جمعتني جلسةٌ طيبةٌ مع زوجات بعض المعتقلين في محافظتي سمَّيناها "جلسة رضا وشكر"؛ كانت بيننا صفةٌ واحدةٌ هي أننا زوجات معتقلين حاليين أو سبق لنا أن مررنا بتجربة اعتقال الزوج.

 

جلسنا نتذكر نِعَم ربنا ونتعرَّف على "اليسرَيْن" اللذَين نعيشهما في عسر اعتقال الأزواج؛ فقد قال الله- تعالى- (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)) (الشرح)، وعن هذه الآية قال نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم-: "ولن يغلب عسرٌ يسرَين" (رواه ابن جرير).

 

كانت النية هي تذكُّر نعم الله الظاهرة والباطنة والمنح الربانية في محنة اعتقال أزواجنا؛ حتى نحب الله- سبحانه- ونرضى بقضائه فينا؛ لعل الله- تعالى- يرضى عنا: "فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط".

 

معتقل سياسي

بدايةً.. حمدنا الله- تعالى- أن جعلنا الله زوجاتٍ لأزواجٍ دعاة يسعون للإصلاح ويسيرون على طريق الحق، وتلك خاطرةٌ جالت بخاطر إحدانا حينما ذهبت لزيارة زوجها فنودي عليها في زوجات السياسيين ولم تكن من زوجات الجنائيين، فالحمد لله رب العالمين.

 

تذكَّرنا نعمة الاطمئنان على أزواجنا؛ فهم في معية الله- سبحانه- ينعمون بالصحبة الصالحة وكأنها فرصةٌ للاعتكاف واستعادة راحة النفس والطمأنينة بالله، لسان حالهم يقول كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية الذي حُبس أيضًا في سبيل الله:  "نحن في سعادةٍ لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف".

 

قالت إحدانا إننا نستشعر معية الله- سبحانه- وأقسمت أنه كان لديها مشكلات استعصت على الحل، ولكنها تيسَّرت بحَوْل الله وقوته وجاء الفرج والحل بعد اعتقال زوجها، وأنها تستشعر لطف الله بها في أي مأزقٍ أو مشكلة تقابلها.

 

لذة المناجاة والدعاء

 الصورة غير متاحة
 

أجمعنا على أننا أحسسنا بلذة القرب من الله ومناجاته سبحانه، وأن دعاءنا أصبح نابعًا من القلب، وهو شعورٌ لا يعرف قيمته إلا من ذاقه، فالحمد لله رب العالمين، ونرجو أن يكون الدعاء مستجابًا؛ فإنها دعوة مظلوم؛ ليس بينها وبين الله حجاب.

 

قالت أم رضوى إنها كانت لا تتصوَّر مجرد تخيُّلٍ اعتقال زوجها، وأنّى لها أن تتحمل التفتيش ثم خروج زوجها مع قوات الأمن؟! ولكن عندما مرَّت بالتجربة أمدَّها الله بقوةٍ عجيبةٍ وصبرٍ؛ بحيث كانت قويةً وثابتةً تذكر الله على مسبحتها؛ تنظر لرجال الأمن بطمأنينة وثبات وسكينة أنزلها الله وحده في قلبها، ففرحت بالله وتثبيته لها.

 

أقوياء بالله

أمَّا أم أسامة فالتقطت الحديث من أختها وقالت إنها كانت تشعر بالقوة، وكانت ترى الضعف والتخاذل في عيون قوات الأمن إذا تحرَّك طفلٌ صغيرٌ وأحدث صوتًا بسيطًا نظروا نحوه في ذعرٍ وخوفٍ، وليس هناك دليلٌ على خوفهم وضعفهم أقوى من أنهم حشدوا كل هذه الأعداد المجهَّزة بالأسلحة والآليات من جنود الأمن لاعتقال شخصٍ واحدٍ فقط.

 

أخوَّةٌ وترابط

جميع الحاضرات أجمعن على أنهن أحسسن بنعمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين؛ فقد شعرن بالحب والأخوة والترابط، وكيف أن الكل يعتبر نفسه في خدمتهم ويبذل أقصى جهده لقضاء مصالحهم، بل إن أبناء المعتقلين زاد إحساسهم بالانتماء والحب لهذه الجماعة المباركة، وهنا أضافت إحداهن أنها لم تكن على صلةٍ قويةٍ بالأخوات، ولكن بعد اعتقال زوجها زارها الكثير منهن، فأحبَّتهن وسوف ترتبط بهن إن شاء الله تعالى.

