ليس من الغريب أن يخرج العدو الغاصب النازي، المحتل لأرضك ووطنك ومقدسات أمتك، ويتذرَّع لعدوانه واحتلاله ويضع الأسباب الكاذبة والمبرّرات الزائفة؛ فهو محتلٌّ كاذبٌ، يقتل ويدمِّر، ويقضي على الأخضر واليابس، وينتهك الحرمات والمقدَّسات، ويخالف الشرائع السماوية وجميع القوانين الدولية بلا استثناء، ويضرب بالاتفاقيات جميعها عُرضَ الحائط، مستهزئًا بما يسمَّى "العالم الدولي"، وغير مبالٍ بأي احترام لتلك المعاهدات والاتفاقيات التي لم يراعِ أيًّا من بنودها.

 

لكن الغريب والعجب العجيب وما يجعل الولدان يشيب، هو أن يخرج علينا السيد الرئيس، الذي من المفترض أنه يُعرِّف نفسه بأنه الرئيس الشرعي للشعب الفلسطيني، لا "الإسرائيلي"، ويقول ويصرح- وسط قصف شعبه وقتل المدنيين والأطفال بطائرات الـ"إف 16"، والقذائف الحارقة ووسط مجازر دامية مهلكة- بأن على حماس أن تُوقف إطلاق الصواريخ من غزة؛ حتى يقف العدوان، وتكفّ طائرات العدوِّ عن قصف الأطفال والمدنيين!.

 

هذا التصريح قد لا نتعجَّب عندما يخرج على لسان المتحدث باسم العصابات الصهيونية أو أحد المجرمين في هذا الكيان الساقط، لكنه من المستغرب ومن المهزلة الكبرى كذلك أنه خرج على لسان سيادة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وكأنه متحدثٌ باسم هذا الجيش الحقير أو ممثلٌ له وناطقٌ باسمه، يلتمس له الأعذار، ويختلق له الحجج.

 

ناهيك عن مزاعمه بأن القاعدة في غزة، وأن حماس هي التي أدخلتها، وتوفِّر لها أسباب الوجود؛ مما يوفر أيضًا للقوى المتغطرسة في المنطقة أن تجعل من غزة أفغانستان أخرى.. كل هذا الكلام لا يُتصوَّر أن يخرج من رئيس ضد أبناء شعبه، ولا يرقى لأن يكون خطابًا لرئيس شعبٍ محاصر.

 

وعلى التوَِّ بعد أن أدلى السيد عباس، الذي يذيق المجاهدين والمقاومين في الضفة الأمرَّين؛ بتصريحاته.. تصاعدت عمليات القصف الصهيوني البربرية الجبانة ضد المدنيين والنساء وهدم بيوتهم عليهم وضد كل شيء يتحرَّك على هذه الأرض، ويبدو أن الشعب الفلسطيني كله الموجود في غزة، المحاصر والذي لا يجد ماءً ولا دواءً، أصبح كله عن بكرة أبيه ينتمي إلى تنظيم القاعدة، وأصبح الشعب كله يطلق الصواريخ التي تهدد الأمن القومي الصهيوني، والتي كانت منذ أسابيع ماضيةً تهدد الأمن القومي المصري، وكأن الفصائل الفلسطينية المقاوِمة التي تناضل وتجاهد بالسلاح الخفيف، أصبحت تمتلك أساطيل مدجَّجة بأعتى الأسلحة المحرمة دوليًّا، التي استخدمها هذا المحتل الصهيوني الهمجي ضد الأطفال والنساء في غزة، وكالتي يستخدمها المحتل الأمريكي في العراق، حتى بدا أيضًا أن الطفل الرضيع ابن الخمسة أشهر الذي رُزق به أبواه بعد خمس سنوات من الصبر والانتظار يُطلق صواريخ ضد المغتصبات الصهيونية!!.

