د. ضياء فرحات

من مساوئ التعليم في مصر أنه يخلو من نظامٍ يستطيع به الطالب التعرُّف على مواهبه وميوله، كما أن المدرسين لا يدَرَّبون على اكتشاف ميول الطلاب وتوجيههم إليها.

 

والدكتور ضياء فرحات هو أكبر دليل على ذلك؛ فرغم أنه طبيب بشري إلا أنه عمل بالتجارة وبرع فيها؛ لأن مواهبه وإمكانياته كتاجر ليس لها حدود.

 

وقد اجتهد د. ضياء لدخول كلية الطب، وقد كان دخولها على عهده صعبَ المنال، ولكن بعد تخرُّجه مباشرةً توفِّي والده، فاضطر أن يرعى تجارة والده، وكان عبارةً عن محلٍّ للبقالة والخردوات في مدينة بلقاس، ولكن للموهبة التي حباه الله بها؛ طوَّر هذه التجارة وتخصَّص في تجارة الأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية، وفتح الله عليه حتى صار مضرب الأمثال بين التجَّار في نجاحه في مجال التجارة؛ فقد صار المحل الصغير شركةً كبيرةً.

 

وإلى جانب موهبته التجارية التي كانت ضمن أسباب نجاحه، كانت صلته لرَحِمه عاملاً مهمًّا أيضًا؛ فإن د. ضياء من يعامله يعلم مدى حبه لرَحِمه وصلته لهم، وقد رأيت فيه مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "من أراد أن ينسأ له في أجله ويوسع عليه في رزقه فليصل رحمه"؛ ولذلك تجد أخواته- وعددهن ست أخوات، فضلاً عن خالاته- يتسابقن لزيارته بالسجن، ويحملن ما يجب أن يأكله من أيديهن، وكأنهن يتسابقن لإرضائه.

 

ورغم أن التجارة في مصر يَحار في قواعدها العقلاء، وتستغرق وقتًا كبيرًا من القائمين عليها، إلا أن د. ضياء لم يهمل بيته، فأحسن تربية أولاده الذكور والإناث، ويتابع دراستهم ويتبنَّى مواهبهم، حتى إن أحد أبنائه، وهو أحمد ضياء، أصبح نجم الحبسة كلها، ويلقَّب بـ"أحمد عبقرينو"، وهو متعدِّد المواهب؛ من تأليفٍ وتمثيلٍ وثقافةٍ واطِّلاعٍ، رغم أنه لم يتعدَّ الثالثة عشرة من عمر.

 

ويؤمن د. ضياء بأن القلوب لها مفاتيح، ومن مفاتيح القلوب الهدية؛ ولذلك فهو حريص دائمًا على أن يتودَّد لمن حوله بالكلام الطيب تارةً، وبالهدية تارةً أخرى، وهو في كلامه يتأسَّى برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ حيث يقول: "البرُّ شيء هين.. وجهٌ طليق، وكلام ليِّن".

 

والدكتور ضياء كما يقولون عنه جنرال في ثوب تاجر، كما أنه يجتهد في التفكير لأخذ القرار، ويسعى دائمًا إلى تثقيف نفسه واستكمال معلوماته التي تهيِّئه لاتخاذ القرار الصحيح.

 

كما أنه يهوى الإتقان؛ فهو يجتهد أن يُتقن أيَّ عمل يقوم به، وأن يتميَّز فيه؛ فنجده إذا تدارس أو درس كتابًا يبذل فيه قصارى جهده، فإذا كُلِّف بخدمة إخوانه لم يألُ في ذلك جهدًا.

 

وللدكتور ضياء أخ واحد هو م. علاء فرحات، تجدهما طبعًا واحدًا أو- كما يقولون- روحًا وانقسمت في جسدَين، وأهم ما يميزهما أن كلاًّ منهما يحمل همَّ الآخر، ويفكِّر في حال أخيه قبل أن يفكر في نفسه.

 

إن د. ضياء اجتهد في تجارته، ومارس التجارة بدلاً من الطبِّ وهو في مقتبل عمره اضطرارًا، ولكن لأنه يحب الإتقان، ولأن له مواهب تجاريةً، ولأنه يصل رحمه؛ فتح الله عليه ووسَّع عليه رزقه، ولكن جاءت أيدي الظالمين لتخطفه من وسط رَحِمه وتحرم منه أهله وتعوق نجاحه في تجارته، فمن يتحمَّل هذا الوزر أمام الله؟!

إن آلام أبنائه وصرخات أخواته ستكون عذابًا على الظالمين في الدنيا والآخرة.