حُجزت قضيتُنا للحكم فيها بتاريخ 26/2/2008م، ثم أُجِّلت إلى 25/3/2008م، وعند معرفتي بتأجيل جلسة النطق بالحكم، جلستُ على مقعدي وسرحتُ بخيالي بعيدًا؛ أتذكر يوم القبض عليَّ ثم إحالتي ومن معي إلى المحكمة العسكرية وأحداث القضية وأقوال شهود الزور، وتذكَّرت معاناة أهلي وأقاربي، وكيف كان وقعُ الأحداث المتلاحقة عليهم وعلينا، وانتقلتُ بذاكرتي من الواقع إلى الخيال، ومن توقُّع صدور أحكامٍ علينا إلى مشاهدة صدور الأحكام على مَن ظلمونا، ولكن في مكان غير المكان، وزمان غير الزمان، ولكن في هذا الزمان وذاك المكان لا ظلمَ ولا تدليسَ.. سرحتُ بخيالي فوجدت ما أحدِّثُكم به في السطور التالية:
رأيت نفسي أسيرُ في صحراء، ومن بعيدٍ وجدت فريقَين من الناس: أحدهما على اليمين والآخر على اليسار، اقتربت أكثر وبدأت أتفحَّص الوجوه، وكلما اقتربت شعرت أن هؤلاء القوم أعرفهم.. أشعر بهم، وبعد قليل من العناء ويسير من السير، وصلت قرب مكان تجمُّع الفريقين، نظرت إلى فريق اليمين أو قل أهل اليمين فوجدتهم؛ نعم.. إنهم هم، هذه أمي، وتلك زوجي، وهؤلاء أبنائي، ورأيت وراءهم خلقًا كثيرًا لا أعرف أكثرهم، واقتربت أكثر ونظرت إلى أهل الشمال فوجدتهم، نعم.. إنهم هم شهود الزور ومن اعتقلونا وآذونا ووراءهم خلق لا أعرف أكثرهم.

 

ثم سمعت أصواتًا وصياحًا، يختلط فيه صوت الكبار مع الصغار، وصوت النساء مع الرجال، وأصواتًا تشكو، وزفرات آهات، وكلمات اعتذار، وعبارات حسرة، وعلامات ندامة، ولكنني لم أتبيَّن ما الأمر وماذا هناك!.

 

وصلت إلى مكان تجمُّع أهل اليمين وأهل الشمال، وصرت بينهم، ووجدت أمامي منصةً عاليةً، وسمعت أصواتًا مدويةً، وبعد فترة من الصمت وجفت فيها القلوب، سمعت صوتًا من وراء المنصة العالية ينادي: محكمة.

 

نظرت عن يميني إلى أسرتي وسألتهم: ماذا أتى بكم إلى هنا؟ قالوا لي في صوت واحد: جئنا نشكو مَن أبعدك عنا واعتقلَك ظلمًا وزَجَّ بك في السجن عدوانًا.. جئنا مدَّعين بحقِّنا عند هؤلاء الذين سلبونا حقَّنا في أن نعيش حياةً آمنةً، ننعم فيها بحنان الأب، ونشعر فيها بنعمة الأمان.. جئنا جميعًا نشكو هؤلاء الظالمين الذين ظلموك وظلمونا.. جئنا نشكوهم لنأخذ حقَّنا منهم.

 

قلت لهم: لكنني قد سامحتهم؛ لأن إسلامنا أمرنا أن ندفع السيئة بالحسنة، ولأن وطننا يحتاج إلى جهود الجميع لإنقاذه.. لقد سامحتهم لأنني تعلمت الحب ولم أتعلم الكراهية.

 

ولكن أسرتي ردَّت في صوت واحد: إن كنت قد سامحتهم فنحن لن نسامحهم.. لن نسامحهم.. وهنا حسمَ النقاشَ صوتٌ مدوٍّ، صدر من وراء المنصة العالية قائلاً: محكمة.

 

أين الشاكون؟

ردَّت أمي وزوجتي وأبنائي نحن جميعًا: جئنا لنأخذ حقَّنا ونشكوَ ظُلمَنا، فنادى المنادي: أين المشكو في حقهم؟ تكلَّمَ على جانب المنصة حارسٌ ضخمُ الجثَّة، عظيمُ الرأس، واسع المنكبين، شديد سواد الشعر، تعلو وجهه قسمات الشدة، وتبدو عليه أمارات الغلظة، قال الحارس: ها هم المشكو في حقهم على شمال المنصة.

 

ونادى المنادي: ليقل كل منكم حجته، وليعرض مقولته، وإياكم والكذب!!

 

تكلمت أمي قائلةً: أنا أولاهم؛ فقد افتقدت ولدي في وقت أحوج ما أكون إليه، فسنِّي قد كبرت، وجاوزت السبعين، وعظمي وهن، وتكالبت الأمراض عليَّ، تنهش صحتي، وتأكل عافيتي، وكان ابني هو أول من يرعاني، وكان أشدَّ يوم عليَّ حينما داهمتني أزمةٌ قلبيةٌ، أعقبها ارتفاعٌ شديدٌ في السكر وضغط الدم، وشعرت بالاختناق، ونظرت حولي فلم أجد ابني وهو طبيب معي، وظللت أصارع ألمي وكأنه سكرات الموت، وظللتُ على هذا أيامًا، وتذهب أزمة لتتلوَها أخرى، وفي كل مرة أشعر بمرارة فراق ابني لي، وقد كان هو القائم على رعايتي!!.

