اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يختبر ويمتحن عباده، يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ (البقرة: من الآية 155)، ولو نظرنا إلى سِيَر السابقين وإلى تاريخ الرسل؛ لوجدنا أنه ما من رسولٍ إلا وتعرَّض للإيذاء المعنوي والبدني بأنواعٍ شتى من الاضطهاد، وهذه سنَّة الله في خلقه؛ المرسلين منهم والأتباع، يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 214).

 

اقتضت حكمته تبارك وتعالى أن يلحق بالجماعة المؤمنة ابتلاءاتٍ وامتحاناتٍ لتمحيص تلك الفئة، وتأكيد وتوطيد عرى العقيدة في القلوب والأفئدة، لمَ لا والثمن هو الجنة؟! لم لا والثمن غالٍ يقتضي من المسلم التحلِّي بالصبر والثبات في زمن نَدُرَ فيه الصبر وضَعُفَ فيه الثبات؟!.. إنه زمنٌ القابض فيه على دينه كالقابض على جمرةٍ من نار؛ يعيش فيه المسلم غريبًا بين أهله وفي وطنه مضطهدًا، يتلقَّى التُّهَم تلو التُّهَم بلا جريرةٍ أو ذنبٍ اقتُرف، وإنما هي اتهاماتٌ باطلةٌ؛ فمن تهمِ الانتماء إلى جماعة محظورة كما يزعمون، إلى تآمرٍ على نظام حكمٍ في سيل من الافتراءات.

 

فما يتعرَّض له الإخوان، من محاكماتٍ عسكرية واعتقالات تمتد لتشمل الشباب والشيوخ في كثيرٍ من المحافظات والقرى والنجوع بلا ذنب، أو جريمةٍ تُذكر، أو حتى اتهام.. سوى افتراءات ما أنزل الله بها من سلطانٍ، ولا يقوم عليها دليل أو حجة، وإنما هي محاكماتٌ الهدفُ منها طمسُ الحقيقة وغمط الحق، فما يحدث ليس الهدف منه الأشخاص بأعينهم، وإنما الهدف هو محاربة الفكر ومحاكمته، ومحاربة السلوك والمظهر المتحلي بالإسلام، فالمراد هو ما تمثِّله تلك الجماعة من قيمٍ ومبادئ إسلامية، فليس المراد شخصًا بعينه أو مجموعة بذاتها، وإنما المراد هو ما تُمثله تلك الجماعة من فكرٍ يربط الدنيا بالدين، فكرٍ ينادي بأنه لا حلَّ ولا حلول لمشكلاتِ المجتمع المستعصية إلا بالرجوعِ إلى الإسلام؛ انطلاقًا وتنفيذًا وانصياعًا لتعاليم ربانية المصدر لا بشرية المنبع: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (الجاثية: من الآية 18)، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: من الآية 5).

 

إنَّ ما يحدث من محاكماتٍ عسكرية يتعرَّض لها عددٌ ليس بالقليل من الجماعة بتهمٍ لا دليل عليها؛ فهذا ليس أول ولا آخر محاكمة أو اعتقال؛ فدأْب الأنظمة المتعاقبة دائمًا هو مطاردة الجماعة بأفرادها بلا دليل أو حجة أو اتهام؛ بهدف عزل الجماعة عن المجتمع، وانتقامًا من إنجازات حُقِّقت وتتحقَّق على أرض الواقع؛ فرغم المضايقات والاعتقالات وغيرها من الوسائل إلا أن هذا الفكر المعتدل الذي تمثله الجماعة وتنتهجه لا يزال يلقَى ترحيبًا واهتمامًا وقبولاً من الناس، وما يحدث ليس إلا انعكاسات لهذا النجاح الذي تحقَّق ويتحقِّق يومًا بعد يوم.

