الحمد لله البر الجواد، الهادي إلى سبيل الرشاد، الموفق بكرمه لطريق السداد، أحمده أبلغ حمدٍ على نعمه التي لا تحصى ولا تعد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)﴾ (النحل)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له إقرارًا بوحدانيته، واعترافًا بما يجب على الخلق كافة من الإذعان لربوبيته، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المصطفى من بريته، خاتم النبيين، صاحب الشفاعة العظمى ولواء الحمد والمقام المحمود، أرسله ربه شاهدًا على الخلق أجمعين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا (47) وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (48)﴾ (الأحزاب).
صلوات الله وسلامه على رسول الله، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، والأطهار المحجلين صلاةً وسلامًا دائمين من اليوم إلى أن يبعث الناس غدًا.
أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164)﴾ (آل عمران).
أيها المسلمون: الميلاد المحمدي وما أدراك ما الميلاد المحمدي، ذكرى غيوث تنهمل في صحراء، وأنوار تتألق في ظلماء، وحياة تهبط على موات، ورحمة تنزل على أشقياء، وقرآن يتحدى الحكماء والشعراء، ذكرى رسول الحياة يطل على الحياة والأحياء، إنه ميلاد خير وبركة للبشرية جمعاء بدت آثارها منذ اللحظة الأولى مع مرضعته السيدة حليمة، فتأمل ما تحكيه حيث تقول: فلما أخذته، رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا رِيًّا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة.
وفي الصباح قال لها زوجها: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: والله إني لأرجو ذلك.
قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها، فأقول لهن: والله إنها لهي هي. فيقلن: والله إن لها لشأنًا.
وتمتد بركة هذا المولود المبارك لتعم كل ما يخص هذه المرضع، فتقول: فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرعٍ حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتان وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا(1).
وإذا كانت البركة قد حلَّت بالسيدة حليمة، حين حلَّ بدارها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طفلاً رضيعًا، فإن بركةَ الرسول صلى الله عليه وسلم تحل بديار المسلمين حين ينزلون هديه وشرعه في حياتهم منزلاً مباركًا، وتالله إنهم لو فعلوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمْ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (الحج: من الآية 58)، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55).
عباد الله: إن احتفاءنا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس يومًا من شهر وإنما احتفاؤنا به في كل بوم، وليس مرة واحدة في اليوم، وإنما عشرات المرات، مع كل نداءٍ وإقامة للصلاة الدنيا كلها تتجاوب وتردد مع المؤذن أشهد أن محمدًا رسول الله، ومع كل تشهدٍ في الصلاة يكون للمسلم لقاء مع رسول الله يتوجه فيه بالسلام عليه: السلام عليك أيها النبي وما أجمل ما كتبه علامة تركيا بديع الزمان سعيد النورسي حيث يقول: "لذا فالعالم الإسلامي يهنئ ويبارك هذا النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- بقوله في كل جلسة تشهد في الصلاة يوميًّا وبملايين الألسنة: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، مصدقًا إياه في بشراه بالسعادة الأبدية التي أتى بها، فيستقبله بامتنانٍ بالغ، وشكر عميم إزاء فتحه طريقًا سويًّا إلى الحياة الباقية، التي تبحث عنها البشرية بعشق دفين وعميق، وشوق فطري عارم، بقوله: "السلام عليك أيها النبي" معبرًا به عن زيارة معنوية له- صلى الله عليه وسلم- ولقاء معه، ومرحبًا ومهنئًا إياه باسم المليارات من المؤمنين".
ذلكم رسول الله محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي تردد اسمه العذب ملايين الشفاه، وتحييه بين ساعات وساعات وتصلي عليه ملايين الأفواه أجيالاً بعد أجيال، ومع التفاوت في التوقيت بين القرى والبلدان ومع انتشار دينه في قارات الدنيا الخمس فإنه لا تمر لحظة من ليل أو نهار إلا واسمه يدوي في الآفاق..
ألم تر أن الله قد خلَّد اسمه إذ قال في الخمس المؤذن أشهد
وشقَّ له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
لقد كان ميلاد الرسول- صلى الله عليه وسلم ميلاد- رسالةً لهي الحجة القائمة على الأيام والآية الباقية على الأجيال، فالدنيا منذ جاءها دنيا محمد، والعالم منذ صدع فيه الإسلام عالم الإسلام! ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)﴾ (آل عمران).
لقد كان ميلاد الرسول- صلى الله عليه وسلم- ضرورة اجتماعية إنسانية لتصحيح الحياة وتحقيق الإسلام كضرورة الشمس الكونية لحياة الأجسام، وبعث الحرارة والنماء، ولولا محمد رسول الله لكانت الإنسانية ليلاً بلا فجر وطيرًا بلا جناح ومفازةً بغير دليل! ﴿... قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)﴾ (المائدة).
