"ما على هذا عاهدنا الله.. نريد الشهادة"، "نستبق الأيام حتى نعود إلى غزة لنقضي يومنا في جهاد وليلنا في رباط"، هذه هي الأمنية التي اجتمع عليها الجرحى الفلسطينيون الذين سمحت لهم السلطات المصرية بدخول أراضيها لتلقي العلاج بعد الهجوم الصهيوني الغاشم الذي شنته قوات الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة خلال شهري فبراير ومارس الحالي تحت مسمي "محرقة الشتاء"، والتي كانت- بحسب ما أكده المحللون العسكريون- سببًا في تحقيق توازن الرعب بين سكان قطاع غزة المحاصر وبين مَن يظنون أنفسهم "الجيش الذي لا يقهر".

 

 

"إخوان أون لاين" يرصد- من خلال زيارته للجرحى الفلسطينيين في عددٍ من المستشفيات المصرية- أنين الجرحى الممزوج بأمنية العودة لاستكمال مسيرة الجهاد من ناحية وتحدي ظروف أي إعاقة قد تحدث لهم في سبيل تطهير الأراضي المقدسة من دنس الصهاينة من ناحيةٍ أخرى.

 

البداية كانت من الطابق الرابع بمستشفى الهرم الذي ضم بين جدرانه 16 مصابًا فلسطينيًّا تجولنا بينهم، وكأننا نشاهد معرضًا متنوعًا لكل ما يمكن أن يصيب بني البشر من جراحٍ وآلام، فهذا قد بترت ساقه وذاك كُسرت يده وثالث تشوَّهت ملامحه فلم يعد يعرفه حتى أقرب الناس إليه.

 

برقية أشواق

وهناك التقينا بوالد أسامة ليحدثنا عن النصيب الوافر الذي ناله أسامة- 20 عامًا- من هذه الجراح، لكن الوالد اكتفى بإخبارنا أن أسامة في حالة اضطرت الأطباء إلى نقله لغرفة العناية المركزة، وعلى ما يبدو أن هناك شيئًا أكبر من أسامة يشغل الوالد، وعند سؤاله عن ذلك قال: "نعم، أريد أن أرسل برقية أشواق إلى غزة، إلى رشاشتي التي تنتظرني هناك لأقول لها: بمجرد اطمئناني على أسامه سأعود لأكمل ما بدأناه ولن نتوقف حتى تحرير فلسطين، كل فلسطين- على حد قوله".

 

 الصورة غير متاحة

كان ظننا أن هذه أمنية الوالد المعافى، لكن الجريح الذي يتألم قد تكون له كلمة أخرى، فتوجهنا إلى طارق- طالب جامعي- وقد كان وحده صورة تتكلم، حيث نال من رصاصات الحقد 11 طلقةً، تناثرت لتترك جراحًا تشهد على الجريمة الصهيونية في كل جزءٍ من جسده، فهذه 3 طلقات في بطنه و2 في يده اليمنى ومثلها في اليسرى وأخرى في قدمه والباقي كان من نصيب ظهره، وبالطبع لم تسمح حالته الصحية بالحديث إلينا كما كنا نتمنى، إلا أنه عبر عن آماله قائلاً: أتمنى من الله أن يشفيني لأعود إلى وطني وأطمئن على أسرتي، ثم انطلق مع إخواني إلى ساحات الجهاد، فأجرح ثم أعود، ثم أجرح ثم أعود حتى ألقى الله شهيدا".

 

فنظرت إليه وتذكرت حديث المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "لوددت أن أجاهد في سبيل الله فأقتل...."، وقلت في نفسي، ما ظننا بمَن توافقت أمنيته مع أمنية المصطفى- صلى الله عليه وسلم-، فتركناه بعد أن أيقنا أن الأماني واحدة فلا فرق بين جريحٍ ومعافى، وتساءلنا هذا حال الآباء والشباب فما هو إذًا رأي الأطفال الجرحى في ذلك؟

 

عزيمة الأطفال

أثناء هذه اللحظة وقعت أعيننا على طفلٍ ينظر إلينا ولسان حاله يقول أريد أن أعود لوطني فاتجهنا له مسرعين وبعد اطمئنانًا عليه عرفنا أنه يُسمَّى محمد ماهر- 13عامًا- نالته إحدى قذائف الحقد الصهيوني التي أصابته أثناء ذهابه إلى المدرسة برفقة أصدقائه، فاستشهد 3 منهم وأُصيب الآخرون، ومحمد هو الأقل إصابة؛ حيث يعاني من كسر مضاعف من الدرجة الثالثة في قدميه، بالإضافةِ إلى ضمور في الفخذين وفقد أعصاب القدم اليمنى!!، وعن أشد ما يؤلم محمد قال: "كنت أتمنى أن أحضر عرس شهادة إخواني الذين اعتدت على السير معهم لطريق المدرسة كل يوم، فقد اشتقت إليهم كثيرًا، كما اشتقت لمدرستي وبقية أصدقائي".