 

الصبر والثبات بين الماضي والحاضر

بين الماضي بأحداثه والحاضر بوقائعه خيطٌ ممتدٌّ؛ فتاريخ هذه الأمة العظيمة مليء بالأحداث والوقائع، ومُفعَم بصورٍ من الثبات والتضحية؛ فسجلاَّت أبناء الأمة وسِيَرهم وتاريخهم مليء بأمثلةٍ من التضحية والثبات، فلنستحضر ماضيَنا، ونستجلب بعض وقائعه وأحداثه التي تُعيننا على واقعنا الأليم وما يجري، ونستشرف بها مستقبلنا؛ فإن كان ماضي أبناء هذه الأمة مليئًا بالتضحيات فحاضرها لا بد أن يكون كذلك، لا سيما أن الأهداف متماثلة والغاية واحدة وإن بُعد الزمان واختلف المكان؛ فالهدف واحد وهو إصلاح الدنيا بالدين.

 

وفي هذه الظروف الراهنة التي أُعلن فيه العداء للإسلام بشتى الصور؛ حروب معنوية واقتصادية وعسكرية وإعلامية؛ بهدف بثِّ رُوح الانهزامِ والاستكانة في هذه الأمة، وفي خضمِّ هذه الأحداث الجارية من محاكماتٍ عسكرية واعتقالاتٍ يجب أن نستلهم تلك الأحداث ونستحضرها.

 

فنتذكَّر ما حدث للأولين من الصحابة الكرام، وما تعرَّضوا له في سبيل الدعوة؛ فطريق الدعوة شاقٌّ يقتضي تضحيات وتضحيات، ويتطلَّب ثباتًا وعزيمةً لا تفتر، وصبرًا وإيمانًا قويًّا صلدًا لا يَفتُّ في ساعده اعتقال أو محاكمة، عسكرية كانت أو مدنية؛ فكل ذلك يهون في سبيل حراسة العقيدة والدفاع عن ثوابت الأمة في زمنٍ اهتزَّت فيه الثوابت، وتكالبت علينا الأمم، حتى أصبحنا في خندق الدفاع دائمًا ليس مع أعداءِ الدين من الخارج، وإنما مع أهلنا في الداخل مع مَن ينتمون لهذا الدين وينتسبون له.

 

ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل والقدوة؛ فقد ضحَّوا بالكثيرِ من أجل هذا الدين، ولهم الفضل أن مَنَّ الله علينا بنعمةِ هذا الدين، فقد تعرَّض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لشتى أنواع الاضطهاد وشتى أنواع التعذيب؛ من سمية، إلى عمار، ثم خبيب؛ الذي ضرب لنا مثلاً في كيف يكون الصبر، وكيف يكون الثبات على المبدأ مهما عظم الثمن حتى لو كان الحياة؛ ففي شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة المباركة قدم وفدٌ من عضل وقارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مظهرين الإسلام، يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرسل معهم مَن يعلِّمهم الدين، وقد استجاب صلى الله عليه وسلم لهم فأرسل معهم عشرةً من خيرةِ الصحابة؛ أَمَّر عليهم عاصم بن ثابت، فلمَّا كانوا بموضعٍ يُقال له "الرجيع" أعلن أهل الغدر والخديعة من عضل وقارة عن ضغائنِ نفوسهم، فاستصرخوا عليهم قومًا من هذيل، حتى تبعوهم فيما يقرب من مائة رامٍ يريدون الفتك بهم، فلما لحقوا بهم قالوا لهم: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، فماذا كان ردّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

 

أما عاصم فأبى أن يرضخ لهم، وقاتلهم حتى قُتل هو ومَن معه إلا خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر.

 

ثم عرض أهل الغدر العهد والأمان مرةً أخرى على خبيب وصحبيه، فقبلوا، ولكن كدأب أهل الغدر في كل مكانٍ وزمانٍ غدروا بهم؛ إذْ اقتادوهم إلى مكةَ لبيعهم لأهل مكة للتشفِّي منهم، لا سيما أن خبيبًا وزيدًا قد شاركا في غزوة بدر وقتلا من أهل مكة بعض ساداتها (ابن هشام2/179 حتى 179- زاد المعاد لابن القيم 2/109- صحيح البخاري 2/568 بتصرف).
نعم.. إنه الثبات والصبر مهما كان الثمن، رفض عاصم رضي الله عنه أن يرضخ لأهل الغدر وقاتلهم حتى قُتل.

