![]() |
|
م. وائل عقيلان |
كم هو رائع أن يرتقيَ الإنسان بتقربه إلى إله الكون وخالقه!! كم رائع أن تعلوَ الهمة بالثقة بنصر المولى عزَّ وجل!! وكم هو رائع ألا يستعين العبد بغير عزة مولاه الخالق الباري!!.
إنَّ ما يجري لغزة هو تربية لها على الصعاب, وتنقية لها من شوائبِ الدنيا.. ما يجري في غزة هو زرع لبذور النصر في رحم الصبر, ما تراب غزة إلا لوحة من روائع الفداء والتشبث بحبل التضحية للوصول إلى بَرِّ الوطن والحرية.. للوصول إلى واحةِ الإيمان والطمأنينة.. للوصول إلى قواعدِ المسجد الأقصى آمنةً مطمئنةً دون أنفاقٍ تنخر فيها كنَملٍ أبيض ينخر في لحاء أطيب الشجر.
ما يجري في غزة هو ناقوس يُدَق في عقولنا قبل قلوبنا أن أفيقوا يرحمكم الله.. ناقوس يُدق يسألنا ألا نقيم الحجة لله علينا بتخاذلنا ولهونا, يسألنا أن كفوا أيديكم عن جهادنا ولا تنفضوها كمَن ينفض يديه من ماءٍ آسن, يسألنا أن أخلصوا في انتمائكم لهذا الدين الذي بُعث رحمةً للعالمين، وأول العالمين هم أهل هذا الدين, وهم الأقربون الأولى بكل رحمةٍ منكم.
غزة.. ذلك الطفل الحاني الذي ما غضب يومًا من أهله، وما كان يومًا ابنًا عاقًّا, غزة التي ضحت وتضحي براحتها لأجل راحتكم, غزة التي تنام على رعد البارود وأنغام الجراح كي ينعم أهلها بهدوء الأمن والطمأنينة, غزة التي تربَّت على طاعة الله ومشاكسة عدوها, غزة التي تبيت في العراء تحمي أغنامكم من أنياب الذئب المتربِّص بها, غزة التي تحمل في ثناياها فلذة كبد هذه الأمة.
غزة التي ما مرَّ يوم ألا وتعلمنا فيه درسًا من دروس العزة والكرامة, وكأنَّ غزة أصبحت حكيم الأمة وناسكها, غزة التي خرجت تعلِّق الجرس في رقبة العدو كي تأمن الأمة غدره, غزة التي زرعت نفسها شوكةً في حلق العدو كي يستعصيَ عليه ابتلاع باقي الأرض الإسلامية.
غزة.. آن لها أن ترى ثمرة صبرها من أهلها الذين ما فقدت يومًا الأمل في دفء حضنهم, آن لها أن ترى أهلها يضمِّدون جراحها, آن لغزة أن ترى أهلها في ساحةِ الوغى معها يشدون أزرها, آن لها أن تجد مَن يُساندها بعدما أثخن العدو فيها وأثخنت فيه.
غزة تُناديكم، تستصرخ فيكم نخوة العرب الفرسان, تستنهض فيكم صهيل جيادكم الأصيلة, تُناجيكم ألا تتركوا صهوة العزة, تستحلفكم أن دقوا بحوافر خيلكم الأرض كي تشربوا ماءً طهورًا, تستحلفكم ألا تسيروا إلا تحت رايتكم، وألا ترفعوا لواء غيركم.
ألا تستحق غزة منكم حبة الدواء؟! ألا تستحق غزة منكم كلمة حق تدفعون بها عن عرضها؟! ألا تستحق غزة أن تفكوا قيد يديها كي تداوي آلامها؟! ألا تستحق غزة منكم أن تذكروها بخير وأنتم تتسامرون؟! ألا تستحق غزة منكم أن تتركوا قلوبكم تلتقط أصوات أنينها؟!
كثيرٌ ما قدمته غزة لكم ولا زالت تُقدمه, غزة وإن تخليتم عنها فلن تركع ولن تترك للعدو فرصةً ليخلوَ بنفسه مفكرًّا في مقدراتِ الأمة, غزة وإن حُرمت من أهلها حقَّ الحياة الآمنة فلن تَحرِمَ أهلها من ذلك الحق.
يا أيتها الأمة النائمة.. إن أفقتِ من سباتك أو ظل النعاس يداعب جفونكِ فلن تنام غزة, ولن تترك للخور أن يتسلَّل إلى حنايا عزيمتها؛ فلقد أقسمت غزة ألا تترك لك يا أمتي فرصةً لأن تقولي "يا حسرتاه.. لقد أُكِلتُ يوم أُكِلَت غزة".
