إن دعوة الإخوان- التي قد اعتمدت التغيير السلمي منهجًا من خلال المبادئ التي أرساها الأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين المباركة- تقف اليوم في انتظار حكم العسكرية على 40 من قيادييها الذين يمثلون صفوة هذا المجتمع في شتى المجالات.
هؤلاء الشرفاء الذين وجَّه لهم النظام تهمًا عبثيةً غربيةً، وبعد أن برَّأهم القضاء المدني أربع مرات متتالية من هذه التهم.. عندها لجأ النظام إلى إحالتهم إلى المحاكمة العسكرية.
وبعد ماراثون استمر 69 جلسةً سوف يُسدل الستار يوم الثلاثاء 26 فبراير على هذه المهزلة (من المنظور الدنيوي على الأقل).
إن من الأسئلة التي يجب أن تطرح قبل أن يسدل الستار هو: من يُحاكَم؟ أيحاكم فكر قام منذ نشأته قبل ثمانية عقود باتخاذ منهج التربية- تربية الأفراد والمجتمعات- للنهوض بالأمة في كافة المجالات؟! أيحاكم فكرٌ نبذ العنف بشدة بل كان له الفضل الأكبر- بعد الله تعالى- في إنهاء العنف والقضاء عليه بعد أن كاد يأخذ في طريقه الأخضر واليابس؟!.
إن محاكمة فكْرٍ اتخذ من النضال الدستوري وسيلةً لنشر دعوته السامية حتى يرتفع صوتها وينحاز إليها الشعب والقوى السياسية.. محاكمة هذا الفكر دليلٌ على عقلية ديكتاتورية ورؤية بوليسية لمن يحاكمه؛ الذين لا يرضون بغير البقاء في مناصبهم وتوريثها لأبنائهم من بعدهم.
ثم وفي هذه المسرحية- أو المحاكمة مجازًا- ماذا كانت الأحراز؟ وماذا كانت أدلة الاتهام (إن صح أن يكون هناك اتهام)؟.. أهي بضعة أوراق أو كتب عن الإصلاح والتغيير؟! أم بضعة أقراص كمبيوتر عليها منهج التربية؟! أم أموال اكتسبها هؤلاء الشرفاء من عملهم وتعبهم وكدهم واجتهادهم، ولم يسرقوها من أموال الشعب ولا من التأمين على العبارات الغارقة أو القطارات المحترقة, ولا من احتكارهم للسلع الأساسية لبيعها بأعلى الأسعار, فيزيدوا هذا الشعب بؤسًا على بؤسه وفقرًا على فقره؟!!
لم يفعل الشرفاء المحالون إلى العسكرية هذا كله, بل فعله واقترفه من رَكَن إلى السلطة المستبدة ورضيَ بالعيش في كنفها, مبتغيًا منفعته الشخصية, ناسيًا أو متناسيًا واجبه نحو شعبه ووطنه وأمته.
أيضًا وقبل أن يسدل الستار على المحاكمة نتوجه ببضع كلمات:
فأولها إلى قضاة هذه المحكمة: نذكرهم بقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة, وقاضيان في النار, قاضٍ عرف الحق وحكم به فهو في الجنة, وقاضٍ عرف الحق ولم يحكم به فهو في النار, وقاضٍ لم يعرف الحق ولم يحكم به فهو في النار" (رواه أبو داوود)، وقوله عليه الصلاة والسلام: "الظلم ظلمات يوم القيامة".
فأنتم اليوم أمام مسئوليةٍ كبرى بين يدي الله- تعالى- يجب أن تتذكَّروا وقفتكم أمامه يوم القيامة وسؤاله إياكم عن الحكم، وساعتها لن ينفع التعلل والتحجج بتنفيذ أوامر عليا؛ لذا فأنتم أمام أمرين: إما أن تحكموا حكمًا عادلاً يشهد لكم أمام الله ثم أمام الناس والتاريخ, وإما أن تكون الأخرى، والتي تعرفون عواقبها في الدنيا والآخرة.
وثاني هذه الكلمات هي لعموم الإخوان المسلمين: نذكِّر فيها أنفسنا وإياكم بأن هذا هو طريق الدعوات، وهذا هو سبيلها؛ مليء بالأشواك والمصاعب, ولكننا نخوضها جميعًا متوكلين على الله، محتسبين ذلك كله عنده، نذكِّر أنفسنا بابتغاء الأجر والثواب عنده- عز وجل- والدعاء له سبحانه أن يكشف الغمة ويزيل الكرب ويأذن لشرعه أن يحكم وأن يسود ولدعوته أن تنتصر, ولنصبر؛ فإنما النصر صبر ساعة، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا.
وثالث هذا الكلمات وآخرها إلى إخواننا وأحبائنا شعب مصر الحبيب: الصامد الصابر العظيم, نقول لهم: أما آن لنا أن ننهض من كبوتنا, ونفيق من غفلتنا, ولنأخذ العبرة من تحرك الفئات التي ثارت على الظلم وطالبت بحقوقها حتى كان لهم ما أرادوا؛ لننفض عنا هذه السلبية وهذا الخمول، ونقوم بواجبنا بدفع الظلم عن الشرفاء الذين ينتظرون اليوم حكم العسكرية, ثم لنواصل الإيجابية والتحرك ونمضي معًا نحو هدف واحد نحو الإصلاح (إصلاح الدنيا بالدين) والتغيير (التغيير للأفضل والأحسن)؟! فإنما نحن وإياكم في مركب واحد؛ إما أن تغرق فنغرق جميعًا, وإما أن تنجوَ فننجو جميعًا.