- "الجزيرة" تصفها بالتهديد و"الحرة" تعتبرها تراجعًا و"العربية" ترفض الوصاية
- د. أبو الفتوح: وزراء الإعلام يسبحون ضد تيار التقدم التكنولوجي
- د. العالم: في ظل السماوات المفتوحة خنق الإعلام غير قابل للتنفيذ
- السناوي: نكبة عربية لإحكام قبضة الأنظمة على البرامج السياسية والوثائقية
تحقيق- حسن محمود
واصلت مصر ريادتها للإعلام العربي، ولكنها ريادة الرجوع للخلف؛ فبدلاً من أن تتبنَّى مصر مبادرةً لتوسيع دائرة الحريات الإعلامية من خلال إطلاق إصدار الصحف، وزيادة رقعة الإعلام المرئي والمسموع، سواءٌ في المحطات الفضائية أو الإذاعات على الشبكات المختلفة، بدلاً من هذا كله تبنَّت وزارة الإعلام المصرية قرارًا أو ما يشبه الحملة ضد حرية الفضائيات في اجتماع وزراء الإعلام العرب، الذي عُقد في القاهرة بشكل استثنائي منذ أيام، وهي بالطبع ليست حملةً ضد الإباحية والفجور الذي بات العنوان الصريح لأكثر من 80% من القنوات التي تبثُّ إرسالها على القمر الصناعي "النايل سات"، وإنما كانت حملةً على مساحة الحرية التي استطاعت القنوات الفضائية الإخبارية والجادَّة الحصول عليها من خلال أداء وحمل الكثير من الموضوعية، وهو الأمر الذي لم يُرضِ الأنظمة والحكومات العربية المستبدَّة، التي رأت في هذه المساحة تهديدًا لها بعد أن أصبحت القنوات الإخبارية العربية هي الرافد الأول للجمهور العربي في استقاء معلوماته وبلورة مواقفه تجاه معظم القضايا التي ترتبط بحياته اليومية، وبمواقفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فخرج الاجتماع بوثيقة أطلقوا عليها اسم "وثيقة تنظيم البث الفضائي"، والتي تضمَّنت عدة بنود، كان أبرزها عدم تناول قادة الدول العربية، أو الرموز الوطنية والدينية بـ"التجريح"، والالتزام باحترام حرية التعبير وممارستها بـ"وعي ومسئولية"؛ بما من شأنه حماية "المصالح العليا" للدول العربية واحترام "حريات" الآخرين و"حقوقهم"!!.
(إخوان أون لاين) طرح العديدَ من الأسئلة على الخبراء والمتخصصين ومديري مكاتب القنوات الفضائية في القاهرة؛ باعتبارهم الأكثر تضرُّرًا من هذه الوثيقة بل والأكثر عرضةً للمساءلات القانونية في حالة عدم تطبيقهم إياها، فوجَّهنا إليهم العديد من الأسئلة حول جدوى هذه الوثيقة، ومدى تأثيرها عليهم ومدى التزامهم بها.
وقد أجمع مَن استطلعنا آراءهم على أن الوثيقة تريد خنْق الحريات، وتُعيد عقارب الساعة إلى الوراء؛ حيث تسيطر الحكومات على الصحافة والإعلام لتقوم بما أسموه "غسيل المخ"، مشيرين إلى أن انفراد وزراء الإعلام العرب بالوثيقة يؤكد أنها تخصُّ الأنظمة ولا تعبر عن الشعوب.
غموض الوثيقة
حسين عبد الغني

في البداية يؤكد حسين عبد الغني مدير مكتب قناة (الجزيرة) بالقاهرة أن قناته تَعتبر الوثيقة تهديدًا وخطَرًا على حرية التعبير، وتحمل غموضًا من الممكن أن يؤدي إلى خنْق حرية التعبير، مشيرًا إلى أنه كان من الأولى أن تدعم الحكومات وسائل الإعلام المستقلة.
وانتقد عبد الغني بشدة استمرار تجاهل المعنيين بالقضية قبل طرْح تصورات بشأنهم، مؤكدًا أهمية أن يتم الرجوع للصحفيين والإعلاميين عند طرْح أي وثائق خاصة بممارسات العمل الصحفي والإعلامي؛ حتى لا يثير التدخل الحكومي المباشر علامات استفهام مبهمة الإجابات!!.
ونفى عبد الغني وصول أي خطابات رسمية أو حدوث أي اتصالات بشأن فرض قيود على مكتب القناة بالقاهرة.
