بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد ومَن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. أما بعد..
فإنه منذ أن بدأت الخليقة وعلى مرِّ الزمان والحق والباطل يتصارعان، وعلى مرِّ العصور يقيِّض الله للحق رجالاً يعرفون قيمته ويبذلون الغاليَ والنفيس في سبيل نصرته، ويقاومون من أجل رفع رايته.. هذه الراية التي لا ترتفع إلا بهذه التضحيات، وهذه المقاومة التي هي شعاع ضوء في هذا الظلام، شعاعٌ يتوهَّج بتضافر جهود الأحرار الشرفاء حتى يُعيد فجر الحق ساطعًا وتنقشع معه ظلمة الباطل الدامس؛ لذلك فإنه يشرفني أن أحضر بينكم اليوم لنزرع سويًّا بذرة هذا الفجر؛ فإن اجتماعنا اليوم هنا هو الأمل الحقيقي وهو الدليل القاطع على أن الباطل مهما انتفش أو طغى فإنه غير قادر على كسر إرادة المقاومة بداخلنا.

 

تحيةً من القلب لكل من حضر اليوم من شرقٍ ومن غربٍ وقَطَعَ هذه المسافات الطويلة ليجدِّد العهد على تكوين رابطة عالمية تكافح الظلم وتسعى لإقرار الحق والعدل والسلام، والذي هو جوهر رسالة الإسلام الذي يدعو لنشر قيم الحضارة ويقاوم الظلم والفساد والاستبداد.

 

أبدأ كلمتي بأن أعرِّف نفسي إليكم؛ فأنا ابنة هذا الرجل الذي أفخر بالانتساب إليه وأحمل اسمه وسامًا مُشرِّفًا على صدري، والذي يحز في نفسي غيابُه أو تغيُّبه عن هذا الحفل للعام الثاني على التوالي؛ لكونه معتقلاً ومحالاً ظلمًا للقضاء العسكري رغم تبرئته من القضاء المدني أكثر من مرة، لولا أن عزائي أنه معنا دائمًا لا يغيب بفكره وروحه.

 

والدي هو المهندس خيرت الشاطر النائب الثاني لمرشد جماعة الإخوان المسلمين، والذي قضى من عمره ما يقرب من عشرة أعوام خلف قضبان السجون، والذي يحال اليوم إلى المحكمة العسكرية للمرة الثانية، وما أقساها من كلمة!!.

 

يُحال خيرت الشاطر إلى المحاكمة للمرة الثانية لبعض أعوام أخرى خلف الأسوار؛ لا لجريمة أو ذنب جناه، بل لما قدَّمه من خيرٍ لهذا الوطن.. خيرت الشاطر الذي وصفوه بالعقلية البارزة هو الذي جلب الشركات وجلب الاستثمارات وحمل تاريخه سجلاًّ حافلاً من الإنجازات والجهود الإصلاحية التي شهد بها الجميع؛ فما كان من النظام إلا أن يكرمه بالحبس والاعتقال.

 

كما أني أيضًا زوجة الإصلاحي والمناضل المهندس أيمن عبد الغني الذي أفخر به أبًا لأبنائي والمحال أيضًا للقضاء العسكري.. زوجي الذي اعتُقل ثمانيَ مراتٍ وقضى من عمره ما يقرب من خمس سنوات خلف الأسوار ليدفع فاتورة جهوده الإصلاحية ونضاله وما حمل لهذا الوطن من خير.

 

لم أحضر هنا اليوم لأتحدَّث باسم والدي وزوجي فحسب، بل باسم أربعين إصلاحيًّا مدنيًّا محالين ظلمًا للقضاء العسكري، ورغم آلامنا العميقة لهذا الظلم إلا أننا نؤمن في نفس الوقت بأن ما نعانيه من ظلمٍ واستبدادٍ ما هو إلا جزءٌ بسيطٌ مما يحدث لهذا الوطن.