أخوة الإسلام والإيمان: إن محمدًا رسولنا العظيم صلوات الله وسلامه عليه لم يورثنا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثنا أمانةَ الحياة كلها ألا وهي "الإسلام" وترك بأيدينا حجة الدهر كله، وآية الأجيال كلها ألا وهي "القرآن"، والقرآن حبل الله الممتد بين السماء والأرض طرف منه بأيدينا وطرف بيد الله، مَن استمسك به فهو إلى الله يسير، وبالعروة الوثقى يعتصم، وفي الحرية الكبرى يتقلب، وفي المجد الأشم يحيا.
ولقد حمل السلف العظيم هذا الدين الذي هو ميراث النبوة وأمانة الحياة بحقها فوقعت المعجزة الكبرى، وفعل الإيمان بأمة محمد الأولى ما لا يفعل السحر والأحلام، وأي معجزةٍ أعظم وأروع من أمي يعلم العلماء والحكماء، ويتيم يسعد الجماعات والأفراد، وعربي يحكم كسرى وقيصر، وفرد يصنع خير أمة أُخرجت للناس!.
لقد أخرج الرسول- صلى الله عليه وسلم- للأجيال خير الأجيال، فمن مدرسته الكبرى تخرَّج مثل أبي بكر وعمر قادة دول ورعاة أمم، ومثل علي ومعاذ فقهاء مشرعين وقضاة ملهمين، ومثل أبي عبيدة بن الجراح وعتبة بن غزوان أمراء مثاليين وولاة مصلحين، ومثل خالد وعمرو عباقرة حرب وأساطين فتح، ومثل أسماء ونسيبة وأم حرام والخنساء نساء مخلدات وأمهات عظيمات.
من الرجال المصابيح الذين هموا كأنهم من نجوم حية صنعوا
أخلاقهم نورهم من أي ناحية أقبلت تنظر في أخلاقهم سطعوا
لقد استطاع هذا الجيل المحمدي الأول أن يغزو العالم بالإسلام وأن يؤسس دولة من المحيط إلى المحيط تتعالى مآذنها الجميلة الشماء بين قطر وقطر بين قباب السماء ويتجاوب أذانها الحر في الآفاق العليا مرددًا تسبيحة العالم المطهر، ونشيد الخلود المعطر وترنيمة الفلاح الأكبر للخالق المبدع المصور "الله أكبر الله أكبر".
أيها الإخوة المسلمون: إنَّ دليل حبنا الحقيقي للرسول- صلى الله عليه وسلم- إنما يكون في التأسي به في كل جوانب حياته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب)، ولن ينال المسلم محبة الله إلا باتباع هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)﴾ (آل عمران).
بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما أروع سيرتك، وما أعظم بركتك، إنها المدرسة الإلهية لكل قائد وكل زعيم، وكل رئيس، وكل حاكم، وكل سياسي، وكل معلم، وكل زوج، وكل أب، أنت المثل الإنساني الكامل لكل من أراد أن يقترب من الكمال في أروع صوره واتجاهاته ومظاهره فالحمد لله الذي أنعم بك علينا أولاً، وعلى الإنسانية ثانيًا. وليس الخلود في أن يتحدث التاريخ عن الخالدين، ولكن في أن تسري أرواحهم في الأحياء المتعاقبين، وأن تعمل أخلاقهم عملها في كل عصر على مر التاريخ، ولم يجتمع ذلك لعظيم كما اجتمع لرسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم- وقد كان نجاحه المعجز في أنه تمكن من تربية النماذج الإنسانية الكاملة، وهذه هي الأسوة التي نحض عليها كل مسلم، حتى يتمكن من أن يغير من مسار الواقع التي لا يقبل به أي مسلم ينتسب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ واجبَ المسلمين ليحققوا التأسي برسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يدرسوا هذه السيرة المطهرة ويعكفوا على الصلة بالنبي الكريم عن طريق سيرته صلة علمية، وروحية، وعملية.
والصلة العلمية: تكون بالدراسة والتحليل.
والصلة الروحية: تكون بالشوق والحنين.
والصلة العملية: تكون بالاتباع والاقتداء والانقياد بالعمل.
ولئن كان القرآن هو التعاليم والأحكام النظرية، فإن السيرةَ هي التطبيق العملي، والثمار الحية لهذه التعاليم مع صورةٍ مجسمةٍ، فما كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يفعل أو يقول أو يصدر إلا عن وحي ربه، فعن سعد بن هشام بن عامر قال: سألت أم المؤمنين السيدة عائشة- رضي الله عنها- عن خلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالت: "ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى. قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن"(2). يقول الإمام النووي: معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته"(3).
ولو أردنا أن نوفي الذكرى حقها لما استطعنا لذلك سبيلاً لضيق الوقت وعجز البيان أن يلم بجوانب حياة هذا النبي الخاتم وحسبي أن أقدم هذا القبس من نوره تذكرةً لمَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهذه العبرة التي يجدر بنا أن نتشبث بها دائمًا حينما يكون لنا أن نتحدث عن نبينا الكريم- صلى الله عليه وسلم- والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
--------------------
1- مرجع سابق 1/150- 152 بتصرف
2- النووي على مسلم 6/25/[139(746)- صلاة المسافرين- جامع قيام الليل
3- المرجع السابق 6/26