- د. العريان: ما يحدث إلغاء للحياة والتعددية السياسية
- د. المشاط: الحزبيون يسيرون وراء الوهم!!
- د. مجدي قرقر: انتخابات الرئاسة السر الخفي وراء الصفقات
تحقيق- حسن محمود
بمجرد إعلان الحكومة المصرية عن انتخابات المحليات المقرر إجراؤها في الثامن من أبريل القادم هرولت أحزاب المعارضة كعادتها إلى أحضان الحزب الوطني الحاكم مقابل الحصول على بعض المقاعد لهم في هذه الانتخابات، إلا أن مسار عمليات الترشيح أثبتت أن هذه الأحزاب حسبتها خطأ، فهي واصلت انصياعها للحزب الحاكم واستحقت بجدارة لقب الأحزاب الديكورية، كما أنها أثبتت للشارع أنها لا تقدم ولا تؤخر، وأنها خارج حلبة الحياة السياسية في كافة نواحيها وجوانبها، وحتى الأحزاب الكبيرة تعاملت مع المحليات من باب راحة البال والسلامة وما يريده الحزب الحاكم هو الذي يُنفَّذ، ورغم أن مصر بها 23 حزبًا سياسيًّا إلا أن وجودها في الشارع السياسي مثل عدمه، خاصةً في ظل سياسة الاستقطاب التي نفذها معها الحزب الوطني بجدارة، وفي هذا التحقيق يناقش "إخوان أون لاين" هذه القضية وتأثيرها على الحياة السياسية بمصر.
في البداية يؤكد د. عصام العريان القيادي بجماعة الإخوان المسلمين أن ما يحدث لا يُعبِّر عن استقطاب حاد للحزب الوطني فحسب، بل يعني إلغاء الحياة السياسية والتعددية السياسية، والتخلص من الديكور الذي أصرَّ عليه الحزب الحاكم طوال عمره عبر صفقاتٍ مكشوفة.
د. عصام العريان
وقال د. العريان: إن جزاء الأحزاب اتضح مع بدء الأيام الأولى للتقدم للترشيح؛ حيث إنهم لم يفلحوا في شيء، موضحًا أنهم السبب الرئيسي في إفشال وجود جبهة وطنية معارضة قوية وموحدة ضد فساد واستبداد الحزب الحاكم.

وأضاف أنهم لم يحصلوا حتى على الفتات من منافع دنيوية لبعض رجال الأحزاب المتطلعين، مؤكدًا أن أحزاب المعارضة غير قادرة على الالتزام بمنهجٍ سياسي صحيح يصر على النضال ودفع الثمن والتضحية في سبيل الإصلاح والتغيير، ورضت بالواقع حتى أضحت صفر اليدين، فلا هي "طالت بلح الشام ولا عنب اليمن"، فيما نجح الإخوان في كشف النظام وتعريته وإجباره على العودة إلى المربع الأول عبر تخليه عن الديكور السياسي والتعددية.
وأشار العريان إلى أنه كان من المفترض أن تتعلم أحزاب المعارضة منذ آخر انتخابات محلية خاضتها وحصلت فيها على 170 مقعدًا من 55 ألف مقعد، خاصةً أن هذا كشف حجم المأساة التي تعيشها هذه الأحزاب وأنها لا تتعدى في تأثيرها مقراتها.
وطالب د. العريان الأحزاب السياسية في مصر أن تُعيد حساباتها من جديد، وأن يكونوا على استعدادٍ للتضحية في سبيل الإصلاح، مؤكدًا أنه لا يمكن أن يكون هناك أي إصلاحٍ دون دفعٍ للثمن.
وشدد على أن الوقت ليس في صالح أحد، خاصةً مع إصرار الحزب الوطني على السير بسفينة الوطن نحو المجهول المخيف لدرجةٍ وصلت إلى أن الشعب بدأ يقتنع أن الإصلاح أصبح لا أملَ فيه!!.
الرئاسة كلمة السر
ويؤكد د. مجدي قرقر الأمين المساعد لحزب العمل أن الحزب الوطني لم يستقطب الأحزاب فحسب، بل التهمها وسلبها من كل صلاحياتها، وقال إن الأحزاب المصرية وافقت على ذلك؛ لأنها تريد أن تسلك أسهل الطرق، ولا تريد أن تجهد نفسها في بناء عضوية حقيقة واتخاذ مواقف جادة في مواجهة نظامٍ فاسدٍ ومستبد، موضحًا أنها اكتفت ببضع لقيماتٍ يُلقيها الحزب الوطني هنا وهناك كي يحصلوا على بعضِ المقاعد في المجالس المحلية على المستويات المختلفة.