 

فالقضية ليست قضية خيرت الشاطر أو قضية أيمن عبد الغني ومن معهم، القضية أكبر من ذلك بكثير.. هي قضية وطنٍ تُكبَّل إرادتُه وتُصادَر حريتُه وتُحتَقر مقدَّراتُه.. وطنٍ أصبحنا نفتقد فيه الأمن والأمان.. وطنٍ نعيش فيه في ظل نظام أمني قمعي مستبد؛ ينظر للأمور من منظور واحد، هو منظور بقائه واستمراره.. نظامٍ بات يحمي نفسه وكل من يدين له بالولاء أيًّا كانت فضائح هؤلاء أو جرائمهم، حتى لو كانوا قد جلبوا المواد المسرطنة أو أغرقوا المئات في العبَّارات، أو أهدروا المليارات من قوت هذا الشعب المسكين.. لا مانع عند هذا النظام من أن يترك هؤلاء جميعًا لينعموا بالحرية والأمان طالما أدانوا له بالولاء، وفي الجهة المقابلة هو يصفي معارضيه ويصادر حرياتهم ويلقي بهم في غياهب السجون حتى لو كان هذا على حساب مصلحة هذا الوطن ورخائه، وحتى لو كان هؤلاء هم خيرة أبناء هذا الوطن من العلماء والمفكرين والباحثين وأساتذة الجامعات ورجال الأعمال الشرفاء الذين حمل تاريخ كلٍّ منهم سجلاًّ حافلاً من الإنجازات والمساهمات الفعَّالة في بناء ونهضة هذا الوطن.

 

أيها السادة.. بدلاً من أن يُكرَّم هؤلاء الشرفاء، ويُرفعون إلى منصات التكريم كما هو الحال في أغلب البلدان المتقدِّمة، يُزجُّ بهم في السجون، وتُغلق شركاتهم، وتُجمَّد أموالهم ليفقد مئات العمَّال مصدر رزقهم، وليستبدل الأستاذ الجامعي بمنصته العالية زنزانةً حقيرةً ويُحرَم منه طلابه، ويستبدل الطبيب بعيادته قيدًا حديديًّا ويهجرها مرضاه.

 

لا مانع أن يحدث كل ذلك طالما أن هؤلاء قد عارضوا هذا النظام ولم يدينوا له بالولاء، ويجدر بي هنا أيها السادة أن أوضِّح أن أبي ومَن معه ليسوا معارضين، بل مصلحون وأصحاب مشروعٍ حضاري لنهضة هذا الوطن.. مشروعٍ لا يتم إلا في أجواءٍ من الحرية؛ هذه الحرية التي يخشى النظام منحهم إياها؛ حرصًا على بقائه ومصالحه الشخصية، ضاربًا بمصلحة هذا الوطن عرض الحائط.

 

كما أن قضيَّتنا أيضًا هي قضيَّتكم؛ فما نعانيه من ظلمٍ من الاستبداد الجاثم على صدورنا ما هو إلا نسخةٌ للعنصرية الأمريكية الصهيونية على مستوى العالم والسيطرة المهيمنة للرأسمالية المتوحشة على موارد ومقدَّرات الشعوب، وكذلك الغطرسة "الإسرائيلية" وما تفعله بالشعب الفلسطيني الثابت الصامد؛ فإن الاستبداد في بلادنا وغيرها يوفِّر البنية الأساسية من القهر والتخلف والقابلية للاستعمار، ونحن عندما نقاوم الاستبداد نمثِّل من المنظور الإستراتيجي خطَّ المقاومة لهذه الغطرسة الصهيونية الأمريكية.

 

منذ عام أيها السادة جئنا إلى هذا المكان أنا وأسر الـ40 إصلاحيًّا.. جئنا لنسطِّر بكلماتنا بدء هذه المأساة وكيف حدث القبض على هؤلاء الشرفاء.. جئنا لنتحدث عن لحظات الاعتقال وقسوتها وكيف فزَّعت الأسر وروَّعت الأطفال؛ سرقت الأموال حتى من حقائب البنات الصغار.. سردنا فصولاً مؤلمة تُصوِّر كيف سرق منا هذا النظام أربع إفراجات حصلنا عليها من محاكم مدنية يوجب كلٌّ منها الإفراج الفوري عنهم، وكيف عشنا لحظاتٍ قاسية من إعادة الاعتقال بعد البراءة، فكنا نتلقَّى في اليوم الأول مكالمات التهاني من كل مكان لنتلقَّى في اليوم التالي مكالمات المواساة من الأهل والجيران.. كيف كانت صدمة الأطفال وقد فرحوا وارتدَوا حُليَّهم.. كيف تحوَّل الإفراج من محكمة مدنية إلى إحالة إلى محكمة عسكرية ليُحرَموا من أبسط حقوقهم ودون أن يُعاقَب من عطَّل أحكام القضاء؟!.

 

واليوم نحضر مرةً أخرى بفصول أكثر إيلامًا تعجز الكلمات عن وصفها، والجدران عن تحمُّلها.. أحداث جسام جاوز فيه الظالمون المدى.. عام كامل أيها السادة غبتم فيه عنا ثم عدتم من جديد وما زلنا نُحاكَم ونقضي فعليًّا مدة العقوبة دون أية إدانة.

 

كيف أصف لكم؟! وماذا أقول؟! ماذا أقول لكم عن أكثر من 70 جلسةً سريةً في صحراء منطقة عسكرية؟! 70 جلسةً دون أن يتمكَّن ملفِّقو هذه القضية من تقديم دليل واحد يدين أيًّا من المتهمين فيها.. 70 جلسةً يُمنَع عنها المراقبون ومنظَّمات حقوق الإنسان التي جاءت من كل أنحاء العالم، ويُمنَع عنها الجمهور والإعلام، بل حتى الأقلام صادروها منا حتى لا يسطر أحد الفضائح والمهازل التي تحدث بالداخل؛ حتى لا يسطر جريمة اغتيال القانون والمنطق وكل الثوابت التي خالفوا فيها كل قواعد اللعبة.

 

طوال 70 جلسةً وهم يرتدون غطاءً شرعيًّا لقرارٍ سياسي اتخذوه مسبقًا لحبس هؤلاء الشرفاء الذين ثبتت براءتهم مسبقًا، إلا أن محاولاتهم مكشوفة.. فهل كانت إحالتهم إلى القضاء العسكري عدم ثقة في أحكام القضاء المدني الطبيعي؟! وإذا كان قرار حبسهم قرارًا سياسيًّا فلماذا أجبرونا أن نشارك في هذه المسرحية الهزلية بدون الكومبارس؟!

 

ماذا أقول أيها السادة عن معاناةٍ قاسيةٍ للأمهات والأطفال والأبناء عن زواج الابنة دون أبيها؟! عن وفاة الأم دون وداع ابنها؟! وعن ولادة الابن دون نظرة أبيه؟!.

 

ماذا أقول عن عامٍ ونصف العام طرقنا فيها كل الأبواب، حاولنا فيه بكل الطرق السلمية رفع الظلم الواقع علينا: مجلس الشعب، مجالس حقوق الإنسان ومجالس المرأة وغيرها من المؤسسات الحكومية، هل أخبركم أن أحدًا لم يستمع إلينا وأن مَن استقبلنا في كل مرة كانوا ضباط أمن الدولة الذين اقتحموا بأنفسهم منازلنا من قبل في منتصف الليل؟!.

 

ماذا أقول عن معاناة أطفالنا ومعاناتنا في سبيل تعزيز القيَم السلمية المعتدلة بداخلهم، والتي علَّمنا الإسلام إياها وهم يتربَّون في هذا الجو السلبي الذي يشاهدون فيه كمَّ الفوضى التي نعيشها؛ من ضابط يسرق الأموال ويلفِّق الأحراز، وقاضٍ لا يحترم كلمته، ووسائل سلمية لا تجدي ولا تنفع؟!.
كيف أقص هذه الصفحات السوداء من الظلم والاستبداد والزيف التي تليق بالغاب لا بالقرن الواحد والعشرين؟! لن أقول إلا كما علَّمني خيرت الشاطر: إن الحرية الحقيقية ثمنٌ لا يدفعه إلا الأحرار والشرفاء، وللإصلاح ضريبةً لا يدفعها إلا المناضلون، وما أرى إلا أنه ومن معه رهائن لهذا الإصلاح.

 

لا يفوتني في الختام أن أنقل لكم باسمي واسم كل أسر المعتقلين تحيةً حارَّةً من خلف الأسوار من خيرت الشاطر وإخوانه تحمل لكم معانيَ الشكر والعرفان على ما قدَّمتموه لنا بعد مؤتمر العام الماضي الذي كان انطلاقةً لحملةٍ دوليةٍ على مستوى العالم لدعم قضيَّتنا وفضح الممارسات القمعية من خلال وقفاتكم الاحتجاجية السلمية في كثيرٍ من عواصم العالم، وكلنا أمل في أن تستمر جهودكم في الدعم للتعريف بقضيَّتنا التي هي قضيَّتكم وقضية كل حرٍّ شريفٍ حتى ينشأ أبناؤنا في أجواءٍ أفضل من الحرية والعدل والسلام.

وأفوض أمري لله، إن الله بصير بالعباد.