 

 الصورة غير متاحة

وعلى السرير المجاور لمحمد يرقد محمود ناهض- 16 عامًا- وهو طفل بحسب الأعراف الدولية، لكنه مرابط بحسب ما يعيشه قطاع غزة، أصيب محمود بصاروخ أثناء رباطه مع إخوانه الذين استشهد اثنان منهم، وجرح ثالث اسمه محمد، وأبت عزيمة المرابط أن يحدثنا عن إصابته فأجابنا قائلاً: "لن تقعدني الإصابة فمكاني ليس هنا، وسأعود قريبًا لأرض الرباط وأسير على درب أخواني حتى يجمعني الله بهم في نفس القبر كما تعاهدنا، ثم في جنته كما جمعنا على الجهاد والرباط"، إلا أن قلب الطفل قد أجرى دمعة في عيني المرابط، وهو يتحدث إلينا قائلاً: "أشتاق إلى محمد- صديقه الجريح الذي قصف معه- لنتحدث عن لحظة القصف وكيف سبقنا أخونا إلى الشهادة".

 

صرخة جهاد

ومن مستشفى الهرم إلى معهد ناصر، مضى بنا الوقت ونحن نسأل الله أن تكون الإصابات هناك أقل حدة، فما زالت جراح إخواننا ترتسم على وجوهنا وكنا لا نود أن نلقي بقية الجرحى بهذه الملامح، إلا أننا عندما وصلنا إلى هناك عرفنا أن ما رأيناه كان تمهيدًا لجراح أكبر!!، حيث يضم معهد ناصر بين أجنحته أكثر من 105 جرحى امتلأت بهم أسرة 3 طوابق بأكملها.

 

كانت البداية مع جهاد، وجهاد عبارة عن جسد محترق بلا قدمين، ولا يستطيع أن يرى!!، إلا أننا وبصعوبة سمعناه يردد "هذا هو السلم الذي يريده الصهاينة!! وبصرخة مكتومة بسبب شدة آلامه نادى جهاد أين أنتم يا مسلمون؟!!".

 

وتركنا جهاد بدموعٍ تحجرت في أعيننا وتكاد تُمزِّق قلوبنا، إلا أننا لم نودعه قبل أن نتركه، فليس لدينا إجابة لسؤاله!!.

 

سبقتك إلى الجنة

وحدثتني نفسي بأن نكتفي بهذا القدر من المشاهد، لكنني سرعان ما ترددت في أذناي كلمات المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، فليس منهم، فليس منهم"، كما أنني دفعني الفضول لأعرف ماذا يمكن أن أرى أكثر مما رأيت؟!.

 

 الصورة غير متاحة

وحمدت الله على أن كان لقائي التالي بمحمد- 20 عامًا- مصابًا بشلل في قدمه اليمنى، وبتر في ساقه اليسرى وإصابة في يده تحتاج إلى زراعة عضل وعظام وعن سبب هذه الإصابة قال محمد: "كنت مع جاري في طريقنا إلى المسجد المجاور لأداء صلاة العشاء، وفي أثناء ذلك أطلقت نحونا زخاتٍ من الرصاص أسقطتني على الأرض فلم أدر بالضبط أين جراحي، واستطعت بصعوبةٍ بالغةٍ أن أدير رأسي نحو جاري فعلمت أنه يلتقط أنفاسه الأخيرة"، وسكت محمد قليلاً ثم تابع حديثه بنبرة الواثق من وعد ربه قائلاً: "كل ما كان يشغلني وقتها أن أُلقن جاري الشهادة، فجراحي تمنعني من الوصول إليه، ولم أجد إلا أن أردد الشهادة بصوتٍ عالٍ كي يسمعني، لكنه فاجأني ورفع هو صوته قائلاً: "سبقتك يا محمد إلى الجنة، فلا تتأخر عليَّ".

