حكايات من السجون
![]() |
|
م. محمود المرسي |
بين محمد مهني ومحمد حوطر فارق زمني فقط
بدايةً مَن هو محمد مهني؟ إنه شاب في الثلاثين من عمره أحاله النظام الحالي إلى المحكمة العسكرية في القضية رقم 963 لسنة 2006 حصر أمن دولة والتي أحيلت إلى القضاء العسكري برقم 2 لسنة 2007م بتهم كثيرة أهمها الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين.
ومَن هو محمد حوطر؟ إنه رجل لا أعرفه إلا من خلال ديوانه البديع المسمى "الله للإسلام" والذي نظَّم فيه قصائد بلغت الغاية في الجمال والإبداع الشعري من حيث المعنى والمبنى، نظم حوطر في ديوانه هذا مجموعةً من القصائد التي تحكي حكايته مع النظام الناصري الغاشم الذي سام شعبه عامة ومعارضيه، خاصةً أشد ألوان العذاب، حيث حُبس حوطر وعُذِّب في سجونِ الزعيم، ومرت به أحداث تشيب لها الولدان.. وكانت التهمة هي الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين أيضًا.
وقد جمع محمد مهنى ومحمد حوطر- رغم فارق الزمن الكبير بينهما تشابهات كثيرة أحاول بعون الله في هذه السطور إلقاء بعض الضوء عليها.
في قصيدة بعنوان "حرمان" يقول حوطر:
ماذا يهيج خواطري وبياني لا شيء إلا قصة الحرمان
هي رمز حاكم استبدَّ بشعبه وحكومة تخطو خطى هامان
حرموا أخًا والله ليل زفافه من زوجةٍ، يا ضيعة الإنسان
إن المباحث في الظلام تسللت في كل شبر، تحت كل لسان
كالجن تتخذ الفضاء مقاعدَ للسمع، بئس حيلة الشيطان
بالأمس كان ينام ملء جفونه واليوم لم ينعس له جفنان
عيناه شدت بالنجوم فلا يرى فيها سوى الأغلال والقضبان
تبًّا لمَن حرم الحبيب حبيبه في أي وقتٍ أو بأي مكان
هكذا نظم حوطر يصف حال هذا البائس الذي انتزع من بين أحضان زوجه ليلة زفافهما ليعيش حينًا من الدهر خلف الأسوار يُعذَّب بالحرمان من الحرية، كما يُعذَّب بالحرمان من الزوجة والأنس والسكن والسعادة، فضلاً عن ألوان العذاب الجسدي المباشر.
ما أشبه الليلة بالبارحة محمد مهنى ابن الثلاثين قد انتُزع من زوجةٍ يحبها حبًّا جمًّا ولا يفتأ يذكرها بأرقِّ الكلماتِ ويُعبِّر عن حبِّه وتقديره الشديد لها كلما سنحت الفرصة لذلك، ترى مَن يقف بين يدي الله مدافعًا عن حرمان محمد من أنسه بزوجة وعن حرمانها من أُنسها به، ناهيك عن (عُمَرَ) ابنه الذي لم يبلغ من العمر سوى ثلاث سنوات، وهو الذي حُرم من فرحته بأبيه عند عودته كل يومٍ من العمل، وقبل النوم، وعند اليقظة، وحُرم من سعادته بالخروج معه ليشتري له بعض الحلوى ويجول به هنا وهناك.
تبًّا لمن حرم الحبيب حبيبه في أي وقت أو بأي مكان
ويُكمل حوطر حكايته فيقول:
جاء البشير فقال ألف مباركٍ هذا ابنك المولود في (نيسان)
ولدته أم في الشباب ترملت ودموعها في ليلها نهران
شوقًا إليك تحرَّقت أكبادها وعليه تخشى غدرة السلطان
فبكى وبللت الدموع جبينه ومضى يلف (حسام) بالأحضان
في الأذن يهتف بالأذان مبكرًا ومهللاً بالشكر والعرفان
رفع الأذان مدويًا فتصدعت جدران سجن مظلم الأركان
في الحال أنهى الحارسون زيارة لم تشف علة مظلم الظمآن
فبكى وودَّع بالدموع وليده ودعا له بعبادة الرحمن
وكذلك محمد مهنى فقد وُلد ابنه الثاني عبد الله وأبوه في غيابة السجن فلم يكن إلى جوار زوجةٍ يُربت على كتفها ويشد من أزرها، وهي تعاني آلام المخاض، ولم تتفتح أعين الوليد أول ما تتفتح على صورةِ والده، ولم تهنأ الأم بعد الولادة بكلمات الحب والشكر لله على السلامة من زوجها حبيب القلب، بل كانت دموعها هي البديل عن هذه المشاعر الجميلة التي ترجوها كل النساء في تلك اللحظات، فمَن يتحمل وزر هذا بين يدي الله يوم القيامة؟.
ويستمر حوطر في رائعته إذْ يحكي عن الأم وهي تروي لولدها بعد أن شبَّ قليلاً وأراد أن يعرف قصته أبيه فيقول:
اسمع بني فقد أتانا في الدجى فرعون موسى قمة الطغيان
سجن الهدى باسم الهدى فتبرأت منه السماء نصيرة الإخوان
هتك الحمى، لم يرع حرمة منزل لا دين لا قانون في الأوطان
ساق الرغبة بالعصا مستهترًا وكأنه راع على خرفان
فإذا الكباش من الخراف تنمرت شويت على الأسياخ في الأفران
والظلم ظلم واحد من كافر لكنه من مسلم ظلمان
وكأني بأم عمر زوج محمد مهني وهي تحكي لولديها عمر وعبد الله ما حدث لأبيهما فهي تقول لهما نفس الكلمات، وإن لم تكن كلماتها شعرًا، كما فعل محمد حوطر، ولكنها ستقول نفس الكلمات بلغتها وبطريقتها، ولكنها تحمل نفس المعاني، وكأنها تحكى نفس الحكاية.
ويختم محمد حوطر قصيدة (حرمان) بأبيات منها بيت يقول:
يا جيش مصر أفق من الظلم الذي ملأ الورى في السر والإعلان
فيا أم عمر أليست هذه نفس رسالتك التي تبغين توجيهها إلى جيش مصر اليوم؟! جيش مصر الذي أحالوا إلى قضائه زوجك بغير جرم اقترفه في حق الله أو الدين أو الوطن؟.
حقًّا يا أم عمر ما أشبه اليوم بالبارحة ولكن، يا أم عمر ويأكل سيدة غاب حبيبها خلف أسوار السجون سيأتي عما قريب يوم تحطم فيه القيود ويعود كل منا إلى زوجة وهو ينشدها أبيانًا قالها محمد حوطر أيضًا في رائعة أخرى في نفس الديوان بعنوان (أنا في الطريق) يصف حاله وقد أخلى الظالمون سبيله وهو في الطريق إلى البيت فيقول:
في سرعة البرق العجيبة قادم في لهفةِ المحروم من لقياك
من بعد ليلِ عنيت في أحشائه ليل طويل موجع للشاكي
فذكرت يونس واتبعت سبيله وغسلت نفسي من قذى الإشراك
فإذا بصبح باسم يمحو الدجى ويريح عن قدمي أذى الأشواك
وإذا الحياة حديقة معشوقة وأراك فيها زهرتي وملاكي
وإن غدًا لناظره قريب، إنهم يرونه بعيدًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
