في بر مصر.. تزر وازرة وزر أخرى

 

 م. محمود المرسي

أجلسُ في صالة الزيارة مع أهلي حين يزورونني فتقع عيناي على وجوه بعضِ الزائرين، فأرى شريحةً كبيرة منهم يبدو عليهم علامات البؤس الشديد والفقر المدقع؛ فهذا امرأة في العقد الخامس أو السادس تدخل الزيارة تحمل ما تنوء بحمله لمَن جاءت تزوره، تجلس في أقرب مقعدٍ تتصبب عرقًا، وتتلاحق أنفاسها، ولا تستطيع مخاطبة الجندي المكلَّف باستدعاء المزور إلا بعد أن تلتقط أنفاسها؛ لقد أجهدها السفر أو التنقل في المواصلات حتى جاءت إلى السجن إجهادًا يضاعف من إجهاد الفقر والعوز الذي ينهشها وتبدو آثاره على وجهها، وتستطيع أن تلمح بغير فراسةٍ أن المرأةَ قد قطعت من قوتها أو أثقلت كاهلها بديونٍ لتحضر لمَن تزور هذه الزيارة التي ينتظرها بدوره مرةً كل شهر؛ لا لأن اللوائح لا تسمح بزيارات أكثر من ذلك، لكن لأن الأسرةَ لا يمكنها القيام بأكثر من زيارة شهريًّا لما تحمله من نفقاتٍ ماديةٍ فوق طاقتها.

 

وهذا رجل رثُّ الملبس، زري الهيئة، يحمل ألوان الحاجبات للمَزُور ولسان حاله يقول "نحن أولى بهذا منك"، كما تلمح في عيون الأطفال تعلقهم ببعض ما يُقدَّم للسجين المزور من طعامٍ وحلوى؛ فهم لا يذوقونها إلا نادرًا.

 

وهذه تجلس إلى زوجها تبكي؛ فقد باعت أثاث البيت وذهبت لتقيم مع والدته، فأصبحت تتقاذفها مرارة الحرمان من الزوج وضيق العيش، بالإضافة إلى التشاجر المستمر مع حماتها.. سلسلة من الهموم والمشكلات تحط على رأس الأسرة منذ بدأ صاحبهم رحلة العذاب منذ الضغط والإحضار حتى الوصول إلى السجن ليقضيَ عقوبته.

 

حالات كثيرة رأيناها أو سمعناها تشيب لها الرءوس؛ مما يجعلنا نتساءل: من الذي يعاقَب السجين أم أهله؟!

 

ويكون العجب حين تعلم أن هذا الشقي تمَّ ضبطه لتهربه من الخدمة العسكرية لأنه يعول أسرته، وعجز أهله عن دفع الغرامة المالية فسيق صاحبهم إلى السجن، أو تعلم أنه تشاجر مع شخصٍ ما، وكان هذا الشخص "مسنودًا" فتم "توضيب المحضر" وتلفيق التهم وإحضار التقارير الطبية وغير ذلك، ثم سيق التعيس إلى مصيره المؤلم له ولأهله، ولست أستبعد شيئًا من ذلك بعدما لُفِّقت لنا في قضيتنا تهم بلا دليل، وأضيفت لنا أحراز من حيث لا ندري ولا نحتسب، وعرَّفت النيابة المعروف على أنه منكر، وهكذا.

 

وما أكثر أولئك الذين عجزوا عن سداد أقسام مشترياتهم، سواءٌ سيارات أو أجهزة منزلية أو غيرها، ولربما كان الشخص ضامنًا لمَن عَجَزَ عن السداد، فيساق أيضًا إلى المصير المشئوم ليقضيَ بين الأوباش وخلف السوار أيامًا يود لو حُذفت من عمره وعمر أسرته.

 

وسواءٌ أكان السجين مذنبًا أم غير مذنب فإن أهله يقاسون الأمرَّين، وما زال السؤال مطروحًا: إن كانت أجهزة الدولة العاجزة عن إصلاح أحوال العباد والبلاد قد قضت على هؤلاء البؤساء بالسجن أيًّا كانت المدة.. فما ذنب أسرته التي تعاني أكثر منه؟! فربما دُمِّرت أُسر بأكملها في مثل هذه الظروف.

 

أيها السادة.. هذا جانب من الحياة أحسب أن أحدًا لا ينتبه إليه؛ لذلك أحب أن ألفت أنظار الخيِّرين من الموسرين ورجال الأعمال والجمعيات الخيرية إلى الأسر التي يسجن ذووها وهي تعاني الفقر المدقع، فإما يعملون على فك أسر صاحبهم إن كان من المعسرين في سداد الأقساط أو المتعثِّرين في أداء ديونهم، وإما يعملون على إعالةِ الأسر لحين عودة السجين إلى الحياة، فلا تضيع الزوجة المسكينة، ولا يُشرَّد الأطفال الصغار، ولا تتراكم الديون على الأسرة فتزيد المشكلة تعقيدًا.

 

أناشد أهل الخير أن يلتفوا إلى هذه الحالات بعيدًا عن الأجهزة الرسمية التي لا يهمها إلا الدعاية والمظاهر، ولا تهتم بحاجات الناس الحقيقية.

 

وأحسب أن أداءَ ديون المعسرين وكفالة المضيعين من هذه الأسر يصلح كمصرفٍ من مصارف الزكاة؛ فأما المعسر فهو من الغارمين، وأما المضيعين فمن الفقراء أو المساكين، على كل حالٍ يمكن أن يُستفتى في هذا الأمر العلماء المخلصون، ثم يستنفر له كل مَن استطاع الإسهام ولو بالقليل لصالح هؤلاء البؤساء.

أما الحديث عن التعامل مع المتهم وعن فلسفة العقوبة فهذا له حديثٌ آخر إن شاء الله.