نعيش الآن أيامًا عطرةً محبَّبةً لقلبِ كلِّ مسلم؛ إنها أيام مولد خير البرية ورسول الإنسانية، فماذا علينا أن نفعل في تلك الأيام؟.. علينا أن نستقرئ سيرته العطرة، ونستجلب منها ما نتمثَّل به ونمتثِل له في حياتنا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: من الآية 21)، ليكون نجاةً لنا في آخرتنا وصلاحًا وفلاحًا لنا في دنيانا، لا سيما في هذه الأيام التي تكالبت علينا الأمم موجِّهةً سهامَ الطعن إلى الإسلام ورسوله الكريم، بينما الأمة تغطُّ في غفلةٍ عميقةٍ وحكامها في ملهاة ومأساة، وكأنَّ الأمر لا يعنيهم في شيء، وكأنهم لا يسمعون ولا يرون.. هانت علينا أنفسنا فهُنَّا على غيرنا، فاستهدفونا طعنًا وقدحًا وسبًّا، وهم أهلٌ للطعنِ والقدحِ والسبِّ لا نحن، هم أهلٌ لكلِّ طعن بما لديهم من معتقداتٍ شركيةٍ فاسدةٍ ومبادئ لا أخلاقية شاذَّة لا تهدف إلا إلى تقويض المجتمعات.
جاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رحمةً للبشرية جمعاء، بل رحمةً للعالمين؛ إنسهم وجنَّهم، بما قدَّمه لهذه البشرية من حلولٍ لكلِّ المشكلات، فكيف كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رحمةً للعالمين؟.
هذا هو الرسول الكريم
أُرْسِلَ- صلى الله عليه وسلم- لهدايةِ البشرية، إلى طريق التوحيد، إلى عبادة الله، جاء- صلى الله عليه وسلم- لإخراج العبادِ من عبادة العباد إلى عبادةِ ربِّ العباد؛ تكريمًا للإنسانِ وتشريفًا وارتقاءً بالنفس البشرية، فلا تتسلط نفسٌ على نفس، ولا فئة على فئة، ولا قومية على قومية.
جاء لانتشال النفس البشرية من عبادةِ المادة إلى عبادة مَن خَلَقَ المادةَ، ومن حضيض ومستنقع الرذيلة إلى سمو الأخلاق والفضيلة؛ رحمةً بالإنسان وتشريفًا وتوقيرًا له.. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء)، رحمةً بما جاء به من أُسسٍ تشريعيةٍ تضمن حقوق الفرد والمجتمع، وتضمن العدل والمساواة بين بني البشر.. لمَ لا يكون رحمةً وقد منحه الله- تبارك وتعالى- اسمين من أسمائه، فقال جلَّ من قائل: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: من الآية 128).
نعم.. رحمة للعالمين بما جاء به من منهجٍ قابلٍ للتطبيق في كلِّ زمانٍ وفي أي مكان، منهج يتصف بالوسطية؛ فلا يكلف النفس البشرية إلا ما تُطيق ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية 286)، منهج جعل فيه المشرع والحاكم هو الله؛ ضمانًا لتحقيق العدل، فلا تُشرِّع فئةٌ ما يخدم مصالحها وأغراضها على حسابِ فئة أخرى؛ لذا جُعِلَ حق الحكم والتشريع لله ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ﴾ (الأنعام: من الآية 57).
رءوف رحيم بالأمة
كان- صلى الله عليه وسلم- رحيمًا بالأمة رءوفًا بها، حريصًا على أن تدخل في الإسلام، فلا يستشرفها الشرك ويركبها العناد فتظل في كهوفِ الشرك والأوثان؛ لذا وصفه- تبارك وتعالى- فقال عزَّ من قائل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾ (التوبة).
كان حرص رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن تستقيم حياة الأمة وينصلح المجتمع، ويدخل الناس في الإسلام كافةً؛ نجاةً لهم من الشركِ ومهالكه، ورحمةً بهم من عواقبِ الضلال، فخاطبه ربه- تبارك وتعالى- فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، نعم.. لم يكن فظًّا ولا غليظ القلب، وإلا ما دخلت أفواجٌ وشعوبٌ وقبائلُ الإسلامَ.
قال علي- رضي الله عنه- في وصفه صلى الله عليه وسلم: "كان أوسع الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجةً، وألينهم عريكةً (طبيعة)، وأكرمهم عشرة" (تهذيب الشفا- 2/84).
ومن شفقته على الأمة وحرصه عليها- صلى الله عليه وسلم- تخفيفه لأمور وكراهته لأشياء مخافةَ أن تُفرَض على الأمةِ فيشق عليهم تنفيذها، ومنها قوله- صلى الله عليه وسلم-: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عن كلِّ وضوء" وعند مسلم "عند كل صلاة" (انظر الكتب الستة).
وقوله- صلى الله عليه وسلم- في قيام الليل: "خذوا من العمل ما تُطيقون"، وقوله لعبد الله بن عمرو بن العاص "وأما أنا فأرقد وأقوم وأصلي.." ونهيه عن وصال الصوم.
عطاؤه لمبغضيه وحرصه عليهم
ها هو- صلى الله عليه وسلم- في غزوة حنين يُعطي صفوان بن أمية مائةً من النعم، ثم مائةً ثم مائةً حتى قال صفوان: "والله لقد أعطاني ما أعطاني وإنه لأبغض إليَّ، فما زال يُعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليَّ" (الشفا- 2/187).
