أثارت الدعوة التي وجَّهها الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب المصري إلى جماعة الإخوان المسلمين بإنشاء حزب سياسي العديدَ من علامات الاستفهام حول ذلك الموضوع؛ لكونها هل هي بداية لمرحلة جديدة بين النظام والإخوان المسلمين تستهدف ضمنيًّا تهدئة الأوضاع من جانب النظام تجاه الجماعة؟! أم أنها لا تتعدى كونها مجرد دعوة شخصية أو زلة لسان للرجل الثاني في مصر، واعترافًا علنيًّا بشرعية جماعة الإخوان المسلمين التي تمثِّل 20% من مقاعد مجلس الشعب؟!
خبراء سياسيون وبرلمانيون أكَّدوا أن دعوة رئيس مجلس الشعب لإنشاء حزب سياسي للإخوان المسلمين لا تتعدى كونها اجتهادًا شخصيًّا لا يعبِّر بأية حال من الأحوال عن حقيقة ما يقتنع به النظام، ويكنُّه في نفسه تجاه الجماعة، خاصةً في ظل الواقع الحكومي شديد التعسف والجَوْر ضد جماعة الإخوان المسلمين، والذي يهدف بكل السبل إلى محاولة تحجيم نشاط الجماعة السياسي والاجتماعي، والتأثير في شعبيتها المتنامية في الشارع المصري.
وأوضحوا أن هذه الدعوة جاءت تعبيرًا عن معايشة د. سرور لنواب المجلس ورؤيته لحقيقتهم التي تؤهِّلهم للمنافسة في إدارة شئون البلاد، موجِّهين انتقاداتٍ شديدةَ اللهجة لقانون الأحزاب الحالي الذي يمنع إنشاء أحزاب حقيقية بإدارة شعبية حرة بعيدًا عن المنع الحكومي الذي يبدِّد أيَّ حلم في إنشاء الأحزاب المصرية.
![]() |
|
د. عبد المنعم أبو الفتوح |
في البداية اعتبر د. عبد المنعم أبو الفتوح الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب وعضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين أن ما قيل هو نوعٌ من "الاستهبال السياسي" على حدِّ تعبيره، متسائلاً: "كيف يستطيع الإخوان وغيرهم من القوى السياسية الشريفة في ظل قانون الأحزاب الحالي الذي أصدره سرور ومجلسه أن ينشئوا أحزابًا سياسيةً؟!".
وقال أبو الفتوح: "الأَوْلى أن يطالب سرور مجلسه وحزبه الذي يعمل فيه، ومن أجله تمَّ تفصيل قانون الأحزاب الذي يصلح أن يوصف بـ" قانون منع الأحزاب"، من أجل أن يكون تشكيل الأحزاب بالإخطار، وحينئذٍ من الممكن أن يفكر الإخوان في التقدُّم بحزب".
وأشار إلى أن حزبَي الوسط والكرامة بذلا جهدهما لأخذ موافقة على حزبهما على مدار ثلاث محاولات خلال السنوات الماضية، إلا أن الحكومة تمنع الموافقة على هذه الخطوة.
تصريح شخصي
د. عبد الحميد الغزالي

ويرى د. عبد الحميد الغزالي المستشار السياسي للمرشد العام للإخوان المسلمين والأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن ما قاله د. سرور تصريح شخصي لا يمثِّل رأي المؤسسة الحاكمة، مؤكدًا أن تصريحه لا يمكن اعتباره يمتُّ بصلةٍ للرؤية الرسمية، ولا يعدو إلا أن يكون أمنيةً شخصيةً سوف يحاسبه عليها الرئيس.
وأوضح أن ما قاله رئيس مجلس الشعب المصري من النوع الذي يطلق عليه "الأماني غير الممكنة"، مشيرًا إلى أن سرور حاول بتصريحه هذا أن يجد مبرِّرًا لمنع الكتلة البرلمانية للإخوان من التمثيل في الوفود البرلمانية والزيارات الدولية لمجلس الشعب.
وأكَّد الغزالي أن الإخوان ما زالوا يرفضون التقدُّم بحزبٍ طالما هناك لجنة غير دستورية، وأنه لا يُعقل في ظل الظروف السياسية الحالية أن توافق هذه اللجنة على حزبٍ للإخوان، مشيرًا إلى أن الإخوان أمامهم تجربة حزب الوسط الذي تبرَّأ من الإخوان، ورغم ذلك يمتلأ قلب النظام بالخوف منه من مجرد السماح له بامتلاك الرخصة؛ خوفًا من اقترابه من الإخوان!!.
وقال إن الإخوان لن يشكِّلوا حزبًا إلا إذا كان إنشاء الحزب بالإخطار، مشيرًا إلى أنه بغير هذا الشرط فمن الصعب على الإخوان أن يفكِّروا في الدخول في مضمار هذا الأمر من أساسه.
نظام العراقيل
حسين محمد إبراهيم