وأضاف أن النظام يفعل ذلك حتى يجهز الأوضاع لمشاركة هذه الأحزاب في اللعبة الهزلية المسماة بانتخاب رئيس الجمهورية في 2010م حتى يكون لهم ممثلون في هذه المجالس تمكنهم من ترشيح أحد قياداتهم.
د. مجدي قرقر
وأكد د. قرقر أن هذه الأحزاب تخسر كثيرًا جدًّا، كونهم يخسرون بهذه الصفقات أحزابهم ويخسرون الشارع تمامًا، مشيرًا إلى أن الحزب الوطني يلعب بهم ويلعب بالوطن، موضحًا أن حزب العمل رفض الخنوع لطلبات الحزب الوطني، وقاد معارك بجوار الإخوان ضد الفساد؛ ولذلك في نفس الوقت الذي يتحمل الإخوان سيناريو صعب من الاعتقال والقمع والمنع وجد بعض مرشحي العمل الذين ترشحوا بأشخاصهم تعنتًا ومنعًا كبيرَيْن.

وأشار د. قرقر إلى أن حزب العمل قاد تحالفًا مهمًّا مع الإخوان في عام 92 أثمر عن حيويةٍ كبيرةٍ للواقع السياسي المصري، وأفرز واقعًا جديدًا آنذاك لن يستطيع أن يجده اليوم مَن هرولوا وراء ائتلافاتٍ هزيلةٍ لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
وحذَّر د. قرقر الحزب الوطني من الاستمرار فيما أسماه "بالوهم" الذي يسطر عليه ويُهيئ له أنه مخلد وسيفعل ما يشاء إلى ما يشاء، مشددًا على أن الدنيا لا تدوم لأحد، وأنه كلما اشتد العنت والظلم والقهر اقترب هذا الشعب من الانفجار.
ودعا د. قرقر الأحزاب إلى الإفاقةِ من الخنوع التي تعيش فيه دون مبرراتٍ حقيقيةٍ تتناسب مع أهدافها التي أعلنتها في أحزابها، والبعد عن السماع لمستشاري السوء الذين يعملون بينهم وبين الحزب الوطني أو ما أسماهم بسعاةِ الخراب والدمار.
مكاسب وهمية
ويرى د. عبد المنعم المشاط رئيس قسم البحوث السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن مصر لا يوجد بها أحزاب سياسية، كما هي الأحزاب في العالم بما فيها الحزب الوطني نفسه؛ حيث إنها تنفصل عن الشعب ومطالبه، مشيرًا إلى أنه لا يستطيع أن يحصر أسماء الـ23 حزبًا الموجودة في مصر رغم أنه أستاذ جامعي يُدرِّس لطلابه المواد السياسية.
واعتبر د. المشاط استقطاب الحزب الحاكم لأحزاب المعارضة الحادث نوعًا من أنواع الوهم الذي يسير خلفه الحزبيون من أجل الحصول على مكاسب وهمية ليس لها أي قيمة على الأرض ولا على الحزب.
وأوضح أن الحزب الوطني من حقِّه أن يستقطب مَن يشاء طالما هناك مَن يريد أن يسعى لما أسماه "العظمة"؛ لأنه من المستحيل أن يقوم بتقوية هذه الأحزاب لتأكله، مشيرًا إلى أن هذه الأحزاب لا تتعدى كونها "خيال مآتة" ولا تخيف الحزب الحاكم في الانتخابات بقدر ما يخاف من الإخوان الذي فشل النظام في استقطابهم أبدًا.
وأكد د. المشاط أن الشعب أمام أحزاب هيكلية ورقية ودكاكينية تمتلك صحفًا، مشددًا على أنه يجب أن تدفع هذه الأحزاب ثمن بعدها عن الشعب وخيانتها لمبادئ العمل العام وعدم وجود تداولٍ سلمي للسلطة بداخلها وإقصائها لشبابها عن لعب دورٍ محوري في قياداتها، فضلاً عن عدم استقطابهم للمثقفين.
عجز الوطني
د. حمدي حسن
ويتفق د. حمدي حسن عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين مع أن هذه الأحزاب ديكورية، مؤكدًا أنها لم تصل بعد إلى مرحلة الأحزاب الورقية.

وقال: "إن الحزب الوطني عاجز عن أن يستقطب نفسه على الأقل حتى يستقطب الأحزاب الأخرى ولكنها المصالح التي تحكم ما يحدث".
وأكد د. حسن أن الأحزاب ارتضت لنفسها أن تقف في موقف الضعيف وامتنعت عن التغيير واتخاذ مواقف حقيقية في قضايا محورية في مصر مثل: الغلاء والحرب الصهيونية المتصاعدة على الفلسطينيين.