 

نادى المنادي: أمعك شاهد؟

نظرتُ إلى أمي، وقرأتُ على وجهها علامة الارتباك؛ فمن يشهد لها وهي كانت في سكون الليل وحدها، ولكن وجدتُّ من داخل صدرها صوتًا يعلو، بدأ بدقاتٍ كدقات القلب، وبعدها رأيت كأن قلبَها أمامها تتحدث بدون لسان، قائلاً: أنا شاهدها، أنا قلبها الذي أمرَضَه ظلم الظالمين، ولوعة فراق الابن وساعات الحنين، أنا أشهد لها حين كانت تعتصر في لحظات ألمها على فراق ابنها، وحين كانت دموعُها تنساب من عينيها، فتغرقني بمائها.. أنا أشهد لها.

 

نادى المنادي: قبلنا شهادتك أيها القلب، وقبلنا شكواك أيتها الأم.. أين المتهم؟! نظرت عن يساري فوجدته، نعم.. إنه من لفَّق لي القضية، وشهد عليَّ زورًا، نعم.. إنه هو.

 

نادى المنادي: ما قولك؟

قال المتهم: لقد قبضت على ابنها بأمرٍ من رؤسائي، وما كنت إلا مطيعًا لهم، منفِّذًا لتعليماتهم.
نادى المنادي: ومن هم من أمروك؟ قال المتهم: فلان وفلان وفلان، وعدَّد أسماء عديدة، وهنا نادى المنادي: أحضروا رؤساءه الذين أمروه.

 

ثم قال المنادي: هل من مشتكٍ آخر؟

نظرت عن يميني؛ فإذا بابنتي الصغرى "آلاء"، تهم لتتكلم، قلت في نفسي: ماذا ستقول هذه الصغيرة؟!

 

قامت "آلاء" تشكو الذي ظلم أباها، ولكنها لم تتكلم، وجدتها صامتةً، قلت في نفسي: ماذا حدث لهذه الطفلة؟ وقبل أن أكمل سؤالي وجدتُّ ذراعَها اليمنى قد ارتفعت لأعلى رغمًا عنها، ووجدت ذراعها تتكلم عنها، قائلةً: أنا ذراع "آلاء" اليمنى، لقد تعرضت للكسر مرتين أثناء حبس أبيها، ولمَّا حار الأطباء في معرفة سبب تكرار الكسر وخاصةً أنه لأسباب تافهة، علموا أن هذه الطفلة لم تستطع تحمُّل غياب أبيها عنها، فقد كان مدلِّلاً لها، تنتظره لتنال طعامها معه، بل لا تأكل إلا من يده، ولذلك حينما افتقدت أباها أضربت بدون شعور منها عن الطعام، وعزفت عن أيِّ دواء أو مقويات، فكانت النتيجة تكرار كسري أنا ذراع "آلاء".

 

وتذكرتُ آنذاك هذه الحادثة، وكم آلمتني.. كم آلمني مشهدها وهي مقيَّدة في جبيرتها لعدة أشهر!.

 

وبدا أبنائي يهمُّون بالكلام والشكوى، ولكن أشارت إليهم أمُّهم، وقالت: أنا أنوب عنكم، وأردفت قائلةً: إن شكواي من هذا الظالم ليس لها حدود، ماذا أشكو إليك؟ أشكو إليك ألمي وحسرتي؟ أم فزعي ولوعتي؟ أشكو إليك همَّ الأبناء وقد أخذوا أباهم وهم في أشدِّ الاحتياج إليه؟ فمنهم من كان في نهاية المرحلة الثانوية!! ومنهم من كان أبوه صديقه ورفيقه!! ومنهم من تعثر في دراسته بسب بحزنه على أبيه!! ماذا أشكو؟ إن لوعة الألم، ومرارة الفراق، وغياب الأمان.. كلها مشاعر لا أستطيع الحديث عنها، بل أشعر بها وأستشعرها.

 

نادى المنادي: إذًا.. ما الذي تريدونه قصاصًا لكم وعرفانًا بحقكم؟!

قالت الزوجة: لقد ارتضينا حكمًا نرجو أن تنفذه لنا.

قال المنادي: وما هو؟

 

قالت: عن كل يوم حُرمْنَا فيه من زوجي يقضي هذا الظالم بدلاً منه يومًا في العذاب، ونفس الحال بالنسبة لكل فرد من أسرتي، وكل فرد ممن ظلمهم هذا الظالم المزوِّر هم وأسرهم.

 

وتعالت صرخةٌ من أهل الشمال.. قال المتهم المزوِّر: كيف هذا؟ إن يومًا في النار بألف سنة، فكيف أقضي ألف سنة في النار مقابل كل يوم قضاها زوجك؟!!

 

تكلم الحارس الواقف إلى شمال المنصة قائلاً للمتهم: أيها الأبله، وإنك بليدٌ حتى في الحساب إن ما قضاه زوجها في السجن بسببك من أيام مضروبًا في عدد أفراد أسرته، ثم مضروبًا في عدد من حبستهم ظلمًا، ثم مضروبًا في عدد أسرهم أيضًا.

 

صرخ المتهم: إذًا يريدونني أن أظل في النار لمئات الآلاف من السنين!!.

قال الحارس: بل قل لعشرات الملايين من السنين.

صرخ المتهم شاهد الزور الذي لفَّق لي القضية قائلاً: لا.. هذا كثير، إنني كنت أنفِّذ أوامر رؤسائي.. إنني كنت مغلوبًا على أمري لا أستطيع مخالفتهم.

