(.. والتاريخ يعيد نفسه)، لم تكن هذه الكلمة مجرد خاطرة مرَّت برأس قائلها، أو جملة ساقها للاستدلال بها على موضوع قصيدته، ولكنها قاعدة تاريخية ثابتة، وسنة كونية ربانية، لا يعتريها تبديل أو تغيير، قاعدة أكدها القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وعبْر سياقات مختلفة، وبأساليب متنوعة.
ولذلك نلمح في التعقيب القرآني على كل حادثة من حوادث التاريخ ما يدلنا على أن التكرار سمة لازمة لتعاقب الحضارات، سجَّلتها دواوينُ السابقين ليعتبر بها اللاحقون؛ يقول تعالى: ﴿فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)﴾ (الرعد)، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾ (يوسف) ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ (102)﴾ (يونس) ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (الأحقاف: من الآية 26)، وهكذا نجد الإشارات القرآنية التي توجِّهنا للنظر في الماضي حتى نستطيع معايشة الواقع ورسم المستقبل.
وفي إطلالة سريعة على ذكرى مولد رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، نجد أن السمة المشتركة بين عصر ما قبل النبوة وواقعنا المعاصر، هي سمة (الفرج بعد الكرب) و(النصر بعد الصبر)، و(اليسر بعد العسر)، وإن الناظر إلى حال الناس قبل أن يبزغ نور محمد صلوات الله وسلامه عليه، يجد أن ظلامًا دامسًا قد جعل من الحياة جحيمًا لا يُطاق، وأدواءً لا سبيل لعلاجها، وقيدًا محكمًا، لا فكاك عنه ولا مهرب منه؛ فما حول الجزيرة العربية كان صراعاتٍ وحروبًا، فيها يتوحَّش القويُّ على الضعيف.
ويصف الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه (فقه السيرة) هذه الحالة قائلاً: "كان يتصدَّر العالم إذ ذاك دولتان اثنتان، تتقاسمان العالم المتمدِّن؛ هما: فارس والروم، ويأتي من ورائهما اليونان والهند، أما فارس فقد كانت حقلاً لوساوس دينية فلسفية متصارعة مختلفة، كان فيها الزرادشتية التي اعتنقها ذوو النفوذ والسلطة الحاكمون، وكان من فلسفتها تفضيل زواج الرجل بأمه أو ابنته أو أخته، حتى أن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بابنته!! هذا إلى جانب انحرافات خلقية مشينة مختلفة لا مجال لسردها هنا.
وكان فيها (المزدكية) التي قامت كما يقول الإمام الشهرستاني على فلسفة أخرى هي حلّ النساء وإباحة الأموال، وجَعل الناس شركةً فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ، وقد حظيت هذه الدعوة باستجابة عظيمة لدى أصحاب الرعونات والأهواء وصادفت لديهم قبولاً عظيمًا.
أما الرومان فقد كانت تسيطر عليها الروح الاستعمارية، وكانت منهمكةً في خلاف ديني بينها من جهة وبين نصارى الشام ومصر من جهة أخرى، وكانت تعتمد على قوتها العسكرية وطموحها الاستعماري في مغامرة عجيبة؛ من أجل تطوير المسيحية والتلاعب بها، حسبما توحي بها مطامعها وأهواؤها المستشرية.
ولم تكن هذه الدولة في الوقت نفسه أقل انحلالاً من دولة فارس؛ فقد كانت تسودها حياة التبذُّل والانحطاط والظلم الاقتصادي من جرَّاء كثرة الإتاوات ومضاعفة الضرائب، أما اليونان فقد كانت غارقةً في هوسات من خرافاتها وأساطيرها الكلامية التي مُنِيَت بها دون أن ترقى منها إلى ثمرة أو نتيجة مفيدة".
هذه الصور كلها ملتقطة من خارج الجزيرة العربية، أما الجزيرة العربية فقد كانت بعيدة عن كل هذا، وكانت هادئة هدوءًا نسبيًّا إذا ما قورنت بما حولها من الأمم والشعوب، ومع هذا فقد كان أهلها في حاجة ماسة إلى إخراجهم من وحل الجهالة الذي يغرقون فيه، ورفعهم من ذيل القائمة إلى صدارتها، فهم دائمًا على هامش الذكر، وهم الذين يُنظر إليهم أنهم رعاةُ الغنم وخدَمةُ الشعوب، وقد كان هذا كافيًا لأن يلحق أهل الجزيرة العربية بغيرهم من الشعوب المقهورة البائسة التي تتطلَّع إلى حريتها التي فطر الله الناس عليها.
على هذه الحالة كان يعيش إنسان عصر الجاهلية، ولك أن تتخيَّل كم هو مدى القهر والإحساس بالظلم والذلة والهوان واللا إنسانية، التي كان يرزح تحتها إنسان ذلك العصر، وكم كان يتطلَّع إلى من يأخذ بيده وينقذه من ذلك كله، كم كان يتوق إلى أن يعيش عيشةً كريمةً خاليةً من استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، كم كان يحلم باليوم الذي يأمن فيه على نفسه ويملك فيه قوته وقوت عياله دون خوف من بطش ظالم، وقهر متكبر جبار.
في هذا الوقت فقط أذن الله تعالى بمولد الرحمة المهداة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليعدل الموازين مرةً أخرى، وليوجِّه الدنيا كلها إلى ما ينبغي أن تتوجه إليه، فتحولت أحلام البائسين إلى حقيقة، وانهارت دولة الظلم والطغيان، وتحولت البوصلة العربية من مجرد محاولة الإفاقة من الكبوة إلى صناعة التاريخ وسباق الزمن، ووضع الأجندة العالمية من جديد وفق الأطر التي حدَّدها ربُّ العالمين في كتابه العزيز ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13).
وإذا استعرنا هذه الصورة التي ذكرناها لنقيس بها ما يعيشه إنسان اليوم، لوجدنا أن الحال هو الحال، وأن التاريخ يُعيد نفسه، ووجدنا أننا في عصر لا يختلف معايشوه كثيرًا عمن كانوا في الجاهلية الأولى، وكل ما ذُكر هنالك يُذكر هنا مع اختلاف الشخوص والهيئات.
ولئن كان ما يحدث للمسلمين على كل المستويات، لا يدع لأحد فرصة يضحك فيها ضحكةً صافيةً خالصةً من الكدرات والهموم؛ فإن في ذكرى التاريخ عبرة تحوّل هذا اليأس إلى تفاؤل، وتنهض بهمة المسلم بعد أن أقعدتها حوادث الدهر وأرزاء الزمن.
وفي ظل هذا كله تأتينا ذكرى مولد الحبيب محمد صلوات الله عليه وسلامه لتذكِّرَنا بأن لهذا الكون ربًّا يدبِّر أمره، وأن لهذه الحكاية نهايةً أعدها الله تعالى بنفسه، وأن رحى الأيام تدور وتدور، لكنَّ مستقرَّها بيد من أدارها، وحسبنا من سنن التاريخ وموعود رب العالمين أن الإمامة والإرث والتمكين ما كانت إلا لمن كان سابق عهده ضعفًا، وسالف ذكره هزُوًا ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص).