حمدًا لله، وصلاةً وسلامًا على سيد الخلق، حبيب الله ومصطفاه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد،
فإنَّ هذه السلسلة عبارة عن شرحٍ لرسالة قيمة (مختصرة) من مؤلفات فضيلة الأستاذ المرشد الثالث لجماعة الإخوان المسلمين، الأستاذ عمر التلمساني- رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً- وهي بعنوان "من صفات العابدين" وهذه الرسالة بحق مفيدة في جانب تزكية الأنفس، فأردتُ أن أضيف إليها بعضًا من التعليقات والشروح، حتى ينتفع بها شبابنا وفتياتنا في أنفسهم، وفي دروسهم وخطبهم.
إنَّ هذه الرسالةَ بعد قراءتها سوف تجد فيها: أن العابد لله تعالى هو الذي يؤمن بأن الإسلام دينٌ شاملٌ لكل جوانب الحياة، فلا يقتصر على نوعٍ من العبادة، ويترك الباقي، بل يأخذ بالإسلام كله، وهي أيضًا ثمرة لقراءة دائمة في كتاب الله تعالى، صاحبها تدبر وتفكر في منهج الكون المسطور، خرج بها الأستاذ المرشد في شكل صفات، سماها "صفات العابدين".
فأرجو الله تعالى أن يجعلنا من العابدين القانتين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الحافظين لحدود الله، وأن يجعلنا من الصابرين.. إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.
العبادة
إنَّ التوحيدَ والعبودية، هما البداية والنهاية والوسط في حقِّ كل إنسان؛ ولذلك فهما كالماء للأحياء، وكالهواء للإنسان، وكالروح للحي تتغلغل في الأجزاء والأعضاء، وفي المقاصد والأعمال، ومن هنا فإنَّ الربانيين يعتبرون التركيز على معاني العبودية والتوحيد، هو المهم الأول لهم، والمهم الأعلى عندهم.
إن العبودية عندهم أرقى المقامات على الإطلاق، ألا ترى وصف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في القرآن الكريم بذلك؛ حيث المقامات العالية الرفيعة: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) (الإسراء: من الآية 1).
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (1)) (الكهف)، فإذا وصف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمناسبة الإسراء والمعراج، وبمناسبة نعمة إنزال الكتاب بالعبودية، فذلك تذكير بأصل الوضع الصحيح للإنسان مع الله تعالى.
إنَّ سر الخلق والأمر، والكتب والشرائع، والثواب والعقاب، انتهى إلى عبادة الله والاستعانة به، فهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين: فنصفهما له سبحانه وتعالى.
وهو: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ..) ونصفهما لعبده. وهو: (..وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) (الفاتحة)، والعبادة كما يقول ابن القيم: تجمع أصلين: غايةَ الحب بغايةِ الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق مُعبَّد، أي مذلل، والتعبد: التذلل والخضوع.
فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة، لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًّا خاضعًا.
ومن هنا نُدرِّك سر تقديم العبودية على الاستعانة في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)) (الفاتحة)؛ حيث إنَّ ذلك من باب تقديم الغايات على الوسائل؛ إذْ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها.
ولأنَّ إياك نعبد متعلق بألوهيته واسمه "الله" وإياك نستعين متعلق بربوبيته واسمه "الرب" فقدم إياك نعبد على إياك نستعين، كما قدَّم اسم "الله" على "الرب" في أول سورة الفاتحة في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)) (الفاتحة) لأن (إياك نعبد) قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به.
(وإياك نستعين) قسم العبد. فكان من الشطر الذي له، وهو (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)) (الفاتحة) إلى آخر السورة.
ولأن الاستعانة جزء من "العبادة" من غير عكس، ولأن الاستعانة طلب منه، والعبادة طلب له. ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلصٍ ومن غير مخلص. ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة، وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته. ولأن العبادة شكر نعمته عليك، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك، فإذا التزمت عبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببًا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية، كانت الإعانة من الله له أعظم، والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدًا حتى يقضي العبد نحبه.
![]() |
|
د. أحمد عبد الخالق |
ومن هنا فإنَّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق الخلق، إلا ليعرفوه ويعبدوه ويوحدوه وينقادوا له، وهذه هي الغاية من خلق الإنسان، فالعبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة للقرآن، وأمثال ذلك كله من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله؛ وذلك أن العبادة هي: الغاية المحبوبة له والمرضية له، التي خلق الخلق لها. كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)) (الذاريات) وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف: من الآية 59)، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) (النحل: من الآية 36) وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)) (الأنبياء: 25)، وقال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)) (الأنبياء)، كما قال في الآية الأخرى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)) (المؤمنون) وجعل ذلك لازمًا لرسوله إلى الموت كما قال: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)) (الحجر)، وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (20)) (الأنبياء) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)) (الأعراف) وذم المستكبرين عنها بقوله: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)) (غافر)، ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)) (الإنسان) وقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) (الفرقان: من الآية 63)، الآيات ولما قال الشيطان: (... بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (40)) (الحجر) قال الله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) (الحجر: 42) وقال في وصف الملائكة بذلك: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)) (الأنبياء)، وقال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)) (مريم).
فالدين كله داخل في العبادة وقد ثبت في الصحيح: أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.
قال: فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: فما الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
ثم قال في آخر الحديث: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم"، فجعل هذا كله من الدين.
أيها الحبيب: إننا نحن البشر مكلفون جميعًا بهذه العبادة، فمن أطاع الله واستجاب لأمره، كان عبدًا طائعًا، والعبد الطائع يُثاب على طاعته بالجنة، وأما إذا تمرَّد على خالقه وسيده ولم يستجب لأمر الله، كان جزاؤه جهنم- ونعوذ بالله وإياكم من جهنم- قال الله تعالى: (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)) (الكهف).
وقال تعالى: (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)) (النازعات).
فمَن هو العابد الطائع لله ولرسوله؟ مَن هو العبد الذي أقرَّ لله تعالى بهذه العبودية؟ هذا ما سوف نعرفه فيما بعد في الحلقات القادمة بإذن الله تعالى، والتي سوف نتناول فيه بعضًا من صفات العابدين بمشيئة الله عز وجل.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من العابدين الصادقين، إنه نعم المولى ونعم النصير.
----------------------------
* محاضر بالجامعة الأمريكية العالمية بفرجينيا- أمريكا