 

نادى المنادي: ألديك شاهد بما تقول؟

تلعثم شاهد الزور الظالم، الذي لفَّق لنا القضية وسكت برهةً، وبعدها رأيت وكأن شاشة إليكترونيةً ضخمةً قد نُصبت في السماء، ورأيت هذا المشهد معروضًا عليها:

رأيت هذا المزوِّر ومعه صديق له يحدثه قائلاً له: يا فلان، إنك لم تحسن تلفيق القضية؛ فإن فيها كثيرًا من الثغرات القانونية، قال المتهم المزوِّر: لا يهمك.. نحن القانون والقانون نحن، والكل يأتمر بأمرنا ويسمع كلامنا، قال له صديقه: ولكن التلفيق واضح وبيِّن.. ما الذي جعلك تُقدِم على هذا الزُّور، وخاصةً أن هذا حرام، قال المتهم: اسمع يا صديقي، إن الحياة فرص، وهذه فرصتي لكي أُرضِيَ رؤسائي، وأحصل على ترقية استثنائية، أتدري ما معنى هذا؟! هذا معناه مرتب أكبر.. امتيازات أكثر، معناه سيارة جديدة، شقة واسعة، سلطة مطلقة، ثراء سريع، يا صديقي نحن في زمن لا تقُل لي فيه "حلال وحرام"؛ الحلال هو ما يأمرني برؤسائي، أو بمعنى أصح: الحلال هو الذي يوصلني لهدفي ومرادي وهو المال والسلطة، وهو الغنى والثروة!.

 

انتهى المشهد.. نادى المنادي: ما قولك أيها المزوِّر المتهم؟ بكى المتهم بشدَّة.. أخذ يلطم خدَّه، ويشق جيبه، ويصرخ ويقول: لقد ضِعتُ وضاع كل شيء، ليتني حتى نلت الدنيا التي رغبتُها.. لقد فصلوني من وظيفتي، ولم تنفعني الأموال التي جمعتها، وأصابتني الأمراض، وعقَّني أولادي، وتركتني زوجتي، أما يكفيني ما حدث لي في الدنيا من عذاب وهوان؟!

 

نادى المنادي: لا.. إن ما رأيته في الدنيا غيضٌ من فيضن، هنا الحساب، هنا العقاب.

قال المتهم المزوّر: هل لي من رجعة أعتذر بها عما بدر مني؟

نادى المنادي: إن مثلك لو عاد لِمَا كان عليه لفَعل ما نُهِيَ عنه، إنكم نفوس دنيئة، تحبون العاجلة، وتذرون الباقية.

وهنا سمعت صوتًا مدويًا: محكمة..

حكمت المحكمة بقبول دعوى المشتكين ضد المتهم المزوِّر ومعاقبته بقضاء مائة وسبعة وستين مليون عام في العذاب في الدرك الأسفل من النار، مع محاسبة رؤسائه الذين أمروه بعد سماع دفاعهم، ورُفِعَت الجلسة.

 

ولكن.. فجأة.. سمعت صوتًا عاليًا يقول: لا.. إن لي حقًا عند هذا المتهم وأمثاله، أريدك أن تسمع شكواي، نظرت إلى مصدر الصوت فوجدت شابًّا صغير السن، ولكنه رثُّ الهيئة، شديد النحافة، تبدو عظامُه من جسده؛ فنادى المنادي: تعالَ.. اقترب.. ما هي شكواك؟!

 

اقترب الشاب النحيف من منصة المحكمة، تأمَّلت وجهه، وجدتُّ عليه علامات همّ وكرب عظيم؛ فعيناه غائرتان، تحيط بهما هالات سوداء عميقة، وهالني انحناء ظهره وانكسار نفسه؛ هو شاب فوق العشرين بقليل سنًّا، لكنه فوق الستين حكمًا ومنظرًا.

 

نادى المنادي: ما هي شكواك أيها الشاب؟

قال الشاب بصوت منكسر: أنا شاب من شباب مصر، كانت لي طموحات عديدة، كنت أحلم بزوجة تحبُّني وأحبها وبيت يجمعنا، ولكن كل هذه الآمال تحطَّمت حين أدمنتُ المخدرات، فتعاطيت البانجو والهيروين والأقراص المخدرة وغيرها.

 

صاح المتهم المزوِّر: وما لي وما لك أنت أيضًا.. هل أنا الذي أغويتُك؟ هل أنا الذي أعطيتك المخدرات؟!

 

نطق الحارس بصوت عال: اسكت أيها المجرم ولا تتكلم إلا بإذن.

هنا صرخ الشاب وقال: نعم.. أنت السبب، كنت أريد الذهاب إلى المسجد لأحفظ القرآن وأتعلم الإسلام، ولكنني رأيت ما يُفعل بأصدقائي الذين يذهبون إلى المسجد؛ فأحدهم دخل المعتقل ولم يخرج منه، والآخر ظللتم تعذبونه حتى فقَد عينيه، وإمام المسجد الذي كان يعلِّمنا منعتموه من الخَطابة، وجاء بعده إمام أفضل منه، ولكن لفَّقتم له قضية وشوَّهتم سمعته..

 

من أجل ذلك خفت على نفسي، وقضيت وقتي في المقهى الذي بجوار بيتي، وهناك تعرفت على أصدقاء السوء، فعلَّموني التدخين، وبعده تعاطي المخدرات، بعد أن اندمجتُ معهم، وكان كل واحد منهم له مشكلة؛ فذاك عاطل لا يجد عملاً، والآخر والداه مريضان ولا يجد لهما دواءً، والثالث لا يجد لأبنائه قوتًا، فلم نجد جميعًا إلا المخدِّرات طريقًا نهرب فيه من واقعنا، وخاصةً أننا وجدناكم تحمون تجَّار المخدرات، فيزدادون ثراءً، في الوقت الذي نزداد نحن فقرًا، فشاركناهم وكنا لهم موزِّعين، وبعد سنين خسرنا حصَّتنا، وارتكبنا الجرائم، ومارسنا الفواحش!.