 

ولم يختلف الحال أيضًا بالنسبة لهذه الطفلة الصغيرة التي لم تتجاوز العام "ملاك الكفارنة" وكذلك طفلة أخرى عمرها عامان، وكذلك جميع الأطفال الذين هم ثُلثا ضحايا هذا القصف المروِّع، حتى وصل عدد الشهداء الذين قضوا خلال عملية القصف التي ما زالت مستمرةً إلى ما يزيد على السبعين خلال العمليات المستمرة منذ ثلاثة أيام (ستة وأربعون منهم خلال يوم واحد!!).

 

ثم يخرج علينا بعد كل هذا العدد المهول من الشهداء، والذي يجسِّد كميةَ الحقد الصهيوني، أحدُ أولئك الذين يبرِّرون لهذا العدو جرائمه، والذين يتناوبون معه التصريحات التي تصبُّ في مصلحته ضد الشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى، فيُحمِّل حماس المسئولية عما يحدث للشعب الفلسطيني في غزة بدلاً من أن يندِّد ولو على الأقل بجرائم هذا الكيان المسخ فضلاً عن وقف التفاوض.

 

إن قدر الشعب الفلسطيني أن رزقه الله تعالى باحتلال غاشم لا يراعي حرمات ولا مقدسات ورزقه أيضًا بسلطة طاغية باغية، لا تختلف عن هذا المحتل إلا في الثياب فقط؛ إذ إن القلب على شاكلة واحدة والأهداف في مضمونها متساوقة متماشية.

 

إن أهداف هذه السلطة الفلسطينية التي يرأسها أبو مازن إنما تتساوق مع أهداف هذا الاحتلال، وهو القضاء على المقاومة، وإخماد صوتها وجذوتها؛ ليغرقوا هم وسط حمَّامات الدولارات التي سيمطرها عليهم أسيادهم في واشنطن، وفيما يسمونها زورًا وبهتانًا (تل أبيب).

 

فبالتساوق يقوم الاحتلال بقصف غزة، بينما تقوم أجهزة عباس بمطاردة المقاومين في الضفة وقتلهم وتعذيبهم والتنسيق الأمني مع الاحتلال ضدهم، وليس بعيدًا عنا الشيخ المجاهد مجد البرغوثي، الذي قُتل عنوةً وإجرامًا على يد أجهزة عباس؛ هذا الشيخ المجاهد، الأب لتسعة أولاد، والذي اعتُقل تسع سنوات في سجون الاحتلال الظالمة؛ بسبب جهاده ودعوته في سبيل الله، وفي سبيل تحرير المسجد الأقصى المبارك وأرض فلسطين الطاهرة من جنس هذا المحتل، ثُم يُفرج عنه لتكمل أجهزة عباس دورها في اعتقال هذا الشيخ المجاهد، فتقوم باعتقاله وتعذيبه أبشع التعذيب، وقتله عنوةً وظُلمًا بأخس الطرق والأساليب.

 

وأمثال الشيخ البرغوثي الكثير الكثير في سجون عباس، والذين يذوقون أشد وأعتى صنوف التعذيب على أيدي زبانية عباس، والذين تم اعتقالهم على أساس خلفيتهم وانتمائهم السياسي.

 

ولم ننس بعدُ محمد رداد، الطالب الجامعي بكلية الشريعة الإسلامية بجامعة النجاح الوطنية، والحافظ لكتاب الله تعالى.. ذلكم الشاب صاحب الوجه الهادئ والصوت النديّ وعضو الكتلة الإسلامية (الفصيل الطلابي لحركة حماس)، الذي قُتل على أيدي أجهزة عباس بإطلاق الرصاص على رأسه مباشرةً فارتقى إلى العلا ليلاقي ربه يشكو ظلم الظالمين.

 

إن الشعب الفلسطيني الآن أصبح أشرس وأقدر على المقاومة من أي وقت مضى؛ فلم تعُد حماس ولا الجهاد ولا فتح الياسر ولا الجبهة الشعبية هم فقط وحدهم الذين يجاهدون ويقاومون، بل أصبح الشعب الفلسطيني كله يجاهد، وأصبح له حساب عسير مع هذا الاحتلال؛ فكل بيت أصبح فيه شهيدٌ؛ ما بين أبٍ فقد طفله وأم فقدت ولدها أو رضيعها أو زوجها، أو أخٍ فقد أخاه أو أباه أو أمه، والحساب مع هذا الاحتلال يطول ويطول.

