د. محمد بليغ

لا أدري لماذا تعلَّقتُ به؟ هل لأن هناك قدرًا من التوافق بين طبعي وطبعه؟.. لا أدري، لكن بعد مرور عام على وجودنا معًا في هذه القضية، علمت أن طبعه وشخصيته فريدةٌ من نوعها، وقلَّما تتكرر، وتمنيتُ آنذاك أن أكون مثله.

 

إنه محلُّ إجماع كلِّ مَن في القضية؛ هل لأدبه؟ هل لروحه المرحة؟ هل لتواضعه؟ أم لذلك كله؟.. أعتقد أن كل هذه الأشياء قد اجتمعت في د. محمد بليغ، أستاذ الرمد بمعهد بحوث أمراض العيون وأحد المحالين للقضية العسكرية.

 

والدكتور محمد بليغ من الشخصيات النادرة التي تجد فيها تنوُّعًا شديدًا في الأنشطة والاهتمامات؛ فهو بدايةً طبيبٌ بارعٌ في تخصُّصه؛ حصل على الماجستير ثم الدكتوراه، ثم الأستاذية في أمراض العيون، وقد اشترك في العديد من الدورات العلمية والتعليمية على مستوى العالم، شملت ألمانيا، وإنجلترا، وإسبانيا، وغيرها.

 

والدكتور بليغ من بيت عِلم أصلاً؛ فوالده رحمه الله كان أستاذًا بهندسة القاهرة، وأخته كذلك الدكتورة فاطمة علي بليغ أستاذ بكلية الهندسة جامعة حلوان.

 

ولم ينشغل د. بليغ بالطب وعمله الخاص في عيادته عن تخفيف آلام المرضى واحتياجات غير القادرين؛ فهو رئيس اللجنة الاجتماعية بمعهد بحوث أمراض العين؛ حيث يرعى أحوال الفقراء من الموظفين فضلاً عن رعايته للمرضى المتردِّدين على المعهد.

 

والدكتور محمد بليغ نشيط بطبعه، لا يحب الكسل؛ ولذلك تجده حيث تتوقع أن تفتقده، وهو ينشط في خدمة من حوله، فقد اجتهد أن يكون له دور اجتماعي بارز في نادي الشمس؛ حيث إنه مقرِّر أسرة الشروق بالنادي، ويشرف على لجنة المسلم الصغير بها، ومن خلال اللجنة والأسرة يقوم بأنشطة ترفيهية واجتماعية عديدة، وقد كان مرشَّحًا لعضوية مجلس الإدارة بنادي الشمس، وحصل على عدد كبير من الأصوات.

 

كما أن د. محمد بليغ هو عضو مجلس نقابة أطباء الجيزة في المجلس السابق، وقد قام بأنشطة مهنية وعلمية من خلال النقابة يشهد بها الجميع.

 

ولتميُّز د. محمد بليغ في عمله المهني ودوره النقابي ونشاطه الاجتماعي، فقد اختير طبيبًا مثاليًّا على مستوى محافظة الجيزة عام 1991م، ثم طبيبًا مثاليًّا على مستوى النقابة العامة للأطباء عام 1999م.

 

هذا هو الدكتور محمد بليغ.. صورة مشرِّفة للعالم الطبيب والتي يُقتدى بها في كل مكان، وهو أيضًا مع إخوانه داخل السجن صورة أكثر إشراقًا.

 

إن الدكتور محمد بليغ لا يمل من إدخال السرور على إخوانه؛ فهو في كل المواقف يحاول أن يجذب إخوانه بعيدًا عن آلام المحاكمة ومرارة الظلم، فتجده يرفع صوته بالمزاح والتعليق المضحك حتى يسمعه الجميع فيُنسيهم بجميل كلامه آلامهم، وهو مع خفَّة روحه جريء في قول رأيه؛ إذا وجد خطأً سرعان ما ينتقده، ولكن بأسلوب رقيق مهذَّب يدفع السامع إلى أن يحترم نصيحته بل ويسارع في تنفيذها.

 

حين تراه في الصباح وهو يتلو القرآن تقول إن هذا الرجل لا تعرف البسمة طريقًا لوجهه من شدِّة تأثُّره، فإذا رأيته وهو يضحك تظن أن هذا الرجل لا يعبس أبدًا؛ إنها الصور التي يراها البعض متناقضةً، ولكننا رأيناها في د. بليغ متناسقةً؛ لأنها تعبِّر عن المسلم الصحيح، صاحب الشخصية المتوازنة المتكاملة.

 

ولقد ترشَّح الدكتور بليغ قبل اعتقاله لأن يكون نائبًا لرئيس معهد بحوث الرمد، وهي درجة تعادل نائب رئيس جامعة، ولكن جاء الاعتقال ليكون برهانًا على تقدير نظامنا الرشيد للأطباء المثاليين وللمهنيين الشرفاء وللعلماء البارعين!!.