 

صاح المتهم: هذا كذبٌ صراحٌ.. إنك تريد أن تعلِّق انحرافك عليَّ، هل أنا أمرتك بشرب المخدرات؟ هل أنا شجَّعت تجَّار المخدرات رغم أنهم خارجون عن القانون؟ وهل لديك دليل على ما تقول؟

 

نادى المنادي: سكوت.. ليشهد الزمان والمكان، ولتُستدعى ذاكرة التاريخ، وبعد فترة صمت بدأت تظهر على الشاشة المنصوبة خلف المنصة صورُ أشخاص جلوس، وبعد قليل ازدادت الصورة وضوحًا فشاهدت المشهد التالي:

كان المتهم يجلس على مكتبه في حجرته الخاصة بمقر عمله، ويجلس أمامه رجل تبدو عليه آثار الثراء، ودار بينهما حديث قال فيه الرجل:

كل عام وأنتم بخير يا أفندم.. جئت إليك أهنئك برأس السنة الميلادية، وقد رأيتك منذ عدة أيام وأنت تركب سيارتك، فقلت لا بد أن أهدي إليك سيارة جديدة بمناسبة العام الجديد، وهي أول سيارة جاءت إليَّ في معرض السيارات الخاص بي من هذا النوع؛ مرسيدس، أحدث موديل.

 

قال المتهم، شكرًا جزيلاً، ولكن للأسف سوف تركب هذه السيارة زوجتي؛ لأنها تأبى أن أركب أن سيارة جديدة بينما هي تركب سيارة قديمة، سكت الرجل، كأنه فهم أن المتهم يريد منه سيارة أخرى، ثم تكلم قائلاً: إن الجمارك والضرائب صارت عبئًا علينا شديدًا.

 

قال المتهم: لا عليك، فما تربحه من تجارة الصنف يدرُّ ربحًا كثيرًا، أتظن لا أعلم حقيقة مشاريعك وأرباحك.

 

ارتبك الرجل قائلاً: نعم.. يا سيدي، أعلم أن يدَك طائلة، أتريد سيارة المدام من نفس نوع المرسيدس الذي ستركبه أم نوع آخر؟ قال: لا.. لتكن نوعًا جديدًا، ولكن غالي الثمن، على فكرة ابني دخل الجامعة هذا العام، وقد يحتاج هدية بسيطة ولتكن سيارة سبور مثلاً، قال أوامرك يا أفندم.. انتهى المشهد، وعلمت ما كنت أجهل من قبل، وهو لماذا يُترك تجَّار المخدرات أحرارًا!!.

 

إنها العلاقة الآثمة مع هؤلاء المتهمين، وقبل أن أنتهي من حديث نفسي ظهر مشهد آخر على الشاشة؛ حيث ظهر المتهم وهو يضرب شابًّا ضربًا مبرحًا، ويقول له: إوعى أشوفك تروح المسجد تاني، شوف لك قهوة ولا خمَّارة.. بنت حلوة تمشي معاها.. لكن تروح الجامع وتعمل شيخ مش عايز، وردَّ الشاب قائلاً: توبة من دي النوبة، لن تراني في مسجد، ولن أصلي حتى في البيت!! قال المتهم: أيوه كده.. شوف حياتك وعيش شبابك.

 

انتهى المشهد.. قام الشاب المسكين وقال: لقد أدمنت المخدِّرات.. ضاع شبابي، وأريد حقي من هذا الظالم، ونطقت جموع كثيرة وراءه تقول: ونحن أيضًا.. علمت أنهم مدمنو المخدرات من الشباب الضائع الذي ضيَّعهم أمثال هذا المتهم.

 

نادى المنادي: ليحمل المتهم أوزار هؤلاء المدمنين، وبعد لحظات من قول المنادي رأيت عظامًا تتطاير، وجثثًا لموتى تعلو، وأحجارًا تتجمَّع، ودموع أمهات على أبنائهن تسيل، ثم تتجمد وتصير صخورًا، وغيرها وغيرها.. اجتمعت كلها حتى صارت جبلاً ضخمًا، ثم وُضِعَ في كفة أوزار وسيئات المتهم، ثم ارتفع الجبل على وتدين عظيمين، ثم رُفع الجبل ووُضع على كتف المتهم، فصرخ بأعلى صوته: لا أستطيع.. إن ظهري ينقسم نصفين من شدَّة الألم!.

 

نادى الحارس: هذه أوزار من أضللتم وكنت سببًا في إدمانهم، تحمَّلها كاملةً اليوم.

ثم نادى المنادي: ألبسوا المتهم ثياب المحكوم عليهم بالعذاب.

نظرت إلى المتهم المزوِّر الظالم، فوجدت ثيابه قد نُزِعَت عنه، ثم جاء فوق رأسه برميل من براميل القطران المغلي، ثم أخذ القطران ينزل على جسده من صنبور أسفل البرميل، نزل القطران عليه، فسمعت صراخًا عاليًا، وتعالت رائحة شواء جلد، وخفت خوفًا شديدًا وأشفقت عليه، ولكنني تذكرت كيف كان يسمع هذا الظالم صراخ المعذبين الذين يضربهم بيديه ولا يرقُّ لهم، بل يقول إنني أستمتع بصوت صراخكم.

 

ظل المتهم المزوِّر يصرخ والقطران يسيل عليه من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه، وسار القطران المغلي قميصًا وسروالاً للمتهم، ووجدت على وجهه علامات الذل والهوان والحسرة والأسى، وصرخ قائلاً: أشركوا معي رؤسائي في العذاب.

 

نادى المنادي: اخرس أيها اللعين.. كلٌّ سيأتي دوره.

نظرت إلى الشاب المدمن، وجدت على وجهه علامات متباينة، ولاحظتُ حسرتَه على نفسه، وفرحته لأخذه القصاص ممن دمَّر حياته.