 

لكنَّ الشعب الفلسطيني لن يغفر ولن يسامح ولن ينسى ما فعلته سلطة المقاطعة، وما اقترفته من ذنوب وجرائم ضد أبناء هذا الشعب المسكين، سواء كان من التنسيق الأمني ضد المجاهدين وقتلهم على أيدي زبانية التعذيب، مرورًا بالاعتقال السياسي على الهوية والانتماء؛ وصولاً إلى إعطاء هذا العدو المبرر والغطاء السياسي لقصف وقتل الأطفال والرضع ووأْد الطفولة وقتل النساء والشيوخ والمدنيين.

 

وإنني قبل أن أُنهي كتابة هذه المقالة أودُّ أن أضع العديد من التعجُّبات..!!

 

1- بعد أن قتل وقنص هذا المحتل المجرم الطفلة المصرية سماح أبو جراد وهي تلعب أمام بيتها؛ حيث لم تكن تحاول تفجير الجدار الفاصل.. أين هي الأقلام الكاذبة التي كانت تختلق الأكاذيب باتهام حماس بتهديد الأمن القومي المصري ومحاولة تفجير سيناء؟ أين أقلامهم الآن من اختراق السيادة المصرية وانتهاكها، وهي ألف باء القانون والعرف الدولي؟ ما هذا الصمت المُطبق الذي ضُرب على أفواه المسئولين إبان هذه الجريمة؟ أتعجب!!.

 

 - بعد كل هذه المجازر البربرية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وارتقاء ما يجاوز السبعين شهيدًا؛ واستمرار العدوان في مدن الضفة الغربية.. يُصر عباس على أن يقابل أولمرت بالأحضان والقبلات، ويحدد موعدًا جديدًا للقاء به، ليضع يده في يد هذا الجزار الإرهابي الذي لم تجفَّ يدُه بعدُ من دماء محمد البرعي وملاك الكفارنة، بينما يرفض الحوار مع حركة حماس التي تدافع عن الأرض والمقدسات والثوابت والقضية؛ أتعجب!!.

 

3- كم هو رهيب هذا الصمت الذي يخيِّم على الحكام العرب وعلى الأنظمة العربية، وكأن شيئًا لم يحدث في غزة، وكأن الذين يُذبحون ويقتَّلون هناك مجرد جراد تُزيله طائراتٌ بمواد كيماوية؛ أتعجب!!.

 

4- كأن ألسنة المجتمع الدولي والأوروبي والغرب المتشدِّق بالحرية وكرامة الإنسان وحقه في الحياة قد شُلَّت الآن وتوقفت عن الكلام أثناء هذه المجزرة ضد المدنيين وتهديد الكيان بمحرقة في غزة، وكأن مهمة مجلس الأمن التي من المفترض أن تكون حفظ الأمن والسلم الدوليين قد استُثنِيَ منها قطاع غزة وأرض فلسطين؛ أتعجب!!.

 

لا أتعجب بتاتًا حينما أرى أبناء القادة هم أول من يقدِّمون حياتهم وأرواحهم في سبيل الله وفي سبيل الدفاع عن أرضهم ومقدساتهم؛ فبالأمس استشهاد حمزة نجل الدكتور خليل الحية القيادي بحماس، والنائب بالمجلس التشريعي والفلسطيني، واليوم استشهاد عبد الرحمن نجل الدكتور محمد شهاب القيادي بالحركة والنائب بالمجلس التشريعي الفلسطيني، وقبلهما حسام الزهار نجل الدكتور محمود الزهار القيادي في حركة حماس والنائب بالمجلس التشريعي الفلسطيني كذلك بعد أن استشهد نجله البكر خالد.. لا عجب أبدًا فآباؤهم الذين ورثوا منهم المبادئ ليسوا طلابًا للسلطة والمناصب، بل طلابٌ للعز والكرامة والشهادة في سبيل الله.