 

خبيب.. مثَل للثبات والتضحية

كان خبيب رضي الله عنه قد شارك في غزوة بدر، فقَتَل والد عقبة بن الحارث، فلمَّا بيع بمكة أخذه عقبة فحبسه حتى يصلبه، فلما حانت لحظة التنفيذ طلب خبيب رضي الله عنه أن يدَعُوه يصلي ركعتين، فاستجابوا لطلبه، فلمَّا انتهى من صلاته قال لهم: "والله لولا أن تقولوا إنَّ ما بي جزع لزدتُ"، ثم دعا عليهم قائلاً: "اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبقِ منهم أحدًا"، ثم قال: 

وقد خيرت الكفر والموت دونه                فقد ذرفت عيناي من غير مدمع

ولستُ أبالي حين أقتلُ مسلمًا                  على أي شقٍ كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ                   يبارك على أوصال شلو ممزَّع

 

فقال له أبو سفيان: أيسرُّك أن محمدًا عندنا نضرب عنقه وأنك في أهلك؟، فقال: "لا والله.. ما يسرني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي فيه تُصيبه شوكة تؤذيه" (الرحيق المختوم بتصرف 274).

 

يا له من صبر وثبات ينبع عن عقيدة راسخة وإيمان صادق..!! ها هو يُخيَّر بين الكفر لينجوَ أو الموت، فكان خياره الموت، بل الصَّلب.. إنه موقف عصيب، وابتلاء رهيب، واختبار عظيم، وصبر وثبات وتضحية أعظم من أجْل مبادئ سامية وقيم نبيلة عظيمة، ودين نقي يرتقي بالبشرية من حضيض المادية إلى رقيِّ الأخلاق وسموِّها، والنبل والعطاء.

 

لم يجزع خبيب ولم يرضخ، بل كان توَّاقًا للقاء ربه؛ فلا جزع ولا خوف، ولا رهبة من موتٍ أو صَلْبٍ؛ فالثمن نفيس وغالٍ.

 

ما العمل؟!

وفي غمرة تلك المحن والنوازل يجب ألا تتزلزل الثوابت في النفوس، بل تشتدُّ وتقوى، ولا يجب أن يتقلقل الإيمان في القلوب، بل يزداد حتى يمتلك حنايا القلوب، فلا يتراجع أحد أو يركن أو يضعف أمام تلك المحاكمات أو الاعتقالات؛ فلا انهزام ولا رضوخ، بل يظل الجميع في مواقع حراسة الفكرة والمبدأ، ولنستحضر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7)، وقوله تعالى:﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (إبراهيم: من الآية 27).

 

نعم.. إنه طريق شاقٌّ يتطلَّب الصبر والثبات والتضحيات، وهذا الصبر والثبات ليس بغريب عن تلك الجماعة بتاريخها المليء بالتضحيات على مرِّ العصور والعهود من أجل قيَم الإسلام.
فلنكن كخبيب وثابت وعمار وبلال وغيرهم من الصحابة الأطهار؛ الذين ضحَّوا من أجل أن يصل إلينا الإسلام بقيَمه العظيمة؛ فلنكن كسمية التي ثبتت على عقيدتها حتى قُتلت صبرًا، ولنعلم ولنتذكر وعد الله تعالى للجماعة المؤمنة بالتمكين في الأرض والاستخلاف؛ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (النور: من الآية 55)، ولنتيقَّن أنه إن كان ليل الظلم قد طال فإن فجر العدل قادم لا محالةَ، فلا ركون ولا استكانة، ولا اهتزازَ ولا تردُّدَ ولا انهزامَ، بل ثبات وصبر وتضحيات وفداء ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)﴾ (آل عمران).

 

فلتظل الثوابت راسخةً في النفوس، والعقيدة والإيمان مستحكمًا في القلوب، ولنستحضر قوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ (آل عمران)، وقوله تعالى ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7).

---------

* Bakr15@hotmail.com