلها ولا لونها ولا رائحتها، وكل ما يهمهم أنها لحمة.

 

ويوضح جهاد محمود "طالب" أنه عندما سمع عن تلك الواقعة أقسم أنه لن يأكل من تلك العربات الموجودة في الشوارع؛ فالحياة على حدِّ قوله "ما تتعوضش"، لافتًا إلى أنه كان يأكل من تلك العربات لأنها أرخص ثمنًا من تلك المطاعم الفاخرة، وأنه يرغب في تناول تلك اللحوم لأن ظروف أهله المادية لا تسمح بأن يأكلوا اللحوم ثلاث مرات شهريًّا.

 

هذا ما قاله المواطنون، لكن ماذا عن رأي أساتذة الطب البيطري في تأثير لحم الحمير على الإنسان، هل هو ضارّ أم لا يوجد اختلاف بين لحم الحمير ولحم الأبقار والجاموس؟!

 

الطب البيطري

يقول د. فتحي النواوي أستاذ صحة اللحوم بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة: الفيصل في هذا الموضوع هو الشريعة؛ فإذا طالبَنا دينُنا بالابتعاد عن لحوم الحمير ونهى عن تناولها، فمن المنطقي أن هذه اللحوم ضارَّة بجسم الإنسان وصحته، حتى لو لم يُثبت العلم ذلك، أو ساوى بين لحوم هذه الحمير المحرَّمة شرعًا ولحوم الأبقار أو الماعز المسموح بأكلها، وأثبت أن لحوم الحمير غير ضارة لجسم الإنسان؛ لأن التجربة أثبتت على مر العصور أن مَن يخالف شريعة الله يتعرَّض للكثير من الكوارث، وخيرُ مثال على ذلك أن مشكلة جنون البقر كان السبب فيها هو سَحْق عظام الحيوانات ولحومها بعد موتها وتقديمها لنفس الفصيلة، في الوقت الذي يخالف هذا التشريعات السماوية.

 

وهناك الكثير من الأمثلة التي تؤكد لنا أن الإنسان يقع في كوارث بسبب البعد عن تشريعات الله؛ لأن الله هو الذي خلق الإنسان، وهو الذي يعرف ما ينفعه وما يضرُّه، حتى ولو لم يُثبت العِلم ذلك في الوقت الحالي، فمن المؤكد أنه سيأتي اليوم الذي سيتم إثبات ذلك، ولكن بعد أن يكون قد حلَّت كارثة بالإنسان الذي كان يفعل ذلك العمل الذي يخالف شريعة الله.

 

 الصورة غير متاحة

المتهمان بذبح الحمير في الجيزة ومعهما جسم الجريمة

 ويضيف الدكتور عصام محمد رئيس لجنة الصحة العامة وحماية المستهلك بمديرية الطب البيطري بالجيزة أن التقارير أثبتت أن هذه اللحوم غير قابلة للاستعمال الآدمي، مؤكدًا أن تناولها يؤدي إلى حدوث حالات تسمُّم عقب تناول الوجبات، ويؤدي إلى تأثير تراكمي يمتدُّ بعد تناول عدة وجبات، ويؤثر في الكُلَى والكبد، ويُحدِث فشلاً كلويًّا والتهاباتٍ بالأمعاء!.

 

أما الدكتور مصطفى عبد العزيز نقيب الأطباء البيطريين بالقاهرة فقال إن مسألة ذبح الكلاب والحمير وبيعها للمواطنين على أنها لحوم أبقار منتشرة في مصر، خاصةً في الأسواق العشوائية ولدى الباعة الجائلين؛ في ظل وجود مافيا تعمل في تلك التجارة، وتهدف إلى تحقيق أرباح كبيرة حتى ولو كان على حساب صحة المواطنين وحياتهم.

 

وطالب عبد العزيز وزارةَ الصحة بتشديد الرقابة في هذا الشأن بالتنسيق مع كافة الأجهزة، وتشديد العقوبة على المخالفين، خاصةً الذين يقومون بتزوير أختام الطب البيطري، وطالب بزيادة عدد المفتِّشين والأطباء البيطريين لضبط الأسواق.

 

وفيما يتعلق بلجوء المواطنين إلى شراء تلك اللحوم، رغم الشائعات التي تدور حول مصدرها، وأنها لحوم "كلاب وحمير نافقة"، يؤكد عبد الحليم قنديل أحد منسقي حركة (كفاية) أن ذلك يرجع لعدة أسباب؛ منها الفقر الذي يعصف بحياة المواطنين؛ فالفقر، على حدِّ قوله، يجرِّد الإنسان من آدميته، ثم يجرِّده من كرامته، ثم يجرِّده من عقله، ومِن ثَمَّ يفقد حياته؛ فالحياة بعد ذلك ليس لها فائدة، ثم يلجأ الفقير إلى العنف أو يحبط ويموت كمدًا.

 

 الصورة غير متاحة

عبد الحليم قنديل

 ويرى عبد الحليم قنديل أن الفساد الذي يعيش فيه المواطن المصري جعل كل شيء فاسدًا من حوله، حتى تحوَّل طعامُه إلى طعام فاسد؛ فالانتخابات والتعليم والاقتصاد والسياسة والصحة وغيرها تغرق في وحلٍ من الفساد، حتى طعام الفقير لم يسلم من الفساد.

