أخي الحبيب إسماعيل هنية..

في صفاء صلاة الفجر كان قنوت الشيخ سعد إمام المسجد يفتح أبواب القلوب التي اعتصرها الألم وملأها الحزن على دماء الشهداء في غزة، وتساءلت: أين صواريخ القسام؟! أين حربة حماس التي كثيرًا ما رمت بها يهود فأثلجت صدور قومٍ مؤمنين؟!

 

اعذرني أخي إسماعيل، ربما نفذت من بين أيديكم الأموال، ربما حُبست عنكم الصواريخ، ربما لمصلحةٍ أكبر تقومون بتهدئة الأجواء؛ حقنًا للمزيد من الدماء.. أيًّا كان سبب تأخُّر ردكم فقلوبنا لا يشفيها إلا نصر الله لحماس على يهود بني أمريكا.

 

اعذرني أيضًا أخي إسماعيل؛ فأولادك في طرقات غزة تتمزَّق أشلاؤهم إربًا، وتسيل دماؤهم في الشوارع نهرًا، وأولادي في الغرفةِ المجاورةِ نائمون آمنون.. أولادك يدكُّ عظامهم بردٌ قارص وأولادي اشتريت لهم المزيد من الأغطية لمزيدٍ من الدفء.. أولادك يتعرَّضون للموت من كل صوبٍ في طريقهم إلى المدرسة، وأولادي تقلهم سيارة مكيَّفة الهواء إلى باب المدرسة.. أولادك يُوارى نفرٌ منهم كل يوم في التراب وأولادي أحياء لياليَ وأيامًا آمنين.. أولادك يجوعون أكثر مما يشبعون، وأولادي يشبعون ولا يجوعون.

 

كم هي صعبة على نفسي هذه المقارنات!! كم تمنيتُ لو أننا في خندقٍ واحدٍ أيًّا كان عمقه، وأيًّا كانت مخاطره؛ فالحياة في قلب الإخوان رحمة ونعمة.

 

لن أقدم لك موعظةً أن اصبر واحتسب ذلك في ميزان حسناتك؛ فأنت وأولادك تُقدمون لنا الموعظةَ كل ساعةٍ وكل يومٍ من فوق منبر الجهاد، بل إننا كانت تشخص عيوننا لكَ وأنت فوق منبر الجمعة تحدِّث الشعب في الدين والسياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، فتبهرنا بخليطٍ من البلاغة والثقة والذكاء والتواضع والحنكة، فنتمنَّى ألا تنزل من على المنبر حتى نستزيد من هذا النور.

 

اعذرني أخي إسماعيل؛ فلم أقدم لك بالمقابل شيئًا سوى مبلغٍ أُخصِّصه من راتبي كل شهرٍ لفلسطين الحبيبة، وأردِّد "آمين" خلف الإمام في قنوتِ الفجر، وموعظةٍ لأبنائي من حينٍ لآخر عن أرضنا ومسرى نبينا- صلى الله عليه وسلم- وقبلتنا الأولى، ومن حينٍ لآخر تقشُّفٍ في وجبةِ طعامٍ؛ تضامنًا مع إخواني في فلسطين.

 

أحسست بضآلةٍ إلى جوار الرضيع الذي ربطوا رأسه قبل دفنه وكأنها علامة الفخر، عنوان الشهادة، راية أهل الجنة، أحسست بالعجز والنار تشتعل في صدري من غطرسة يهود بني أمريكا، أحسستُ بالخيبة والندامة وأنا لا أرى ساكنًا يتحرَّك لوقف هذه المجازر الهستيرية، وطابت نفسي لما وردتنا أخبار صواريخ القسام تعاود زيارة أرضنا المغتصَبة فتسقط على رأس يهود بني أمريكا فتخلع قلوبهم من صدورهم الخربة.

 

عمر بن الخطاب كانت تراوده الهواجس خوفًا من تعثُّر بغلةٍ في أرض العراق، ماذا عساه يجيب عندما يسأله ربه لِمَ لَمْ تُمهِّد لها الطريق يا عمر؟ فماذا لو كان ابن الخطاب حيًّا الآن وتجاوز الأمر مرحلةَ تعثُّر بغلةٍ إلى تعثُّر طفلٍ أو شيخ؟! ثم ماذا لو تعدَّى الأمر أبعد من ذلك فكان تعثُّر الطفل ليس من وعورةِ الطريق وإنما من قذيفةٍ يهوديةٍ أمريكيةٍ سقطت على فراشه وهو نائم، فحوَّلت جسده الضعيف إلى أشلاء تتناثر في كل مكان؟!.

 

يا قومنا.. إن لم يكن فيكم عمر، فما أكثر ما تتعثَّر البغلة!!، وإن كانت البغلة أعزَّ على عمر منَّا عليكم، فلنترحم جميعًا على عمر، ونعتذر لإسماعيل، ونحسد البغلة.

-------------

* afnan6@hotmil.com