 

ومع تصاعد صيحات المتهم المزوِّر الذي لفَّق لنا القضية، تصاعدت صيحاتٌ أخرى قائلة: لا نجونا إن نجا.. هذا من أحال حياتنا جحيمًا.. هذا من جعلنا نلهث وراء لقمة العيش ولا نجدها.. نظرت نحو هؤلاء، فوجدت جمعًا من الناس تتصدَّرهم امرأة، يبدو عليها آثار الفقر الشديد والجوع الشديد، وشعرُها منكوشٌ، ويدُها مكسورةٌ، وتسير ببطء شديد لتتقدم الجميع، وبجوارها رجلٌ يبدو عليه سيماء الوقار والاعتزاز بالذات، وإن كانت نظرات الحزن غالبةً على عينيه.

 

نادى المنادي: من أنتم؟

قالوا: نحن الفقراء المعدمون، نشكو هذا المتهم اللعين.

قال: هل ستتحدثون كلكم؟

فصاحت المرأة قائلةً: أنا أتحدث عنهم.

وقال الرجل: وأنا كذلك.

نادى المنادي: تكلمي أيتها المرأة.

اقتربت المرأة.. رأيت ملامح البؤس على وجهها، وبدأت كلامها بعد أن سبقتها دموعها قائلةً: أنا واحدة من شعب مصر، لا بل من فقراء شعب مصر؛ فللأسف الشعب المصري أصبح طبقتَين: الأولى وهي تعد بالمئات تملك كل شيء، والثانية وهي تعد بالملايين لا تملك أي شيء، وأنا واحدة من الطبقة الثانية المعدمة الفقيرة والتي تمثل أغلبية الشعب.
نادى المنادي: تكلمي وأوجزي ولا تخشي شيئًا.

 

قالت: إنني أرملة، أسعى على سبعة أيتام، أعيش على معاش زوجي، والذي لا يزيد عن مائة جنيه شهريًا، وكذلك مساعدات أهل الخير، وفجأةً انقطع عنا عطاء أهل الخير، فلما سألت عن هذا الرجل الطيب الذي كان يسعى عليَّ وعلى أمثالي، فقالوا: لي أُلقي القبض عليه؛ بتهمة مساعدتنا نحن الفقراء، فلم يتبقَّ لي إلا معاش زوجي، والذي لا يكفي شيئًا، ومع غلاء الأسعار لم تكفِ هذه الجنيهات حتى الخبز.

 

وفي يوم خرجت لأقف في طابور الخبز؛ حيث أظل ساعاتٍ طوالاً لأنال عشرة أرغفة فقط يكفين وجبة واحدة، اشتدَّ في هذا اليوم الزحام، ونظرًا لضعف قوتي سقطتُّ تحت أرجل المتزاحمين، صرخت ولكن لا أحد يسمع، كُسِرَ ضلعي، ثم كسرت يدي، وبعد فترة لم أشعر بها غِبت عن الوعي، ولم أفِق إلا وأنا ممدَّة على الأرض في مكان قذِر، علمت أنه الوحدة الصحية، وحولي صغاري يبكون.

 

أخذت أبكي وأقول: مَن لصغاري لو أنا مت!! حتى الرجل الطيب الذي كان يسأل عنا اعتقلوه، أخذت أبكي وأحتضن صغاري وهم يبكون ويقولون: لمن تتركينا يا أمنا، ونطق الصغير منهم: أمي.. إنني جائع، هل أحضرت الخبز؟ نظرت إلى يدي فوجدت حتى الخبز لم أستطع إحضاره لصغاري بعد طول عناء، اشتدت حسرتي، تمزَّق قلبي، فاضت روحي إلى خالقها، تشكو ظلم الظالمين، وهذا المتهم المزوَّر أحدهم.

 

صرخ المتهم: وما لي أنا وطابور العيش وأزمة الخبز، إن البلد لها حكومة ومسئولون، وأنا موظف في جهاز من أجهزتها، هل تريدون أن تحملوني كل شيء؟ ثم صرخ قائلاً: إنني عطشان.. جوعان.. أريد ماءً وطعامًا.

 

نطق الحارس قائلاً: أصمت أيها الوغد، ثم وجدته يضربه ضربةً كادت عنقه تنخلع عن رأسه بسببها.

 

تكلم الرجل الوقور الذي كان بجوار المرأة قائلاً: نعم إنك سبب كل هذا البلاء، وإذا كانت هذه الأرملة تشكو فقرها، فأنا الموظف الحكومي أشكو فقري وحاجتي؛ فقد كنت أتقاضى ثلاثين جنيهًا لا يكفون شيئًا، ولم أمدَّ يدي للحرام، فلم أقبل رشوة، وحين أجبرني رؤسائي على قبول رشوة مقابل إعطاء أرض من أملاك الدولة لأحد المستثمرين بدون وجه حق رفضت، وقد قام هذا المستثمر برشوة رؤسائي، وتم تلفيق قضية لي، وكنت أنت أيها المتهم المجرم أحد الملفّقين، كانت النتيجة أن دخلت أنا السجن رغم براءتي ونزاهتي، وبقي المسئولون المرتشون في مناصبهم، وسرق المستثمر أموال البلد، واستمتعت أنت بفيلا في الساحل الشمالي أهداها لك هذا المستثمر اللص.

 

صرخ المتهم: هذا المستثمر كان على علاقة برؤسائي، وكنت أنفِّذ أوامرهم، وما أعطاه لي هدية متواضعة لماذا لا أقبلها؟!

