عبر خبراء ومحللون سياسيون عن استيائهم الشديد من نتائج وقرارات القمة العربية التي اختتمت أعمالها الأحد بالعاصمة السورية دمشق، وتوقَّعوا مزيدًا من التوتُّر والتأزُّم في العلاقات العربية.

 

واعتبر المحلِّلون أن القمة العربية كرَّست الانقسام بين الدول العربية القريبة من الولايات المتحدة من جهة، وسوريا من جهة أخرى، وأضعفت احتمالات التوصل إلى حلٍّ قريبٍ في لبنان، مؤكدين أنه لا أمل في حلٍّ قريبٍ للخلافات العربية- العربية.

 

كانت القمة العربية العشرون قد اختتمت أعمالها في دمشق، وأصدرت مقرراتها وبيانًا ختاميًّا حمل اسم "إعلان دمشق"، ولم يحمل الإعلان جديدًا في معالجة ملفات القضايا الساخنة، بَيدَ أن الرئيس السوري بشار الأسد ومسئولين عربًا رأوا أن نجاح القمة في انعقادها وفي أجواء الهدوء والموضوعية والصراحة التي سادت أعمالها!!.

 

لا جديد

 الصورة غير متاحة

 د. عصام العريان

وتعليقًا على نتائج القمة يقول الدكتور عصام العريان القيادي في جماعة الإخوان المسلمين إن كل القرارات التي صدرت عن القمة العربية ذهبت أدراج الرياح؛ بسبب افتقاد الإرادة السياسية للحكام العرب والتمثيل غير الحقيقي للشعوب العربية، مؤكدًا أن هؤلاء الحكام لا تحركهم إلا مصالحهم الخاصة وليس مصالح شعوبهم وأوطانهم.

 

وأعرب العريان عن اعتقاده بعدم حدوث تغيير في الأوضاع العربية بعد قمة دمشق، بل استمرار الأوضاع على ما هي عليه، وأضاف: "نحن أمة محلَّك سِر، ولا أتصور حدوث مزيد من التدهور أو التردي في الأوضاع العربية؛ لأننا وصلنا إلى مرحلة مأساوية، وأصبحنا نتلقى الأوامر من واشنطن".

 

وأكد العريان أنه ما لم تتمكن الشعوب العربية من نيل حريتها فإن الجالسين على كراسي الحكم في الدول العربية سيظلون ممثلين غير حقيقيين لهذه الشعوب.

 

عجز

 الصورة غير متاحة

 د. حسن نافعة

 

ويضيف الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والأمين العام لمنتدى الفكر العربي المشكلة الحقيقية أن العالم العربي غير قادر على معالجة أي مشكلة؛ لأن في بنيته أوجه خلل على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري، ولم يتمكن إلى الآن من إيجاد صيغة لمعالجة ذلك الخلل والعثور على صيغة تكاملية تسمح له بالانطلاق نحو آفاق جديدة، وبالتالي فقرارات القمة لن تؤثر في انتشال العالم العربي من كبوته وواقعه المرير ما لم يعثر على وسيلتين مهمتَين؛ أولاهما إيجاد آلية لتسوية النزاعات العربية بالطرق السلمية، وإيجاد آلية فعَّالة لتكامل عربي حقيقي على نمط التجربة الأوروبية، وفي غياب هاتين الآليتين لن يتقدم العالم العربي، وسيخرج من حفرة صغيرة ليقع في كارثة كبرى.

 

وحذَّر د. نافعة من المخطط الصهيوني في تفتيت العالم العربي إلى دويلات طائفية، مشيرًا إلى ضرورة إيجاد آلية فاعلة لتكامل عربي حقيقي في مواجهة خطر التوغل الأمريكي الصهيوني بالمنطقة.

 

وأضاف أن القمة تحوَّلت إلى قمة خاصة بالأزمة اللبنانية وكأنها الأزمة الوحيدة في العالم العربي، وهي مهمة في كونها ترمومترًا لقياس الأزمات في العالم العربي؛ فلبنان تجسيد لكل أزمات المنطقة والتدخلات المحلية والإقليمية والعالمية، ففي الأزمة اللبنانية جزء يتعلق بفلسطين، وجزء آخر يتعلق بالمشكلة الطائفية في العالم العربي، وكذلك تتعلق بالتدخلات الخارجية من أمريكا والكيان الصهيوني وسوريا وإيران، والأزمة اللبنانية أزمة عاكسة لتناقضات الواقع العربي وعلى العالم العربي معالجة تلك القضايا بما سيسهِّل حلَّ المشكلة اللبنانية.

 

تلاعب

 الصورة غير متاحة

د. محمد السيد سعيد

 

بدوره اعتبر محمد السيد سعيد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن القمة لم تفضِ إلى أي نتائج، وقال: "كان هناك اعتماد على جماليات اللغة العربية للإيهام بأنه حدث توافق بين العرب بينما كان التوافق غائبًا تمامًا"، مؤكدًا أن "هناك شبه إجماع عربي على أن سوريا بالغت في التلاعب في الوضع اللبناني"، مرجِّحًا أن "تستمر الشروخ في الفترة المقبلة".