 

حتى الأطباء

ولم يقل ولع الصهاينة بالأطباء خاصةً وبالطواقم الطبية عامة عن ولعهم بدماء الأطفال، فقد انطلقت رصاصة حقد أخرى نحو الطبيب الفلسطيني فايز، الذي استقبل الطفلة هدى غالية في المستشفى يوم استشهاد أسرتها على شاطئ البحر منذ قرابة السنتين، وهو الآن أحد ضحايا الاجتياح الغاشم، وعن إصابته قال فايز: استهدفتنا رصاصات القوات الصهيونية أثناء خروجنا من المستشفى فأُصبت بكسرٍ في قدمي، وأضاف فايز: "أتمنى العودة إلى غزة بأسرع وقتٍ ممكن فأنا طبيب وقطاع غزة في هذه الظروف بحاجةٍ شديدةٍ لكل طبيب ومكاني هناك في مستشفى غزة، ليس على أَسرتها ولكن بين أطبائها".

 

وأكد فايز أن القوات الصهيونية دائمًا تتعمد الأطباء والطواقم الطبية كي لا يجد جرحى الاجتياحات مَن يعالج جراحهم، وبدمعةٍ حاول فايز أن يواريها، ترحَّم على زملائه رجال الإسعاف الثلاثة الذين استشهدوا في هذا الاجتياح الأخير.

 

الأقصى يا رب

 الصورة غير متاحة

وأما عن الصورة التي لن تُمحى من ذاكرتنا فكانت للطفل زياد (11 عامًا) الذي وجدناه مستلقيًا في فراشه لا يستطيع حراكًا لكن لسانه يردد: "يا رب المسجد الأقصى.. ويا رب فلسطين.. يا رب المسلمين"، وعن قصة هذا الطفل قالت والدته "كان زياد مع 8 من زملائه يلعبون في المدرسة، وفجأةً سقطت قذيفة بجوارهم لم يصبهم بشيء إلا أنهم هرعوا لإنقاذ المصابين، وكما هي عادة الحاقدين الصهاينة، حيث يتعمدون إطلاق قذيفة أخرى على أهدافهم بعد فترة بسيطةٍ من إطلاق القذيفة الأولى، حتى تكثر الإصابات ممن هرعوا لإنقاذ الجرحى، أدَّت هذه القذيفة إلى استشهاد 7 أطفال، ولم ينج إلا زياد وزميله عمار الذي يرقد في السرير المجاور ولا يستطيع الحركة.

 

وتضيف أم زياد: "زياد وعمار يستعيدان كل ليلة تلك الأحداث، ولا ينامان إلا على كلمة واحدة: "ما على هذا عاهدنا الله.. نريد أن نلحق بإخواننا شهداء".

 

شكرًا يا مصر

ويبدو أن هذا الشعب الأبي الذي اجتمع رغم جراحه على خيار المقاومة، فإن هذه الجراح لم تنسه أيضًا وفاءه لكل مَن يمد له يد العون، فرغم الجراح لم ينس أيًّا من المصابين أن يتقدم بالشكر للشقيقة مصر حكومةً وشعبًا إزاء ما قامت به من فتح معبر رفح بشكلٍ خاص لهؤلاء الجرحى وتسهيل مرورهم وعلاجهم.

 

وهذا ما أكده الدكتور محمد طاهر منسق ملف الجرحى الفلسطينيين بلجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد أطباء العرب، الذي أكد أن المستشفيات المصرية تقوم الآن بعلاج 225 مريضًا وجريحًا فلسطينيًّا؛ حيث قام الاتحاد باستقبال هذه الحالات منذ دخولهم عبر معبر رفح منذ عدة أسابيع في مستشفيات العريش ورفح؛ تمهيدًا لنقلهم وتوزيعهم على مستشفيات الهرم والهلال الأحمر ومستشفى فلسطين ومعهد ناصر، فضلاً عن وجود جرحى في مستشفيات السويس والإسماعيلية والسلام.

 

وأشار طاهر إلى أن لجنة الإغاثة والطوارئ تبذل كل ما تستطيع تقديمه من أجل إخواننا الفلسطينيين من توزيع ملابس ومستلزمات، بالإضافةِ إلى متابعة حالاتهم الصحية؛ حيث تم تكليف منسق عام لكل مستشفى لمتابعة أحوال المرضى، كما أن اللجنة تساهم في تغطية بعض نفقات العلاج خاصةً لأصحاب الحالات الحرجة، والتي تحتاج إلى تكلفةٍ عاليةٍ لتركيب أو زراعة أعضاء.

 

شاهد مأساة ضحايا محرقة غزة في صور