لا وقت لدى القادة العرب أو الأمين العام للجامعة العربية للانشغال بالمحرقة التي يتعرَّض لها الشعبُ الفلسطينيُّ في غزة؛ فهم مهمومون بانعقاد قمة دمشق، وغارقون حتى آذانهم في حلِّ المُعضلة اللبنانية، واختيار رئيس ينتظره الجميع بشوقٍ بالغٍ.
وكما رأيتُ وتابعتُ على صفحات الصحف؛ فإن المشاورات المكثَّفة حول الموضوعَين الخطيرين، والجولات المكوكية لبعض القادة، لم تسمح لهم بالتطرُّق لموضوع غزة، ولأن اجتماع القمة العربية أمرٌ يتعلق بمصير الأمة، كما أن اختيار رئيس للبنان أمرٌ يتعلق بمستقبل بلد بأكمله، فلم يكن مقبولاً ولا مفهومًا أن يؤجِّل القادة مشاوراتِهم حول هذين الموضوعين ويقتطعوا بعضًا من وقتهم الثمين لكي يبحثوا موضوع قطاع غزة، ثم إنه طالما أن السلطة الوطنية في رام الله بخير، وأن السيد أبو مازن مستمرٌّ في اجتماعاته مع أولمرت وجماعته للحديث حول قضايا الحل النهائي التي يفترض أن تَحسِم- ولو بعد مائة سنة- المسائل الكلية في الملف المعلَّق منذ ستين عامًا.. فلا داعي لتشتيت الجهد وتبديد الوقت في بثِّ قضايا فرعية من قَبِيل المذبحة الجارية في غزة، خصوصًا أن عمليات القتل والتصفية مستمرةٌ طوال الوقت، وكل الذي حدث أن "الجُرْعَة زادت حبتين" في الآونة الأخيرة!.
ربما بدا هذا الكلام ساذجًا وعبيطًا، ومع ذلك لا أستبعد أن يكون القادة العرب قد تداولوه فيما بينهم، وبرَّروا به سكوتهم على الحاصل في غزة؛ لأن ما جرى في القطاع إذا كان قد أسال الدم غزيرًا هناك، فإنه جاء فاضحًا ومُحرِجًا للجميع، دعك من الولايات المتحدة والمنظمات الدولية المتواطئة، ولكنه فضح "أبو مازن" وجماعته بقدر ما فضح القادة العرب، وحوَّل الجميع إلى نماذج دون "خيال المآتة"؛ لأن هذا الأخير قد يُقلق بعض الطيور ويُخيفها، أما قادتنا الأشاوس، فإن خيالاتهم المنصوبة فوق الأوطان لم تَعُدْ تخيف قوى الاستكبار والغطرسة، التي استباحت كل شيء في العالم العربي.
محرقة غزة كشفت الجميع، وبيَّنت أن أغلب الزعماء والفلسطينيين ليسوا عاجزين عن فعل أي شيء، ولكنهم أيضًا لا يريدون فعل شيء، وبعض أولئك القادة متواطئٌ فيما يجري؛ لأنه لم يعد سرًّا أن ما سُمِّي بالتعاون الأمني بين "إسرائيل" وبعض الدول العربية ليس له إلا مجال واحد ينشط فيه، هو التصدِّي للمقاومة وتصفية عناصرها.
بسبب من ذلك، فإنني لا أوافق على اتهام العرب جميعًا بأنهم فقدوا غيرتهم ونخوتهم وإحساسهم بالقضية؛ لأن من شأن تعميم من هذا القبيل يظلم قطاعاتٍ عريضةً من شعوبنا تمتلئ سخطًا وغضبًا، وتتحيَّن الفرص لكي تعبر عن مؤازرتها وتضامنها مع الشعب الفلسطيني؛ إدراكًا منها أن تلك المؤازرة أصبحت إحدى معايير الوطنية في المنطقة؛ صحيح أن شرائح النخب الثقافية والسياسية تم اختراقها بحيث فقدت ذلك الإحساس وانخرطت فيما سُمِّي باللوبي "الإسرائيلي" تارةً، والأمريكي تارةً أخرى، إلا أن تلك النخب تظلُّ حالةً استثنائيةً، ولولا المواقع التي تبوأتها والمنابر التي توفَّرت لها، لما كان لها حضور يُذكر أو صوت يُسمع.
إذا سألتني بعد ذلك أين جماهير الأمة التي تتحدث عنها؟ فردِّي أن هذه الجماهير ما وجدت بابًا مفتوحًا للتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني إلا ودخلت منه، يشهد بذلك التسابق والتنافس الشديدان بين فئات الشعب المصري والعربي على تقديم العون لفلسطينيي غزة، حين كسرت الحواجز وانفتحت الحدود.
أما إذا سألتني لم تنتظر الجماهير أن تفتح لها الأبواب، ولا تتولَّى هي من جانبها فتحها؟ ولماذا لا تخرج إلى الشوارع في مظاهرات تعبر عن التضامن والغضب؟ فردِّي على ذلك أن القمع العربي المشترك أفقد مجتمعاتنا روح المبادرة، وبسبب ذلك القمع خفَت صوتُها وتسلَّل الوهن إلى عزيمتها، وإذا كان البدو يقولون: إن الخيل المخصية لا تصهل، فإن ذلك ينطبق على مجتمعاتنا التي أخصاها القمعُ؛ فانقطعت حبالها الصوتية، وهذه ليست حالة مستعصية، ولكنها تحتاج إلى جراحة سياسية من نوع خاص، لا تسألني أكثر من ذلك!.
---------
* نقلاً عن جريدة (الدستور) 2/3/2008م.