 

وهنا نطق رجل حكيم وسط الحاضرين، قال: عن الفقر الذي عاشه المصريون مسئولٌ عنه هذا المتهم وأمثاله لعدة أسباب: أولها كانوا يزوِّرون الانتخابات لصالح الحزب الحاكم، فيأتي بذلك مجلس شعب لا يحاسب الحكومة، ولا يراقب تصرفاتها ولا نفقاتها، ثم هم يَنتقون لدخول مجلس الشعب أصحاب الأموال ورجال الأعمال غير الشرفاء؛ ليقوموا بسنِ قوانين تحمي مصالحهم، وليغضوا الطرف عن مساوئ الحكومة، ثم يقبضوا منهم أموالاً وهدايا طائلة، من باب "نفع واستنفع".

 

والأدهى من ذلك أنهم كانوا يُشعرون النظام بالرعب من حركات وهمية تسعى لتقويض نظام الحكم، وبالتالي تتجه ميزانية الدولة لهم، ولتأمين النظام، ولا تتجه لدعم هذا الشعب أو زيادة مرتبات العاملين، ثم رافق المصائب أنه إذا تكلم أحد من الشعب مطالبًا بحقوقه، فالمعتقلات في انتظاره، والقضايا الملفقة من نصيبه، وطبعًا يسكت الجميع ويزداد الفقير فقرًا والغني غنى.

 

صاح المتهم: أين العدالة؟ أين العدالة؟ إن كان ما تقوله صحيحًا فما دليلك؟ هذه كلها افتراضات صحيحة من الناحية النظرية ولكن نحتاج إلى دليل، كان يقول هذه الكلمات وهو يظن أن إثبات الدليل من رابع المستحيلات؛ فمن كان معه في هذه اللعبة القذرة، لن يشهدوا بأي شيء وإلا أدانوا أنفسهم.

 

نادى المنادي: نريد شهودًا لهذه الوقائع، ثم قال: نريد شاهدًا من أنفسهم.

وجدت بعدها بساطًا يحمل رجلاً، ثم نزل به أمام المحكمة، أتى الرجل من ناحية الشمال، نظرت إليه، وجدت شفتين ملتصقتين ببعضهما (مختوم على فمه)، فساءلت نفسي: وكيف سيتكلََّم هذا الرجل؟ وبم يشهد؟ ولكنني وجدت رِجْليه تتباعدان عن بعضهما، وكذلك ذراعاه، ثم خرج من جلده صوت غريب قائلاً:

أنا أحد هؤلاء الذين صنعهم الفساد، وصنعوا هم الفساد، ولقد كانوا سببًا في فقر هذا الشعب، وكنت عاملاً مشتركًا للمصالح المشتركة، لا أبرئ نفسي فقد ختم على فم صاحبي وأنا أعترف الآن بما حدث كاملاً غير منقوص؛ كنت موظفًا صغيرًا وجاءني من يقول لي كلِّم فلان بيه، وهو المتهم الماثل أمامكم، ذهبت إليه وطلبت مني الموافقة على إعطاء أرض تملكها الدولة لشخص بعينه، قال لي إنه مسنود، وهدَّدني إن أنا رفضت فسوف يكون مصيري مصير زميلي الذي دخل المعتقل وهو أحد المدعين بالحق أمامكم!.

 

فعلت ما أراده مني، وأخذت نصيبي، وبعدها علمت من أين تؤكل الكتف.. أخذت كثيرًا من أراضي الدولة بأسعار زهيدة وأبيعها بأسعار باهظة، وأعطي كبراء النظام نصيبهم، وهذا المتهم نصيبه أيضًا، ازداد ثرائي فأردت أن أحميّه رشحت نفسي لمجلس الشعب، وكان لهذا المتهم دور كبير في تزوير النتائج لصالحي، وذلك بعد أن أوهمت أهل دائرتي أنني سأكون نجدتهم من الفقر، وسأجعل دائرتي باريس أو قطعة في أوروبا.

 

أعترف أنني استغللت جهل الناس وفقرهم في شراء أصواتهم، دخلت إلى مجلس الشعب، كنت أساند كل قرار فيه مصلحة رجال الأعمال، بل ونسنّ القوانين التي تخدم مصالحنا ولو على حساب الشعب، وحينما شعرنا أن الناس قد بدؤوا يثورون شرَّعنا قوانين، تقيِّد حريتهم، وتهدِّدهم بالسجن والتشريد.

 

أعترف أنني كنت فاسدًا، ولكني كنت واجهةً لرجال النظام ومموِّلاً لأمثال هذا المتهم؛ فقد كان يطلب مني الكثير وأنا أدفع، وخاصةً أنني لم أتعب في شيء؛ فالأراضي ملك للدولة، والأموال أموال البنوك، وأنا أربح ببيعها بأسعار خيالية، ثم بعدها احتكرت مجموعةً من الصناعات، ورفعت سعرها لأربح حتى لو مات الجميع.

 

نعم.. لقد انعدم ضميري، وأصبح كل همي جمع المال، وقد كانت البداية مع هذا المتهم الذي شجعني ثم ساندني، ولكنه بعد ذلك كان كثيرًا ما يبتزُّني.. إنها منظومة فساد كاملة، قائمة على حماية المصالح المشتركة والناتجة من سرقة مقدرات هذا الشعب.

 

انتهى كلام الرجل، وسكت الصوت، وعاد فمه إلى طبيعته، وأصبح رجلاً عاديًا.. آه!! إنني أعرفه إنه أحد رجال الأعمال المشهورين، الذين كانوا يعملون بالسياسة، ويحتكرون البضائع، ويوجِّهون النظام لمصالحهم الخاصة.

 

نادى المنادي: خذوا هذا الشاهد إلى مكانه حتى يأتي موعد حسابه.

صرخ المتهم: أيها الغبي.. لقد أدنت نفسك قبل أن تدينني، وأوقعت نفسك في العذاب، وكنت أظن أنك لن تشهد عليَّ ولا على نفسك.