عبارات فضفاضة
الإعلاميون اعتبروا الوثيقة جزءًا من كبت الحريات في مصر

واعتبر طارق الشامي مدير مكتب قناة (الحرة) أن الوثيقة هي جزءٌ من كلٍّ، موضحًا أنها جزءٌ من حالة التضييق على الحريات في مصر خاصةً والعالم العربي عامةً، كما أنها أيضًا جزءٌ من حالة التراجع بعد 3 سنوات من الحراك السياسي والإعلامي، مشيرًا إلى أن الوثيقة ستخضع للممارسة العامة، وأن الأيام القادمة ستكشف عن الخفايا الحقيقية التي من أجلها صدرت الوثيقة في هذا التوقيت.
وأوضح الشامي أن الوثيقة تحمل عباراتٍ فضفاضةً غريبةً من الممكن أن تفسَّر بأكثر من تفسير، مثل عدم تناول القيادات العربية أو الرموز الوطنية والدينية بالتجريح، مشيرًا إلى أن الممارسة الفعلية والسوابق في مصر تشير إلى أن التوجه القادم مخيف، مؤكدًا أن أمر الحريات عمومًا وهذه الأزمة خاصةً يتوقف تنفيذها على مدى موقف القوى السياسية، وردّها على هذه الحالة العربية الجديدة المتجهة بغرابة نحو النَّيل من الإعلام المستقل.
وأشار إلى أن انفراد وزراء الإعلام العرب بالوثيقة يؤكد أن الوثيقة تخص الأنظمة، ولا تعبر بحال عن الشعوب، وبالتالي فليس غريبًا على الإطلاق حالة الاستبعاد للإعلاميين من صياغة بنود الوثيقة؛ لكون الواقع يدلِّل على أن جميع القضايا المهمة يُستبعد منها أصحاب الرأي والتخصص، ولا يقام حوارٌ حولها.
وسخر الشامي من كون ولادة الوثيقة جاء عبر اجتماع استثنائي رغم وجود اجتماعات دورية لوزراء الإعلام العرب، مؤكدًا أنها دليلٌ على وجود نية مبيَّتة لسلق الأمور وإنهاء ما أرادوا تنفيذه سريعًا دون حوار، لافتًا إلى أنه من الصعب أن يتحكَّم أحد في الفضاء لكونه أوسع مما تعتقده الأنظمة في ظل وجود الإنترنت والأقمار الصناعية.
مصلحة الأنظمة
![]() |
|
|
وأوضح السيوفي أن هناك بعض الدوائر داخل النظم العربية بدأت تضِيق بمساحة الحرية، وتنظر نظرةً ضيقةً إلى أن استمرار الحرية بهذه الصورة ليس في صالحهم، رغم أن المؤشرات تؤكد أن ما يحدث يصبُّ في خانة النظام على المستوى الإعلامي.
وحول تأثير ذلك في الفضائيات العربية أشار السيوفي إلى أنه بات من الصعب أن يقضي أحدٌ على هذه المساحة، متوقِّعًا ألا تؤثر الوثيقة كثيرًا في القنوات الفضائية الناطقة باللغة العربية؛ لكونها أصبحت مَعلَمًا مهمًّا من معالم القاهرة، وباتت تلعب دورًا مهمًّا في إحداث حراك وحياة داخل الحياة السياسية.
وقال إنه رغم استشعار البعض أن حرية التعبير هي وحدها الفائزة من هامش الحرية الموجود، إلا أن الحقيقة تؤكد أن الأنظمة تكسب أيضًا من هامش الحرية؛ حيث إن الحراك الموجود أدَّى- ولا يزال- إلى ما أسماه "التنفيس" وإخراج جزء من غليان الشعوب المتزايد بسبب الأسباب الاقتصادية والسياسية والدولية، خاصةً العدوان الصهيوني والأمريكي على المنطقة، سواءٌ في فلسطين أو العراق.
وأكد السيوفي أن الفضائيات العربية تخطَّت الدور الإعلامي، وباتت رمانة الميزان الاجتماعي في الدول العربية، وعاملاً كبيرًا في إحداث توازن واستقرار اجتماعي، مشيرًا إلى أنه من مصلحة الجميع حكوماتٍ وشعوبًا أن تستمر التجربة دون تضييق؛ حتى تستفيد الحكومات من تنفيس الغليان، وتستفيد الشعوب من الفكر والإبداع.