وأشار إلى أن الخاسر الوحيد هذه الأحزاب التي بعدت عن الشعب ولجأت للحزب الوطني تتجمل به أمام المجتمع، مؤكدًا أن مصداقية هذه الأحزاب باتت حلمًا بعيد المنال، وأن ثقة الشعب فيهم بات وهمًا من الأوهام.
وتساءل د. حسن: أين حزب التجمع الذي فقد مكانه في اليسار الوطني؟، وأين بقية الأحزاب مما يحدث في الانتخابات وفي الحياة عمومًا؟! مشددًا على أن الحياة إذا استمرت على ذلك فهي أقرب إلى الموت وضد مصلحة الأمة والوطن.
وحمَّل د. حسن الحكومةَ والأحزابَ الانحدارَ الذي تسير فيه مصر، مشيرًا إلى أن كلاهما ينظران تحت أقدامهما، ولا يهتما بمصالح الشعب حتى أضحت الانتخابات المحلية تسير إلى اللا معقول كما تسير البلد على نفس القضبان.
صفقات خاسرة
د. محمد جمال حشمت

وانتقد الدكتور محمد جمال حشمت عضو مجلس الشعب السابق حالة الصمت المطبقة على الأحزاب السياسية تجاه ما يحدث في الانتخابات، مشيرًا إلى أن الإخوان لم يسمعوا منهم عن بيانٍ ينتفض أو اجتماع يعترض على ما يحدث، أو مؤتمر في أي حزب يفضح ما يحدث من انتهاكٍ لحقوق المواطنة وحرمان الشعب من حقوقٍ دستورية وقانونية وإنسانية طبيعية.
وأكد د. حشمت أنه لا يستبعد وجود صفقات بين الحزب الوطني وعددٍ من الأحزاب المصرية، فالوفد سبق أن عقَد صفقاتٍ مع الحزب الوطني؛ ومنها ما حدث في انتخابات دمنهور عام 2003، وفضح ذلك النائب الوفدي محمود الشاذلي وقتها وعدد من القضاة الشرفاء، والحزب الناصري الذي تفتت ونشأت بجواره أحزاب أخرى لها نفس التوجه ونفس الميل والرغبة في الوجود على الساحة السياسية تحت جناح الحزب الوطني، أو حزب التجمع الذي اختار وضع الاسترخاء تحت أقدام الحزب الوطني بإعادة انتخاب رفعت السعيد؛ حيث تفهَّم الجميع أن الوقت غير مناسب لأي معارض لاتجاه السعيد الذي يحقِّق لكلا الحزبين أهدافهما.
وأشار د. حشمت إلى تعجبه من بعض الأحزاب التي يعلم صدقها وأمانتها مثل حزب الكرامة تحت التأسيس الذي أعلن خوضه الانتخابات ضمن حزمة الأحزاب الناصرية والقوى اليسارية وحزب الجبهة الديمقراطية الليبرالي، مؤكدًا أنه غير مصدق لصمتهم وغيابهم الإعلامي عما يحدث من تجاوزات أخلاقية وقيمية في حق الإخوان ومرشحيهم.
وشدد أن الأمر مريبٌ ويحتاج لفهَّامةٍ، ربما يحسمها خداع الحزب الوطني الذي قطع الماء والكهرباء والهواء عن الحياة السياسية في مصر لكل هؤلاء الصامتين على هذا الإجرام؛ تحقيقًا لمقولة "أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض".
الغالب مستمر
ويضيف خليل العناني الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن هذه الأحزاب لا تتعدى النوادي في تنظيمها، قائلاً: إن النظام يمارس عليهم لعبة طفولية قديمة هي "الغالب مستمر" فهو لا يسمح لأحد من الأحزاب بأن يكبر أو يموت، بل ويعتبر ضعف الأحزاب مشكلةً كبيرةً له حتى لا يبقى وحده في مواجهة الإخوان.
وأكد العناني أن المناخ لا يؤهل الحزب الوطني لاستقطاب هذه الأحزاب، مشيرًا إلى أن الشواهد تؤكد أن الأحزاب هي التي تهرول إليه؛ خوفًا من منعه جميع فصائل المعارضة من حصد أي مقاعد ولو حتى شرفية.
وأشار العناني إلى أن مصر تعاني من التصحر السياسي وعدم وجود تعددية سياسية حقيقية، مما يؤكد الحاجة إلى اختراع نظام سياسي جديد لمصر كي لا تشهد الانتخابات ما تشهده اليوم.