 

قال الرجل: الأمر ليس بيدي، لقد نطق جلدي ولم ينطق فمي؛ فأنا هنا مغلوب على أمري، يا ليتني لم أعرفك وأتعرف عليك فأنت سبب مصائبي.

 

قال المتهم: بل جشعك وجمعك ورغبتك في الثراء وانعدام ضميرك.

ثم صاح المتهم: آه!! إن أمعائي تكاد تتقطَّع من الجوع.

وهنا نادى المنادي: أطعموه واسقوه.. حينها رأيت شجرةً تنبت أمامه، كان منظرها مخيفًا؛ فجذعها من الحديد الصلب المحمي، يكاد ينصهر من شدة الحرارة، وأوراقها كلاليب حامية، وثمرها شوك مدبب الأطراف، وحمل الحارس بعض الثمر وأعطاه المتهم، والذي أخذ أول ثمرة ووضعها في فمه فصرخ صراخًا شديدًا، قائلاً: إنها حامية، إنها تلتصق في فمي، لا أكاد أبتلعها، إنها محشورة في حلقي، أكاد أموت من الغصة.

 

أعطاه الحارس كوبًا ليشرب منه، فشرب منه فازداد صراخًا قال: تسقيني ماء مغليًا، وما هذا؟ نحاس مصهور، وصديد سائل.. ما هذه الرائحة الكريهة؟ إن بطني تكاد تنفجر وأمعائي تتمزق!! يا للهول!! إنني أزداد جوعًا وألمًا.

 

نطقت المرأة التي تشكو الفقر قائلةً: إن ما تعانيه من آلام قد لا يساوي ألمي وصغاري حولي يبكون من الجوع، وأنا لا أستطيع أن أطعمهم وأنا أمّهم، وذلك في الوقت الذي تحمي فيه الفساد والمفسدين، وتحارب من يسعى علينا من الصالحين.. ذُق أيها المجرم.. إنك أنت العزيز الكريم!.

 

نادى المنادي: لا تحزني أيتها المرأة، سنجعلك تشبعين، ومع صغارك تنعمين، وسوف يذوق هذا اللعين الغسَّاق والحميم، ومن الزقوم سيكون من الآكلين.

 

قلت في نفسي: أيها المتهم الغبي.. ما الذي دفعك للظلم والتزوير؟ أكلة هنية أم شربة ندية؟ إنك اليوم في عذاب مهين.. يا لك من مسكين!! ثم سألت نفسي: تُرى هل هناك مدعٍ آخر يدَّعي عليه بذنب ارتكبه أو ظلم جناه، وبعد برهة ليست بطويلة سمعت صوتًا يقول: دعوني أشكو إليكم هذا المجرم.. دعوني أحكي لكم حكايتي وأقص قصتي..

نظرت إليه وانتظرت أن يظهر لأعرف من هو.

 

اقترب رجل يبدو عليه الإنهاك، وتبدو عليه أمارات الإحباط واليأس، مشى متثاقلاً، يقدِّم رجلاً، ويؤخر الأخرى، اقترب أكثر، حتى أصبح أمام المنصة، تأملت وجهه فوجدت عينيه متورِّمتين، يبدو عليهما آثار سهر طويل، ويوجد خطان سوداوان يمتدان على جانبي خديه، يشيران إلى طول بكائه، أما قامته فهي محنية للأمام تكاد جبهته تلامس الأرض، ورجلاه لا تكاد تحملانه.

 

نطق الرجل قائلاً: إنني الحزن بعينه، اليأس في صورته، وقصتي قصة رجل أصابته المصائب من كل جانب.

 

نادى المنادي: قل يا رجل مشكلتك.. لعلنا نشفي صدرك، ونُذهب ألمك.

قال الرجل: كنت في العقد الثالث من عمري وأحببت قريبة لي من كل قلبي، وظللت أعمل ليل نهار؛ حتى أستطيع أن أتزوج بها لأكوِّن معها أسرةً في الحلال، وبعد ثماني سنوات من العمل تزوجتُها ولكن بعد عدة سنوات لم تفلح في إنجاب طفل يعمِّق حبَّنا، ذهبت للأطباء فأجمعوا على أن خصوبتي ضعيفة ولما سألتهم عن السبب قالوا: هذه أصبحت ظاهرة عامة وذلك بسبب تلوث الغذاء والماء ونقص التغذية وتأخُّر سن الزواج، ولكن..

 

يشاء الله أن أُرزق بطفل ملأ عليَّ حياتي، وبعد 4 سنوات من عمر الطفل وجدته يذبُل أمامي، ذهبت به إلى الطبيب قال لي إنه أصيب بالسرطان، فقلت له: وما السبب؟ قال: أسباب السرطان لا تحصى، أكثرها المبيدات المسرطنة التي توضع في الأراضي الزراعية، وحلوى الأطفال والتي لا تخضع للرقابة الغذائية.

 

قلت: وأين دور الحكومة في منع هذه الأمور؟ قال الطبيب: الحكومة مشغولة بنفسها.. أخذت طفلي لأعالجه، بعت كل ما أملكه، واقترضت من كل من أعرفه؛ أملاً في أن يشفى ابني، ولكن أخذت مصاريف العلاج تستنزفني، حتى اضطررتُ إلى اختلاس أموال من الشركة التي أعمل بها، فدخلت السجن، وواجهت زوجتي المسئولية وحدها، لم تستطع أن تنفق على علاج طفلي، لم تجد أي شيء تبيعه سوى .. سوى.. انخرط الرجل في البكاء.

 

نادى المنادي: فهمنا، استمر ولا تبتئس.

قال الرجل: ولكن لم يفلح أي شيء.. مات ولدي، ودخلت أنا السجن، وفقدت زوجتي، وتمزَّقت أسرتي.. ضاع أملي!.