خلقٌ نبيلٌ أن تُعطيَ مَن يبغضك، وأن تعفوَ عمَّن ظلمك، وأن تُحسنَ لمن أساء إليك.. إنها أخلاق الأنبياء وسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
انظر إلى ما عاهد عليه ربه تبارك وتعالى؛ فقد دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ربه وعاهده فقال: "أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاةً ورحمةً وصلاةً وطهورًا وقربةً تقربه بها إليك يوم القيامة".
شفقته على الكفار
كم تعرَّض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للإيذاء من قومه في مكةَ ومَن جاورها من القبائل كأهل الطائف وغيرهم.. كم تعرَّض للأذى من أبي جهل وأبي لهب صناديد الكفر وغيرهم، فصبر وأصحابه على الأذى لتبليغ الدعوة لأجل هداية هؤلاء وإنقاذهم من براثن الشرك والضلال، ورغم كل العداء والمكائد وصنوف الإيذاء المعنوية والجسدية؛ فتارةً يقولون عنه (ساحر أو مجنون) وتارةً يقولون عنه (ساحر كذاب).. ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)﴾ (الحجر)، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4)﴾ (الفرقان)، وها هي أم جميل زوج أبي لهب تهجو رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فتقول: "مذمَّمًا عصينا، وأمره أبينا، ودينه قلينا" (الرحيق المختوم ص77).
وها هو عقبة بن أبي معيط يُلقي بسلا جزور على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو ساجد (البخاري 1/543)، وها هو- صلى الله عليه وسلم- ينطلق إلى الطائف ليعرض عليهم الإسلام فلا يجد منهم إلا الصد والإيذاء حتى أغروا به سفهاءهم وعبيدهم فجعلوا يرجمونه بالحجارة حتى أدموا عراقيبه، فالتجأ إلى حائطٍ يُناجي ربَّه: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلةَ حيلتي وهواني على الناس، يا أرحمَ الرحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى مَن تكلني إلى بُعيد يتجهمني أم إلى عدوٍّ ملَّكته أمري؟ إنْ لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن يتنزل بي غضبك أو يحل على سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك".
فلمَّا جاوز الظالمون المدى أتى جبريل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري من حديث عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: "لقيت من قومكِ ما لقيت، وكان أشد ما لقيتُ منهم يوم العقبة؛ إذْ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلاب فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب- وهو المسمى بقرن المنازل- فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل فناداني فقال: "إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم علي ثم قال: يا محمد.. ذلك فما شئت إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين؛ أي لفعلت، والأخشبان هما جبلا مكة.. قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "بل أرجو أن يخرج الله عزَّ وجل من أصلابهم مَن يعبد الله عزَّ وجل وحده لا يشرك به شيئًا" (البخاري1/458).
كان- صلى الله عليه وسلم- حريصًا لأجل أن يخرج من أصلاب هؤلاء المعاندين مَن يُوحِّد الله، وقد كان أن خرج منهم أمة عظيمة بتفرُّدها وحدها دون الأمم المعاصرة بتوحيد الله وتنزيهه عن الشرك.
رفقه بالحيوان
لم يكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رحيمًا رفيقًا بالإنسان فقط، وإنما كان رحيمًا بالحيوان؛ فعن عائشة- رضي الله عنها- أنها ركبت بعيرًا وفيه صعوبة، فجعلت تردده، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "عليك بالرفق".
وهو- صلى الله عليه وسلم- يحثُّ الأمة بل يفرض عليه الرفق بالحيوان مهما كانت قيمة هذا الكائن الحي كبيرةً أم ضئيلةً، نافعةً أم غير نافعة؛ حيث يقول- صلى الله عليه وسلم- في شأن امرأة حبست هرة "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها؛ فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت"، وحثَّ على الرفق بالحيوان أيضًا فقال" في كل ذي كبد رطبة أجر".
أي رحمة هذه وأي رفق هذا وفي أي بشر يكون؟! وفي أي أمة يكون غير أمة الإسلام ورسول الإسلام أصول تشريعية وفرائض مفروضة واجبة التنفيذ تلزم البشر والبشرية بالرفق بالحيوان وليست جمعيات ترفع شعارات الرفق بالحيوان وحمايته وتنادي بها؟! وفي ذات الوقت أطنان من القمح تُلقَى في المحيطات للأسماك بينما ملايين البشر لا يجدون ما يسد رمقهم في كل أرجاء المعمورة.. أليس هذا تناقضًا صارخًا يلزم أدعياء الرفق بالحيوان في الغرب أن يعيدوا النظر فينشئوا جمعياتٍ للرفق بالإنسان من شبح الجوع والحرمان؟!
بلايين تُصرف لصنع آلات الحرب لقتل الإنسان ليلَ نهار في حروب طاحنة تأتي على الأخضر واليابس- إن كان بقي أخضر أو يابس- ثم يتغنون بالرفق بالحيوان ويتباهون بقتل الإنسان بما صنعوه ويصنعوه من آلات التدمير والإبادة من قنابل عنقودية ويورانيوم مخصَّب وغيره مما أنتجته حضارتهم التدميرية الإبادية!!
----------