الداعية كثير التفكير في أحوال أمته، وسبل إصلاحها، وأسباب قوتها، دائم الفكر والتفكير فيها، سابح الفكر في أمرها، يحمل هموم أمته، يعاني من جراحاتها، يحزن لحزنها، يفرح لفرحها، يتمزَّق قلبه لعاصٍ يراه، يفرح بتوبة التائب وبعودة العائد، وليس له في ذلك مغنم- أيًّا كان- إلا أنه داعية القلب والفكر.
ومن هنا يتميَّز في همومه وأحزانه.. في طموحاته وآماله.. قد يعجب من حاله غيره، بل وقد ينكر عليه ذلك، ولكنه يعرف أن همَّه هو وقوده، وأن من علوِّ همته علو همِّه، وكذا شأن من سار على ما سار عليه، رغم إنكار من حوله له، لكنها الدعوة يا سادة.
الهم ديدن الحبيب
فهذا سيد الخلق وإمام الدعاة صلى الله عليه وسلم كان همُّ الدعوة يملأ قلبه، ويشغل فكره، وقد بلغ به الأمر مبلغًا عظيمًا تنزلت فيه آياتٌ تتلى ليُخفِّف همَّه ويُذهب حزنه؛ قال ربنا جل في علاه: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)) (فاطر)، والحسرة: همُّ النفس وشدة الحزن على فوات الأمر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا تغتم ولا تهلك نفسك حسرةً على تركهم الإيمان".
وهذه تسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم "حتى يدع ما يجيش في قلبه البشري من حرص على هداهم، ومن رؤية الحق الذي جاء به معروفًا بينهم، وهو حرص بشري معروف، يرفق الله برسوله مما وقعه في حسِّه، فيبيِّن له أن هذا ليس من أمره بل من أمر الله، وهي حالة يعانيها الدعاة كلما أخلصوا في دعوتهم، وأدركوا قيمتها وجمالها وما فيها من الخير، ورأوا الناس في الوقت ذاته يصدُّون عنها ويعرضون" (تفسير في ظلال القرآن ج 5).
فتأمل كيف كان حمله صلى الله عليه وسلم لهمِّ الدعوة حتى بلغ هذا المبلغ العظيم وحتى خاطبه ربه بقوله الكريم: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)) (سورة الكهف)، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا" (متفق عليه).
والصدِّيق على نهجه يسير
وعلى نهج الحبيب سار الصديق فكان مؤجّجًا لحماسته ومفجّرًا لطاقته حتى وَأَد الفتنة وقمع الردة وابتدأ الفتوح، ثم الفاروق رضي الله عنه، كان مهمومًا برعيته همًّا أورثه عدلاً قلَّ نظيره، وبذلاً أتعب من بعده، وعلى هذا كان الرعيل الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المجدد يتكلم
"كنت متألمًا لهذا أشدّ الألم، فها أنا ذا أرى أن الأمة المصرية العزيزة تتأرجح حياتها الاجتماعية بين إسلامها الغالي العزيز الذي ورثته وحمته وألفته، وعاشت به، واعتزَّ بها أربعة عشر قرنًا كاملةً، وبين هذا الغزو الغربي العنيف المسلح المجهز بكل الأسلحة الماضية الفتاكة من المال والجاه والمظهر والمتعة والقوة ووسائل الدعاية، وكان ينفس عن نفسي بعض الشيء الإفضاء بهذا الشعور إلى كثير من الأصدقاء الخلصاء، كما كان ينفِّس عن نفسي كذلك التردُّد على المكتبة السلفية؛ حيث نلقى الرجل المؤمن المجاهد العامل القوي العالم الفاضل والصحفي الإسلامي القدير السيد محب الدين الخطيب، ونلتقي بجمهرة من أعلام الفضلاء المعروفين بغيرتهم الإسلامية وحميتهم الدينية"، كتاب (مذكرات الدعوة والداعية).
كيف تصنع همَّك؟!
* صل نفسك بكتاب الله متدبِّرًا آياته.
* أدمِن العيش مع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لتأخذ من دعوته في جهاده وقوته همةً تعلو بها.
* عِش مع العظماء والدعاة حياتهم وهمهم؛ فهم معين لا ينضب للهمِّ البنَّاء.
* صِل نفسك بأمتك، واعرف مآسيَها، وعِش آلامها وأحزانها.
* اعرف عدوَّك وبذله في تحقيق غايته وحلمه.
* صاحِب المهمومين بدعوتهم، ينتقل لك همُّهم وهمتهم.
* حدِّد لنفسك غايةً وفكرةً، وتحرَّك من أجلها تسهم بها في البناء.
--------------