محمد مهنى
![]() |
|
محمد مهنى |
في أول جلسة من المحاكمة العسكرية نادت عليه أمه ثم بكت وهي تودعه قائلةً: "في سبيل الله يا بني"، ظلت تكررها كثيرًا وهي تبكي، وظل هو يصبِّرها، وظللت أنا أراقب الموقف متأملاً عظمةَ هذه الأم التي تعلم لماذا يُحاكم ابنها عسكريًّا، ولخَّصت رحلة تربيتها في قولها: "في سبيل الله يا بني".. فمن هذا الابن؟ إنه المحاسب محمد مهنى.
ولقد أثَّر هذا المشهد فيَّ كثيرًا وقلت في نفسي: هل وصلت الأمهات عندنا إلى هذه الدرجة من الفهم لرسالة الإسلام حتى إنها لتقول لابنها: إن ما أنت فيه من سجن وتشريد وفرقة وعذاب ما هو إلا ضرب من ضروب الجهاد ولخَّصت فهمها في كلمات قليلة "في سبيل الله يا بني"؟!.. ما أعظمها من أمٍّ، وما أروعه من فهم!!.
وتعرَّفت بعد ذلك على إخوة محمد، فوجدتهم مثل أخيهم؛ نِعْم التربية، بينهم رباط أوثق من أخوة الدم، ألا وهو رباط أخوة العمل للإسلام، أيقنت أن وراء هذه الأسرة أمًّا فاضلةً وأبًا عظيمًا، وقد جاءتني الإجابة سريعًا؛ فقد علمت من أ. محمد كيف ربَّتهم الأم على الصلاة والصيام؟ وكيف اجتهد أبوهم- وهو المدرس بالتربية والتعليم- على أن يربِّيَهم من حلالٍ ويكون مربيًا لهم في إجلال؟.
وقد ظهر أثر هذه التربية في سلوك أ. محمد داخل السجن؛ فهو فاكهة الحبسة- كما يقولون- ذو دم خفيف وذوق رفيع، وقد دفعه ذوقه وحسه المرهف إلى أن يكون صاحب الذوق الذي يستشار حين يريد أحدنا أن يهاديَ ابنه أو زوجته أو أي أحد، بل إنه كان يعد وردًا ويهديه لأحد الإخوة أثناء زيارته لأهله ليكون تعبيرًا عن مشاعر الود بينهما.
ولكن نظام الحاكم الفاشل أبى إلا أن يفصم عرى هذه الأسرة، فحبس ابنها الأكبر محمد، وبعدها مات الأب الحنون في غياب أكبر أبنائه، وظل أ. محمد- وقد كان مرتبطًا بأبيه- يبكي أباه لأيام طوال؛ كان في النهار يتماسك أمامنا، ثم حين يتأكَّد نومنا في أول الليل يقوم ويبكي بكاءً حارًّا على فقد أبيه وحرمانه من لحظاتِ الوداع، ويظل كذلك حتى يستيقظ من حوله فيوقف بكاءه، ولكن العينَ تقف عن البكاء ويظل القلبُ باكيًا، وشاء الله أن تشهد هذه الفترة من السجن ميلاد ابن له وإجراء جراحة لابنه الأول، وهو في كلا الأمرين مطمئن لرعاية الله لأبنائه.
وقد كان لزوجته دورًا كبير في ثباتِ أ. محمد مهنى؛ فهي معه نِعْم الزوجة الصابرة المجاهدة، فلا نسمع عنها ولا منها إلا خيرًا رغم صغر سنها وعظم الأمر الذي ألمَّ بها، وهو أيضًا يحمل لها كل تقديرٍ وحبًّا عظيمًا، فتجده يستعد للزيارة قبل مجيئها وكأنه مقبلٌ على فرحة عظيمة تتجدَّد بتجديد الزيارة.
إن محمد وأسرته مثال حي لأسرة تنتمي إلى غالبية الأسر في مصر؛ فهي أسرة متوسطة، كافح الأب والأم لتربية أبنائهما تربيةً كاملةً مكتملةً تشمل صلاحهم في دينهم وكفاحهم في دينهم وكفاحهم في دنياهم، أسرة هي النموذج الذي يحتذى، ولكن كيف تترك هذه الأسرة لتفرِّخ أجيالاً صالحةً تنتمي إلى دينها ووطنها؟!.. ليكن مصير هذا الابن السجن؛ حتى يرى الشباب ما حدث لنموذج صالح أمامهم، فيكون إما الانحراف أو الهجرة إلى "إسرائيل" ليشعروا فيها بالأمان.
أليست الأخيرة هي التي نتحدَّث عنها هذه الأيام ونساءل أنفسنا: ما السبب؟! ألسنا كلنا نواجه كل يوم خبر أبنائنا الذين دفعهم اليأس إلى أن يلقوا بأنفسهم في عرض البحر بحثًا عن لقمة العيش طعامًا سائغًا لحيتان البحر؟!.
إن الشباب الذي هاجر إلى "إسرائيل" والذي غرق في البحر والذي انحرف رأوا أمثال محمد مهنى الشاب الصالح الذي يتحرَّى عملاً حلالاً ينفق منه على أهله قد أُودع السجن ظلمًا، ففروا من بلدهم إلى عدوهم لعلهم يجدون عنده الأمان!!.