 

صاح المتهم: قل إنني أمرضت ولدك، وجعلت زوجتك تنحرف، وأدخلتك السجن؛ فكل بلية أنا وراءها، أشعل نارها، وأقدح زناد شرّها.

 

قال الرجل: نعم.. أنت.. لا أحد سواك، من يحمي الوزارة التي أحد وزرائها قام بإدخال المبيدات المسرطنة؟ من كان يأخذ الرشاوى ممن يلقون المخلَّفات في النيل؟ من كان يحمي نظامًا ينفق على اللهو والحفلات أكثر مما ينفق على المستشفيات؟ من يحمي نظامًا يعالج المشاهير الأغنياء ويترك أمثال طفلي؟ من يحمي هذا النظام سواك أنت وأمثالك؟!

 

قامت امرأة من وسط أهل اليمين وقالت: لديَّ ما أقوله لأوضح المسألة.

نظرت إليها فوجدتها امرأةً وقورةً، تلبس جلبابها، ويزيِّنها خمارها، استمعت إليها فقالت: إن الفساد منظومة كاملة، ولذلك قال الله عن فرعون ونظامه، ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾ (الفجر)؛ ففساد نظام الحكم معناه الفقر والمرض والجهل والتخلف والهزيمة وكل شيء؛ لأن الحكومة الفاسدة ستتجه إلى مصالحها وفقط، وتأمين نفسها وفقط، فيقومون بالسرقة واستغلال النفوذ، ووسطهم يتسلَّل العملاء لأعدائنا من اليهود والأمريكان، فيقومون بسن القوانين التي تضر بالبلد، وتخدم مصالح أعدائها الخاصة، وإلا قل لي: ما سبب عدم تقديم الوزير المسئول عن إدخال المبيدات المسرطنة للمحاكمة رغم إدانة مساعديه؟ السبب أنه أحد أركان النظام ولديه من الأسرار الكثير، إذا سألت ما السبب أن يصدر الغاز الطبيعي لليهود وبأقل الأسعار ويُحرَم الشعب من خيرات بلاده ويقوم اليهود باستخدام الغاز الطبيعي كوقود للطائرات التي تقتل إخواننا في فلسطين؟ كانت الإجابة هي أنها حكومة فاسدة، ربطت مصالحها وبقاءها برضا اليهود والأمريكان عنها، وليس رضا الشعب عنها، ولكن من يحمي هذه الحكومة؟
إنه هذا المتهم وأمثاله.. إنهم يقتلون الشرفاء.. يضربون المتظاهرين.. يعذبون المصلحين.. يقاومون كل من ينادي بالخير ويسعى إليه.

 

إن هذه الحكومة الفاسدة التي أفقرت الشعب وأصابته بالأمراض والأوبئة، واهتمت بثرائها غير المشروع على حساب شعبها، ما كانت هذه الحكومة لتبقى لولا هذا المتهم المزوّر اللعين وأمثاله.

 

نادى المنادي: نعم.. أعترف بكل ذنبي.. أنا جزء رئيسي وعامل أساسي في فساد النظام وما ترتب عليه، ولكن ألا يمكنكم أن تصفحوا عني.. سامحوني أرجوكم.

 

صاح الرجل: وهل ستحيي ابني الذي مات؟ وتعيد لي سعادتي التي فقدت؟ وزوجتي التي ضاعت؟ وأسرتي التي تمزقت؟

 

ارتفع صوت من وسط الناس: أتريدنا أن نسامحك!! أتذكر حينما كتبت في تقريرًا أمنيًا، ظللت بسببه عشرين عامًا في السجن، ذهبت إليك أمي العجوز تسترحمك لتطلق صراحي، فقلت لا رحمة مع أمثالي.. أيها المفتري الظالم لا رحمة لك اليوم.

 

صرخ المتهم: لقد تعبت.. إنني يائس.. إنني بائس.. يا ليتني ما خلقت!!.

نادى المنادي: جهزوا المتهم لمقعده في العذاب، رأيت مشهدًا مروِّعًا، خلع قلبي، وأرعب نفسي، رأيت أغلالاً من حديد، أحاطت بالمتهم المزوّر من كل جانب، بدأت برقبته، ثم ذراعيه، ثم جذعه فرجليه، ثم وجدت هذه الكلاليب تنبعث منها حرارة شديدة، ثم شدّت هذه الكلاليب من طرفيها، فصار المتهم جالسًا كالقرفصاء؛ وجهه بين فخذيه، لا يستطيع أن ينصب ظهره، ثم وجدت الكلاليب تضيق في عدة مواضع بالتوالي؛ فمرة تضيق الكلاليب على رقبته حتى تكاد تخنقه، ثم على ضلوعه حتى تكاد يخرج قلبه من صدره، ثم على فخذيه حتى تكاد تنكسر عظامه وهو يصرخ ويستغيث ولكن لا مغيث.

 

تذكرت كم سمع هذا الآثم من صرخات واستغاثات، فكان يقابلها ببسمة صفراء ونشوة كاذبة، كان يُسعده أن يرى أطفالنا وهي تصرخ، ونساءنا وهي تبكي، وكنت أعجب وأسأل نفسي: أليس لهذا المتهم اللعين قلبٌ يشعر به.

 

حينما تذكرت هذه المشاهد لم أجد في نفسي ذرةً واحدةً تشفق عليه أو تتعاطف معه، وأفقت من ذكرياتي على صوت شاب قوي مفتول العضلات يقول:

أفسحوا لي الطريق.. إن شكواي من هذا المزوِّر اللعين لم يشكُها أحد قبلي.. اسمحوا لي أن أشكو شكواي..

تقدم الشاب واستعد للكلام.