باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب

 الصورة غير متاحة

م. محمد المرسي

 

غُلِّقت دوننا أبواب الزنازين، سواءٌ في سجن المحكوم اللعين أو في سجن مزرعة طرة، غُلِّقت هذه الأبواب لتحول بيننا وبين كل ما كان خارج هذه الزنازين، حتى إدارة السجن هنا وهناك، إلى أن انفرجت الأمور بعدُ في سجن المزرعة وأصبح بيننا وبين الإدارة تواصل نسبي لتسيير أمورنا.

 

حين غُلِّقت الأبواب ظنَّ مَن أمروا بإغلاقها أنهم وضعونا في الجحيم بحرماننا من حرياتنا وأولادنا، وأزواجنا وأموالنا، وإخواننا وشُعَبنا، أما نحن فيصدق فينا قول ربنا ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (الحديد: من الآية 13)، نعم والله.. باطنه- وهو جهتنا من هذا الباب- فيه رحمات وليست رحمة واحدة، كيف ذاك ونحن سجناء؟!.. أقول لكم كيف ذلك.

 

في سجن المحكوم كما يعلم المجرِّبون وكما حكينا أو حكى غيرنا من قبل، حُشرنا في زنزانةٍ طولها حوالي سبعة أمتار ونصف المتر وعرضها متران ونصف المتر؛ يتوسطها حمام مكشوف السقف؛ لا يحجزه بابٌ، يقابل الزنزانة مباشرة، وكنا ستة عشر رجلاً؛ أعمارنا تتراوح بين الثلاثين والستين، ننام ونأكل ونشرب ونستحم ونقضي حاجتنا ونلعب الرياضة ونُصلي في هذه "المحشرة".

 

أحكي كل هذا لأصوِّر صعوبة الحياة في هذا المكان على أناسٍ اعتاد أغلبهم حياةً كريمةً وسعة العيش.. لقد كان متوقَّعًا أن يصارع بعضهم بعضًا أو أن يتزاحموا على الأقل ليأخذ كلٌّ منهم حظًّا أوفر من صاحبه في المكان أو من الطعام، كان متوقَّعًا أن يكون اختلاف الأمزجة سببًا في التشاجر أو التناحر؛ فهذا يريد أن ينام في الضوء، وذلك يريد النوم في الظلام.. هذا يريد طعامًا قليل الملح، وذلك يحب الملح الكثير، وهذا يعلو صوته أثناء النوم بالشخير وذلك تزعجه الأصوات وتؤرقه عند نومه، إلى آخر ما يقلق أفراد الأسرة الواحدة في البيت الفسيح الرحيب.

 

لكن رأيتُ مع هذا الجمع عجبًا- ولا سيما أنها التجربة الأولى لي مع السجون- نعم رأيتُ عجبًا؛ فعند الطعام كل واحد يؤثر أخاه بما في يده، ويحاول أن يتكيَّف مع نوعية طعام أخيه، وعند النوم لا يطلب واحد من إخوانه تغيير عاداتهم لتوافق ما اعتاد هو عليه، وكلٌّ يفسح لأخيه مكانه، سواءٌ عند الجلوس أو النوم؛ فربما نام أحدهم في وضع القرفصاء طوال الليل ليفسح لأخيه مكانه.

 

رأيت هؤلاء العظماء يتسابق كلٌّ منهم؛ كبيرهم وصغيرهم، مَن عاش هذه الظروف من قبل ومن كان حديث عهد بها.. رأيتُ كلاًّ منهم يتسابق ليأخذ المكان الأسوأ والظروف الأصعب ليخليَ لأخيه المكان الأفضل والظروف الأكثر يسرًا؛ ففي سجن المحكوم كانت بعض الأماكن قريبةً من الحمام فهي معرَّضة للبلل من مياهه، وقريبة من الباب فهي معرَّضة لتيارات الهواء في برد الشتاء في شهرَي ديسمبر ويناير، وكم كان ذلك مؤذيًا لهم، ومع ذلك يأبى أيٌّ منهم أن يبدِّل مكانه مع صاحبه رغم إصرار صاحبه على ذلك.

 

نعم.. برز في هذه المحنة كثيرٌ من مظاهر الإيثار والرحمة مما لا يتسع المقام لذكره في هذه العجالة السريعة.

 

ومن مظاهر الرحمة في باطن هذا الباب أن أمثالي من الذين لم يسبق حبسهم كانوا في حالة اضطراب وربما قلق أو ضجر، فكان المجرِّبون يبذلون جهدًا لا يمكن للكلمات أن تصفه ليهوِّنوا على إخوانهم آلامهم رغم أنهم يعانون مثلهم؛ كانوا يقصُّون علينا حكايات من تجاربهم السابقة، وكيف كان لطف الله معهم في كل حين، وكانوا يتفنَّنون في حفلاتِ السمر ليُدخلوا السرور على إخوانهم، وكانت صدورهم متسعةً لمَن يضج من أحواله؛ فربما ثار في موقف أو تلفَّظ بما لا يليق، فكان استيعابهم لهذه المواقف منقطعَ النظير.. إنه الإيمان الصادق والأخوة الصحيحة وراء هذا السموِّ الأخلاقي.

 

ومن الرحمات التي منَّ الله بها علينا في باطن هذه الأسوار أن الجميع انطلقوا مع كتاب الله تلاوةً ومراجعةً وحفظًا؛ فترى هذا في ركنه ممسكًا مصحفه، وهذا يجلس إلى أخيه يراجع عليه ما حفظ، وهذا يتأمَّل معنى آية، وما أجمل قيام الليل في هذه الأحوال والقلوب متعلِّقة بالله، فترى الآيات وكأنها تتنزل الآن على إمام المصلين وهو يقرؤها عليهم.

 

وغير ذلك كنا نجلس سويًّا نتدارس آيات من كتاب الله أو نستمع إلى محاضرة في معنى إيماني يلقيها علينا أحد هؤلاء العظماء، أو نستمع إلى محاضرة من أحدنا في تخصُّصه الحياتي؛ فهذه محاضرة في الكيمياء الحيوية، وتلك في مكافحة العدوى، وثالثة في الحاسب الآلي، وأخرى في أصول المحاسبة المالية، وغيرها في كهرباء المنازل أو صيانة السيارات.. وهكذا.

 

تُرى أي رحماتٍ تلك التي أنعم بها علينا في باطن هذه الأسوار؟!.. ألم أقل لكم في الحلقة السابقة: "وقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت".

 

ولكن كما قلت في اللقاء السابق: سيظل السجن بلوى ندعو الله أن يرحم منها البلاد والعباد، وستبقى الحرية قيمةً عليا نأبى أن تُنتَهك أو تُداس.