 

اصطفاء

تذكَّرنا قول الله- تعالى- في سورة آل عمران: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 140) ووقفنا نتدبَّر قوله- تعالى-: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) فإن الله تعالى إذا شاء اصطفى واتخذ من عباده من يرزقهم شرف الشهادة في سبيله، وهذا المعنى هو ما يستشعره إخواننا في غزة، أما نحن في مصر فإن جهادنا من نوعٍ آخر غير جهادهم في غزة، فاصطفى الله البعض من الإخوان وحَبَاه بالاعتقال ليزيده وأهله في الأجر والاحتساب.

 

بركة العمر

تحدَّثت إحدى الأخوات اللاتي سبق اعتقال زوجها عن البركة التي شعرت بها في صحة زوجها وأبنائها بعد اعتقال الزوج، وتذكَّرنا أمثلةً كثيرةً عن بركة العمر التي وهبها الله لمَن طالت مدة اعتقاله، مثل الأستاذ مصطفى مشهور والأستاذ عبد المنعم سليم جبارة اللذين زادت مدة اعتقالهما عن خمسة وعشرين عامًا، رحمهما الله وتقبلهما في الصالحين، والأستاذ علي نويتو بارك الله في عمره وجهاده.

 

وذكرت أختٌ أخرى تؤمِّن على كلام أختها أن بناتها قد يسَّر الله لهنَّ الزواج والذرية بعد اعتقال زوجها، وقالت: "إنني ندمتُ على حزني على اعتقال زوجي بعدما رأيتُ ما ادَّخره الله لنا من لطفٍ وسعةٍ بعد اعتقاله".

 

أنت عظيم يا زوجي العزيز

 الصورة غير متاحة
 

"لقد عرفت قيمة زوجي وقد كنت ألفت وجوده معنا- هكذا أضافت أخت أخرى- بل إن مقامه عندي وفي قلبي زاد والحمد لله، وأصبحت أعتز أني زوجة هذا الرجل العظيم المجاهد الذي اختار هذا الطريق رغم معرفته بأشواكه.. إني أتمنَّى أن يفرِّج الله عن زوجي حتى أقبِّل قدمه قبل يديه؛ تكريمًا له" وضحكت إحدى الحاضرات وقالت: "إن الاعتقال أحسنُ فرصةً لتجديد الروح في الحياة الزوجية".

 

هينة وبسيطة

أما أم أحمد فقاطعتنا جميعًا بقولها: "تتكلمن عن الاعتقالات.. والله إنها لهينةٌ وبسيطةٌ جدًّا بالنسبة لما يقدمنه أخواتنا في غزة، نحن نخجل أن نشتكيَ وأختنا في غزة تقدِّم ما تقدِّمه من تضحيات.. إن اعتقال زوجي وصبري على ذلك يريح ضميري أني أقدِّم تضحيةً بسيطةً بجانب أختي في غزة".

 

حتى لا يضيع وقت اعتقال الأزواج هدرًا!!

أما مسك الختام فكان من أختنا أم عبد الله؛ فقد قالت: "احرصن يا أخواتي ألا يضيع اعتقال أزواجكن هدرًا؛ بمعنى أنه يجب أن يعود الزوج وقد زاد حرص الابن على فرائضه أكثر وأكثر، خاصةً صلاة الفجر، وأن يعود وقد حسَّنت الابنة من حجابها، وارتفعت في تفكيرها واهتماماتها، وتفوَّق الجميع في دراسته وعمله الدعوي في سبيل الله، وزادت علاقتهم بالله- تعالى- قوةً من خلال المواظبة على القيام وتلاوة القرآن.. كوني معينةً لزوجك يا أختاه في نشر فكرته بين أهله وأهلك ومعارفكم، وأعطي لهم مثلاً قويًّا في الثبات.

 

احرصن يا أخواتي على اعتزاز الأبناء بآبائهم وطريقهم، وأن يفخروا بهم بين أصدقائهم، وأن يكونوا خير مثالٍ لأبناء المعتقلين في سبيل الله الذين يريدون إصلاح المجتمع، وبذلك لن يضيعَ الوقت الذي يقضونه خلف الأسوار هدرًا، بل تكون ثمراته أكثر وأعظم من أوقاتٍ كانوا يقضونها معهم بحول الله وقوته سبحانه".