كان يوم السبت الماضي 9 من صفر 1429هـ الموافق 16/2/2008م هو المتمم للعام الرابع والأربعين من عمري، وحينما كنت خارج السجن كانت مناسبة يوم ميلادي لا أحفل بها كثيرًا، ولم أعوِّد أولادي على الاهتمام بهذا اليوم.

 

غير أنني كنت أحاسب نفسي على ما قدَّمت من خير وما اقترفت من سوء, ولكن لوجودي في السجن آثر أولادي، ومعهم أمُّهم، أن يحتفلوا بهذا اليوم، فأحضروا بعض الحلوى ليأكلوها معي، وأثناء حديثي معهم رأيتُ في عيون الكبار نظرات فرح يغلِّفها حزن, وفي عيون الصغار نظرات فرح بسبب الجوِّ المَرِح الذي أضْفَتْه المناسبة على الزيارة في السجن.

 

وبالنسبة لي فقد كان يوم وقفة حساب لي؛ حيث إن فترة شبابي شارفَت على الانتهاء, وسألتُ نفسي: ماذا سيكون جوابُك لربك حين يسألك عن شبابك؛ فيم أبليته؟ وتذكرت منذ ما يناهز الثلاثين عامًا حين كان أبي يصطحبني إلى المسجد وحين بدأت تتفتَّح في نفسي الرغبة للعمل للإسلام, ثم حينما تعرَّفت على طريق الدعوة إلى الله وأنا ابن السادسة عشرة من عمري, وكيف أراد الله بي أن أكون شاهدًا على كل أنواع الظلم الذي تعرَّض له شباب الدعوة الإسلامية في هذه الحقبة من الزمن.

 

ورغم مرارة الذكريات، إلا أن سعادتي بأن الله أراد بي الخير بأن أكون ممن يحملون دعوته ويبذلون في سبيله.. هذه السعادة أحالت الألم إلى أمل، وحوَّلت مرارة الذكريات إلى حلاوة الرغبة في ثواب الله.

 

وحدَّثت نفسي أقول: "يا رب.. لقد أبليتُ شبابي فيك؛ رغبةً في رضائك ونصرةً لدينك, ولك الفضل وحدك والمنة أنْ إليك هديتني، وبالعلاء اصطفيتني، وبالصبر حمَّلتني ﴿بَلْ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: من الآية 17).

 

ثم كانت خاطرتي لأولادي: لماذا نحن مصرُّون على هذا الطريق؟ لماذا ندعو الله دومًا أن يثبِّتنا على الحق وأن يتوفَّانا عليه غير مبدلين ولا مغيِّرين؟!

 

إن أول ما يدفعنا إلى الثبات هو أملُنا في ثواب الله ورغبتُنا في رضائه؛ فإن الجنة ونعيمها هي سلعة الله الغالية, ولا بد من دفع الثمن, وإنَّ شِبرًا في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها, وإن غمسةً واحدةً في الجنة تُنسي أبأس الخلق بؤسه.

 

وما لنا لا نثبت ونحن نرجو جوار الرسول العدنان صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، نرجو الفردوس الأعلى؛ حيث نعيم مقيم ورب غير غضبان؟! ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ (مريم: من الآية 63)، وإن لم تكن الجنة فالهروب من النيران وعذاب الله الذي ينال المقصرين.

 

إن الله افترض علينا فرائض سيحاسبُنا عليها، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد باللسان والسنان، و"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، فمن استجاب فله الثواب، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه, يقول تعالى ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ (التوبة: من الآية 39)، فمن يطيق عذاب الله؟!

 

ولذلك فكل عذاب في الدنيا يهون إن كان سينجينا من عذاب الآخرة, وإن أفزعَنا الظالمون في الدنيا فإننا نأمل ألا نَفزَع في الآخرة؛ حيث ﴿لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (الأنبياء: 103)؛ ولذلك كان الصحابة الكرام يضعون نصب أعينهم حقيقةً تُعينهم على الثبات؛ ألا وهي "كل بلاء دون النار فهو عافية, وكل نعيم دون الجنة فهو حقير".

 

وما لنا لا نثبت وقد سبقنا على طريق الحق من ضحَّوا من أجل الدين، وحافظوا على أمانة الإسلام حتى وصل لنا الإسلام كاملاً غير منقوص؟! لقد جاهد الصحابة والتابعون واستمسك العلماء بالحق المبين ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: من الآية 23).

 

إنني أشفق من يومٍ يقف مثل الشيخ أحمد ياسين، وهو القعيد الشهيد، أمام الله عز وجل فيسأله: ماذا قدمت للإسلام؟ فيجيب: "بالقليل" ثم يسألني ربي: ماذا قدمت للإسلام؟ فأجيب: "بالقليل".. اللهم رحمتك وعفوك وغفرانك لتقصيرنا في حق دينك ونبيك ودعوتك.

 

وما لنا لا نثبت ونحن نرى ما يحيط بشعبنا من الذل والهوان ونرى تسلُّط فئة من الظالمين الفاسدين عليه؛ ينهبون ثرواته ويعبثون بمقدَّراته؟! نرى شعبنا وقد أنهكه الجوع والمرض وأذلَّته الحاجة والبطالة، نجد مصر بلد النيل لا يجد بعض شعبها شربةَ ماء نظيفة.. مصر التي كانت تُطعم العالم أصبحت تتسوَّل رغيف خبزها!!.

 

ما لنا لا نثبت ونحن نرى شبابنا يرمي نفسه في عرض البحر بحثًا عن عمل عندما ضاقت به بلده ولم تسعه خيرات وطنه؟!

 

كيف نرى ما يحدث ببلدنا من ذلٍّ وهوانٍ للمسلمين في شتى بقاع الأرض.. في فلسطين والعراق وغيرها من احتلال وحرمان، ثم ننام على أسرَّتنا ونشتهي طعامًا وشرابًا؟!

 

إن ما آلم شعبنا وبلدنا وعالمنا الإسلامي يجعلنا نصرُّ على أن نتمسَّك بالحق الذي نحن عليه، وبالإصلاح الذي ننشره؛ حتى تستقيم لنا دنيانا فضلاً عن آخرتنا.

 

ومهما طال الزمن وتعاقبت المحن فإننا مصرُّون على الحق الذي نحن عليه, حتى يأذن الله بفرجٍ ينصر فيه الحق وأهله.

 

ويا أولادي.. اعلموا أن حبِّي لكم يدفعني إلى بذل الجهد لتحصيل الدرجات العلى في الجنة إن تقبل الله عملنا، وساعتها سيجتمع شملنا بجوار الرحمن بإذن الله.. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: 21).