 

وأضاف أن "القمة لم تغيِّر شيئًا بالنسبة إلى لبنان، ومهما يكن من أمر فسيظل الوضع في لبنان في طريق مسدود"، ويرى د. سعيد أن انعقاد القمة في غياب نصف القادة العرب "لم يؤدِّ إلى انهيار أو انكسار الجامعة العربية"، مذكِّرًا بأن "العلاقات العربية- العربية مرت بأزمات أشد من التي نشهدها اليوم".

 

فقدان الثقة

 الصورة غير متاحة

محسن راضي

ويضيف محسن راضي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري أن القمة العربية لم تعد موضع أمل وثقة للشعوب العربية، التي كانت تنظر إلى مثل هذه القمة في السابق بأمل وتنتظر منها قرارات وتوصيات لصالح الأمة العربية، ولكن الآن لا تريد القمة ولا توصياتها.

 

وأوضح أن الشعوب فقدت هذه الثقة بعدما شاهدت حرص مجموعة من القادة العرب على إفشال هذه القمة بصورة أو بأخرى، لافتًا إلى أن القمة أصبحت تجمُّعًا بلا اهتمام من جانب الشعوب العربية التي تبحث عن مخرج مما فيه بعيدًا عن الحكام العرب من أجل تحقيق أهدافها وطموحاتها.

 

واعتبر عضو الكتلة أن الخلافات القائمة بين الحكام العرب هي مظهر من مظاهر فشل القمة وعدم القدرة على التوصل إلى أجندة عمل نابعة من إرادة وطنية عربية، وأكد أن أيَّ تجمع يبعد عن طموحات وآمال الشعوب سيبوء بالفشل لا محالة، وأن هذه الأنظمة إذا لم تعبر عن نبض مواطنيها فلا قيمة لهذه الاجتماعات والقمم.

 

نصف نجاح

 

د. رفعت سيد أحمد

 وأكد د. رفعت سيد أحمد المدير العام لمركز يافا للدراسات والأبحاث أن مجرد انعقاد القمة يعتبر "نصف نجاح"؛ بسبب الضغوط الأمريكية الواضحة على الحكام العرب الموالين لواشنطن لمقاطعة القمة، وأشار إلى أنه يجب الأخذ في الاعتبار حجم الضغوط التي مورست على الحكام العرب حتى لا تعقد القمة في دمشق، بغض النظر عن النظام السياسي القائم فيها، باعتبارها دولة صمود وتدعم حركات المقاومة في فلسطين ولبنان.

 

واعتبر أن ما تمخَّض عن القمة من القرارات هي أشبه بقصيدة غزل كما قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم لا بد أن تكون بين طرفين، مؤكدًا أن الأطراف الراغبة في التصالح لا بد أن يكون لديها استعداد، وإلا فإن هذه القرارات ستفشل؛ لأنه لا بد من وجود بيئة حاضنة لإنجاح هذه القرارات.

 

وتوقع سيد أحمد عدم تنفيذ أغلب القرارات التي صدرت عن قمة دمشق، مؤكدًا أن تنفيذ القرارات الصادرة عن القمة يتطلَّب وجود نوايا حسنة من الأطراف العربية المختلفة، وأنه ما لم يحدث ذلك فمن المتوقع حدوث انشقاق عربي، خاصةً في ظل رغبة أمريكا في إشعال المنطقة من خلال شن حرب على إيران.

 

ورفض المدير العام لمركز يافا للدراسات والأبحاث وصف قمة دمشق بـ"الفاصلة" في العلاقات العربية- العربية، معتبرًا أن ما اكتسبته هذه القمة من أهمية جاء نتيجة أنها جاءت في سياق الضغوط الأمريكية.

 

فضح الأنظمة

 الصورة غير متاحة

د. مجدي قرقر

بدوره قال الدكتور مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل إن القمة العربية الأخيرة لا تستمد أهميتها من القرارات الصادرة عنها، ولكن للأسف الشديد فإن هذه القمة مفصلية؛ لأنها أحدثت شرخًا كبيرًا بين الدول الموالية لواشنطن والدول التي تحاول مواجهة الحلف الصهيوأمريكي.

 

ولفت قرقر إلى أن هذه القمة فضحت الأنظمة العربية من خلال خضوعها الواضح للإملاءات الأمريكية، خاصةً بعد أن أصرَّت واشنطن على إرسال وزيرة خارجيتها كونداليزا رايس إلى المنطقة في وقت انعقاد القمة، رغم زيارتها للمنطقة منذ أيام قليلة.

 

وأضاف أن القمة كشفت أن سلطة الزعماء العرب أكبر من سلطة الجامعة العربية وأن سلطة الرئيس الأمريكي أكبر من سلطة الزعماء العرب، موضحًا أن عدم رضا الولايات المتحدة عن هذه القمة أدى إلى التمثيل الضعيف والهزيل لدول بحجم مصر والسعودية في القمة.

 

وأكد قرقر أن قرارات القمة لن تتعدى أن تكون حبرًا على ورق في ظل غياب الإرادة العربية وبقاء الأنظمة غير الديمقراطية في الحكم، مشدًِّدًا على أن هذه القمة وما سبقتها من قمم لا تعبر عن طموحات الشعوب العربية.

 

واعتبر الأمين العام المساعد لحزب العمل أن قمة دمشق تولَّد عنها شرخ كبير في العلاقات العربية يتطلب زمنًا كبيرًا حتى يلتئم، متوقعًا في الوقت نفسه مزيدًا من التدهور في العلاقات بين الدول العربية بسبب الهيمنة الأمريكية على القرار.