 

وأضاف: إن الشعب أصبح شعبًا مريضًا بمعنى الكلمة، فالشعب المصري يعاني الكثير من الأمراض التي لا يستطيع أحد أن يتحمَّلَها؛ فالشعب المصري يعاني من الفشل الكلوي والأمراض الصدرية والفيروسية وأمراض الكبد، "ونتيجة تلك الأمراض أصبح المرض لدى المصريين سنَّة الحياة في مصر؛ فالطبيعي أن تجد مواطنًا مريضًا، والعكس صحيح".

 

وعلى الصعيد الاقتصادي يوضِّح ممدوح الولي رئيس القسم الاقتصاد في جريدة (الأهرام) أن الجانب الوقائي في الموازنات المصرية ضعيفٌ وضئيلٌ جدًّا، وتوجَّه هذه الميزانية فيما بعد إلى علاج الأمراض المستعصية، مشدِّدًا على أنه يجب على الحكومة أن تقاوم انتشار الأمراض، وأن تعالج الفقر؛ لأنه عندما يكون الدخل ضئيلاً لا يتساءل المرء وقتها عن نوعية الغذاء وإنما يتساءل عن السعر لأن هذا ما يحكمه!.

 

 الصورة غير متاحة

ممدوح الولي

 واستبعد الولي أن تكون هذه الأزمة حقيقية، معتبرًا أنها نوعٌ من أنواع إشغال الرأي العام المصري عن المشكلات الأساسية؛ مثل طابور العيش، وغيره من المشكلات الكبيرة، مشدِّدًا على أهمية الاهتمام بالمواطنين ورفع المرتبات؛ حتى لا يتغاضى مسئول الصحة عن التجاوزات من أجل اليسير من المال.

 

وأكد الولي أن الفساد مثل السحابة يمكن أن ينتشر في أي مكان، مهما كانت درجة تقدُّمه ما دامت السحابة تمشي على استحياء في سماء القِيَم، مشيرًا إلى أننا نستخدم نظام المسكِّنات لحل المشكلات وليس الحلول الجذرية.

 

وطالب بأهمية دور المجتمع الأهلي في التصدِّي لمثل هذه الأزمات من خلال التوعية السلمية، مشيرًا إلى أن مصر يوجد بها 22 ألف جمعية، و26 نقابة مهنية، وقال: فلنسمح لهم بدور توعية الناس باستخدام الطرق العصرية لتوعية المواطن، وتكون الحلول البديلة في متناول الجميع.

 

أزمة شاملة

 الصورة غير متاحة

أحد المتهمين بذبح الحمير وبيعها للمواطنين

وعلى الجانب الاجتماعي يوضح الدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي أن الشعب المصري يعيش أزمةً كبيرةً، وقال يمكنك أن تلاحظ ذلك حين تنظر في وجوه الناس؛ فستجد أنهم مأزومون غير سعداء، مُحبَطون مُجهَدون، تظهر على بعضهم علاماتُ الضيق، وعلى بعضهم علاماتُ الإعياء، وعلى بعضهم علاماتُ الانكسار، وعلى بعضهم علاماتُ الإصابة بأمراض الكبد والكلى، وستجد قليلين منهم سعداء أو مبتسمين!.

 

وستتأكد لديك هذه الملاحظة إذا كنت عائدًا لتوِّك من خارج مصر، وعقدت مقارنةً بين ما شاهدته في أهل البلد الآخر وما شاهدته في المصريين؛ فستجد الفرق واضحًا في نوعية الحياة واستمتاع الناس (الآخرين) بها، وإذا فتحت التليفزيون أو قرأت الصحف فسوف يَهُولُك كمُّ الحديث عن الأزمات في السياسة والاقتصاد والتعليم والرياضة والخطاب الديني والأزمات الطائفية، وغيرها كثير، وسوف تكتشف أن الحديث عن الأزمات يكثر دون حلٍّ لها، وهذا يصيب الناس بحالة شديدة من الإحباط والقهر وفقدان الأمل وقلة الحيلة.

 

ويضيف أن هناك تعمُّدًا واضحًا بالاستهانة بصحة الناس وراحتهم؛ مما جعل هذه المشكلة ومشكلات كثيرة غيرها تتراكم وتتحوَّل إلى أزمات تخنق وتحبط الناس بلا مبرر، وفي النهاية الإنسان المصري الفقير "الغلبان المريض" هو الضحية!.

 

الانتهازيون

 الصورة غير متاحة

الحمار انضم لقائمة طعام المصريين في عهد حكومات الوطني!!

ويؤكد الدكتور منير جمعة رئيس لجنة الدعوة بالجمعية الشرعية أنه في ظل غياب التربية الدينية ومحاربة المتديِّنين والعلماء الذين يقومون بتربية الناس بالعلم الصحيح، أدَّى ذلك إلى وجود طبقات انتهازية في المجتمع ليس لها خُلُق، وخطرُها يتطاير في كل مكان، إضافةً إلى نظامٍ فاسدٍ مستبدٍّ، لا يهتم بمحاربة الفساد، بل هم الذين يصنعون الفساد ويرعونه في أحيان كثيرة، مضيفًا أن اجتماع فساد جزء من طبقات الشعب وفساد النظام الحاكم معًا جعل العبء مضاعفًا.

 

وأضاف د. جمعة: لحم الحمير محرَّم شرعًا، وإذا كان الفرد مضطرًّا يلجأ إلى الأسماك أو إلى أي نوع آخر من البروتينات الرخيصة، مؤكدًا أن النفس الضعيفة هي التي تشْرئبُّ للفتن والشهوات كلما لاحت لها.