وتصغر في عين العظيم العظائم
![]() |
|
م. محمود المرسي |
هل رأيت الجبال الشمّ؟ لعلك رأيت.. ولكن هل رأيت الرجال الشمّ؟ هذا ما أثق أنه عملة نادرة في هذا الزمان، لكني رأيتهم وعشت معهم هنا خلف الأسوار؛ في سجن مزرعة طرة، رأيت الشمم بعينه، رأيت كيف يسخَر الرجال من المصائب كما تسخر الريح الشديدة من كرَّة خفيفة وقعت من يد طفل صغير؛ فرغم مرارة السجن وألم الحرمان الذي تعرَّض له ثلاثة وثلاثون رجلاً في قضيتنا هذه الشهور إلا أنهم تجاوزوا ذلك وتركوا الحياة تسير كما لو كانوا يقيمون في فندق فاخر بمدينة ساحرة خلاَّبة!!.
لقد حول هؤلاء الشمّ صالة الزيارة إلى مكان جميل لعقود الزواج؛ فقد شهدت خلال العام المنصرم ثلاث عشرة زيجة لأبناء وبنات هؤلاء العظام؛ فقد زوَّج م. خيرت الشاطر بنتين من بناته، وزوَّج م. مدحت ابنه وابنته، كذلك قد تزوَّجت بنات كلٍّ من: أ. محمود عبد الجواد، أ. حسن زلط، أ. صادق الشرقاوي، د. محمود أبو زيد، أيضًا تزوَّج أبناء كلٍّ من: د. عبد الرحمن سعودي، د. محمد علي بشر، أ. فتحي بغدادي، كما تمَّت خطبة ابنتي د. عصام عبد لمحسن، أ. حسن مالك.
وكلُّ ذلك تمَّ في مشاهد من البهجة أسعدت أهل العروسين، كما أسعدت جميع أفراد القضية وأسرهم.. مشاهد أنست الناس سجنهم، وزادت من شممهم وعلوِّهم فوق الأحداث والبلايا، لقد رأيت الجميع يتسابقون لإدخال البهجة والسرور على أسرتَي العروسين، هذا يُلقى قصيدةً أو ما يتصوَّر أنه قصيدة، وهذا يقول كلمة، وبعض الأطفال ينشدون، وبعضهم يلقي عليهم بعض الفكاهات، والبعض يقدم مشاهد تمثيلية مضحِكة، أما الحلوى والمشروبات فدائمًا مقدَّمة من م: خيرت الشاطر في كلِّ مرة، ويعود الجمع من الزيارة مبتهجين مسرورين.
ومن أعجب ما قيل في إحدى هذه المناسبات كلمة قالها د. خالد الهضيبي بمناسبة خطبة ابنه أ. إبراهيم الهضيبي الآنسة خديجة حسن مالك، قال د. خالد: لقد زرت هنا في طرة المستشار حسن الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين، وزرت والدي المستشار مأمون الهضيبي المرشد السادس للجماعة قبل أن يكون مرشدًا بالطبع، واليوم أزوِّج ابني إبراهيم في نفس المكان.
نعم فليشهد الزمان وليشهد المكان على بذل هذه العائلة المباركة في سبيل دين الله وثباتها، رغم ما تعرَّضت له من كيد وظلم، وليشهدوا على استمرار تواصل حلقات الظلم للأطهار الأبرار الذين يقولون ربي الله ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)﴾ (البروج).
لم يقتصر الأمر على عقود الزواج والخطبة، بل قام هذا الجمع الكريم المبارك بتكريم الفائقين دراسيًّا من الأبناء والبنات في كافة المراحل الدراسية الجامعية والثانوية والتعليم الأساسي وحتى رياض الأطفال، ومن الطرائف أنه قد وافق أحد مرات التكريم نجاح الأخت الفاضلة زوجة المهندس خيرت في دراستها بأحد معاهد الجمعية الشرعية بتقدير ممتاز، فكرَّمها إخوانها مع المكرَّمين من الأبناء والبنات فكان موقفًا لطيفًا.
ذكرت منذ قليل أنه في هذه المشاهد المباركة يحرص الجميع على إسعاد أصحاب المناسبة المحتفى بها، وأن مِن وسائل المشاركات كانت قصائد الشعر يُلقى من قلب المحنة، وكنت من بين هؤلاء أقول كلامًا أحسبه شعرًا، وفي كل مرة يصفق الحاضرون، ويثني إخواني على ما أقول؛ فأحسبني قد أشعرت وولجت باب الشعر من أوسع وأحسن أبوابه، إلا أنه في حفل زواج الأخت مريم ابنة المهندس خيرت شمَّرت عن ساعدي النظم وكتبت ما تصورته قصيدة، وألقيتها على الناس في هذا الحفل العظيم؛ فأعجب الناس بما فيها من معان، فصفَّق الحاضرون جميعًا تصفيقًا حارًًّا شعرت معه بالزهو والفخار، ومما زادني زهوًا أنْ بدأ البعض الحاضرين يطلبون مني نسخة من هذه القصيدة العصماء، وكان من بين هؤلاء رجل فاضل كان في زيارة م. مدحت الحداد، وفاز هو بتلك الورقة التي ألقيت منها قصيدتي، أما الآخرون فوعدتهم أن أنقلها لهم بخطي وأعطي كل واحد منهم نسخة.
وانتظرت بعض الوقت ليردَّ إلى زائر م. مدحت ورقتي فلما لم يفعل أرسلت ولدي عاصم إليهم لإحضارها، فاستمهلوا قليلاً، وبعد مضيِّ وقت آخر ذهبت أنا بنفسي لآخذ الورقة؛ فإذا بالمهندس مدحت يقول لي: "قصيدة إيه يا باشمهندس، بنتي عائشة عمالة تصلح فيها ومش عاوزة تتصلَّح".
وعلمت منه أن الآنسة عائشة طالبة اللغة العربية ودارسة علم العروض بل وتتقنه، كانت تستمع إلى قصيدتي، وكلما قرأت بيتًا تنتابها حالة غريبة، ثم لما انتهيت، حاولت إصلاح ما حطَّمتُه أنا من قواعد علم العروض ولكن الأمر استعصى عليها فقد كان الخلل أعظم من أن يقوَّم، وضحك الجميع وانصرفت، ولم تكن لديَّ الشجاعة لتوضيح الأمر للمعجَبين.
فأعطيت من شاء نسخته، ولكني توقَّفت عن النظْم حتى أتعلمَ قواعد علم العروض ثم أعود للنظم إن شاء الله.