ومن ناحيته رحَّب حسين محمد إبراهيم نائب رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بتصريحات د. سرور، إلا أنه أشار إلى أن الدعوة لا تتفق مع ما يقوم به النظام الحاكم بوضعه من عراقيل أمام إنشاء أي أحزاب حرة بإرادة شعبية.
وأوضح نائب رئيس الكتلة أن النظام أدمن وضع القيود أمام الجميع، حتى إن الأحزاب القائمة تعاني من كافة العراقيل، مضيفًا أن النظام لا يستطيع أن يعمل في ظل منافسة مع أحد، وأنه يصرُّ على أن يختار منافسيه عبر لجنة الوصاية على الأحزاب، وأكَّد أنه يتمنَّى أن يتغيَّر المناخ السياسي، إلا أن ما يحدث يوميًّا في مصر يعكس قناعاتٍ خاطئةً مسيطرةً على مجمل الأمور.
وشدَّد على أن البداية الحقيقية التي يراها هي النظر في مشروع قانون الأحزاب الذي قدَّمه نواب الإخوان منذ ثلاث سنوات للمجلس وأعدَّ مذكرته الفقيه الدستوري الدكتور يحيى الجمل، ولكن عندما لا يناقشون هذا القانون ويطالبون الإخوان بإنشاء حزبًا سياسيًّا فهو تعبيرٌ عن نظامٍ غير جادٍّ في تغيير المناخ السياسي الحالي.
وقال إن قانون الأحزاب الذي تقدَّم به الإخوان يجعل إنشاء الأحزاب بمجرد الإخطار، وإن كان للجهة الإدارية اعتراض على الحزب فعليها أن تلجأ للسلطة القضائية والقضاء الإداري، وهو الذي يصدر حكمه في الحزب.
تخبط
د. عمرو الشوبكي

ويرى د. عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتجية أن كلام رئيس مجلس الشعب يكشف أنه ليس هناك رؤيةٌ واحدةٌ للنظام تجاه التعامل مع الإخوان، مشيرًا إلى أن ما قاله لا يخرج عن كونه اجتهادًا شخصيًّا ونوعًا من الأحاديث التي اعتدنا على أن نسمعها من مسئولي الدولة، ولكنها لا تعبِّر عن تيار عام.
وشدَّد على أن ما قيل يعبِّر عن رؤية الرجل الثاني في الدولة فحسب، والذي يحتكُّ بالإخوان ويعرفهم في المجلس؛ فلم يشاهدهم يحملون متفجِّرات أو يتحدثون بأحاديث خارجة أو تخرج عن إطار رأيهم المعارض، فضلاً عن تحركهم ككتلة سياسية داخل البرلمان.
وأشار إلى أنه من الطبيعي أن يقول الرجل هذا الكلام في تعليقه على الأداء البرلماني لنواب الإخوان الذين يمارسون العمل البرلماني، شأنهم شأن أيّ نواب آخرين، موضحًا أن هذا الأمر ليس جديدًا بل هو مكرَّر مع كل من يعايش الإخوان ويقترب منهم، مثل د. حمدي السيد نقيب الأطباء.
هروب
خليل العناني

ويصف الباحث السياسي خليل العناني ما قاله د. سرور بأنه تصريح شخصي ولحظي ويحمل في مضمونه جوانب موضوعية، إلا أنه في النهاية جاء هروبًا من الردِّ على سؤال من نواب الكتلة عن عدم تمثيلهم في وفد المجلس الذي زار الولايات المتحدة، رغم أنهم يمثِّلون 20% من البرلمان.
وأكَّد أن النظام لديه موقف إستراتيجي بعدم السماح للإخوان أو أي فصيل له مرجعية دينية بتشكيل حزب سياسي، مشيرًا إلى أن التعديلات الدستورية الأخيرة أكَّدت هذا الأمر، وبالتالي كل ما يقال عكس ذلك يُعتَبر إما أن صاحبه يعبِّر عن موقف شخصي محض، أو أنه يمارس تكتيكًا سياسيًّا يهدف إلى التلاعب بالإخوان.
وأكَّد أن تصريح سرور جاء في حالةٍ من حالات الصدق مع النفس تجاه أكبر كتلة برلمانية أمامه في البرلمان من حقِّهم أن يشكِّلوا حزبًا سياسيًّا، مشيرًا إلى أنه يرى أن سرور يعتبر كتلة الإخوان صداعًا في رأسه ويأمل أن ينتهيَ منه اليوم قبل الغد.
ألعاب سياسية
د. رفيق حبيب

ويتفق المفكر القبطي د. رفيق حبيب مع آراء سابقيه؛ حيث إنه اعتبر كلام د. سرور حول حزب الإخوان كلامًا استهلاكيًّا، مؤكدًا أن القرار والسماح من عدمه يأتي من رئيس الجمهورية فقط.
وأشار إلى أنه يتصوَّر أن هناك بعضَ من يحاول أن يجعل الإخوان في خانة الاتهام دائمًا بادعائهم أن الرجل دعا الإخوان وهم لم يستجيبوا، كأن الإخوان هم الذين يرفضون، وكأنهم إذا قدموا حزبهم غدًا ستوافق عليه لجنة الأحزاب!!.
ودعا حبيب الجميع إلى قراءة كلام سرور في ظل استمرار المحكمة العسكرية لقيادات الإخوان وتواصل منع مرشحي الإخوان في المحليات من الترشح، فضلاً عن الاعتقالات المستمرة، مشدِّدًا على أنَّ ما يقال ليس له علاقة بأرض الواقع على الإطلاق، موضحًا أن التقدُّم بحزبٍ لا يعني قبوله، بل يعني في ظل هذا التوقيت رفضه، مؤكدًا أن كلام سرور يتناقض مع سلوك النظام الحاكم بالكليَّة.