مطلوب التوضيح
الوثيقة تضييق جديد على حرية الإعلام

ومن ناحيتها اعتبرت رندا أبو العزم مدير مكتب قناة (العربية) الوثيقةَ غموضًا كبيرًا يتحتَّم على مَن أصدرَها أن يوضِّحَه سريعًا، مشيرةً إلى أنه إذا كان الغرض من وراء الوثيقة تضييق الحرية على الإعلام وممارسيه فلن يرضى بها أحد، أما إذا كان المراد التنظيم فإنه لا يعترض عليه أحد.
واتفقت أبو العزم مع الجميع في أنه بات من رابع المستحيلات أن تتحكَّم حكومة أو نظام ما في حرية الإعلام في ظلِّ عصر التكنولوجيا الذي يعيش فيه العالم، لافتةً النظر إلى أن الإنترنت والفضايئات جمَّدا أيَّ تحرُّك غير طبيعي من القوانين الوضعية ضد الفضائيات، موضِّحةً أن قناة (العربية) على سبيل المثال تمتلك موقعًا إلكترونيًّا وقناةً فضائيةً، كلاهما له روَّاده.
وأشارت أبو العزم إلى أن المسألة بسيطة إذا عرف وزراء الإعلام العرب أن جميع الفضائيات لها قواعد مهنية تسير عليها دون وصاية من أحد على أحد، مؤكدةً أن ما يحدث يعدُّ وصايةً على مشاهد بات لديه نضجٌ كافٍ!!.
كيفية التنفيذ
![]() |
|
د. صفوت العالم |
من جانبه يرى الدكتور صفوت العالم أستاذ الإعلام بكلية الإعلام جامعة القاهرة أن أيَّ ترويج للتضييق على الحريات الإعلامية من قِبَل الأنظمة هو من قبيل الشعارات غير القابلة للتنفيذ في ظل عصر السماوات المفتوحة والتكنولوجيا، لافتًا إلى أن عصر الرقابة والتضييق لم يعُد له مكان الآن، وأن أي محاولة لذلك ستؤدي إلى رجوع السهم في صدر راميه!!.
وأضاف د. العالم أنه كان يتمنَّى أن يرى حوارًا عامًّا داخل المجتمع حول هذه الوثيقة قبل صدورها المفاجئ حتى تتبلور رؤية شاملة ومتكاملة حولها، موضحًا أنه لا خلاف مع أحد حول أهمية تنظيم البث الفضائي، وتدعيم الحريات الإعلامية في كل المجالات، وفق القواعد المهنية والأخلاقية لصالح المجتمع، إلا أن بنود الاتفاقية تشير إلى أن هناك تركيزًا على أشياء معينة وإهمال أخرى دون إبداءٍ لأي أسباب.
وتساءل د. العالم: أين البنود التي تتصدَّى لقنوات الشعوذة والدجَل والأبراج والمسابقات الوهمية، والتركيز على جسد المرأة كسلعة في الإعلانات والبرامج؟! ولماذا التركيز على الفضائيات الإخبارية دون غيرها؟!
![]() |
|
د. عبد المنعم أبو الفتوح |
ويصف د. عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين الوثيقةَ بأنها وثيقةٌ بوليسيةٌ، تدلِّل على أن العقليات الحاكمة تصرُّ على استمرار قمع حرية الرأي والتفكير، وتتخيَّل أن التفكير البوليسي من الممكن أن يكون حلاًّ للتضييق على الآراء المعارضة.
وأشار إلى أن الوثيقة تعدُّ بجدارة سباحةً ضد التيار في ظل التقنية الحديثة التي فتحت الأجواء لتواصل الناس، وانتهاكًا جديدًا لحقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن الوهم قد بلغ مداه مع الأنظمة حتى وصل إلى اعتقادهم أن الوضع من الممكن أن يتغير.
وانتقد أبو الفتوح وجود وزارات إعلام عرب قائلاً: "هذه الوزارات علامة على الاستبداد والرأي الواحد والاحتكار للرأي، ولم يوجد لها مثيل في الدول الديمقراطية المحترمة"، مضيفًا أن الفضائيات قد كسرت حالة الاحتكار الحكومي والاستبداد.
وشدد على أن ما يحدث من قِبَل وزراء الإعلام العرب هو قمة الغباء السياسي الذي لا يوجد له مثيل في العالم؛ لكونهم لن يستطيعوا خنق الحريات الإعلامية على الإطلاق، مشيرًا إلى أن الوثيقة لا قيمة لها ولن يكون لها أي قيمة إلا عند من أصدرها.
توجه ضد السياسة
يؤكد عبد الله السناوي رئيس تحرير صحيفة (العربي) المعارضة أن إصدار الوثيقة يعدُّ نكبةً عربيةً للحريات الإعلامية، في محاولةٍ لإحكام قبضة الحكومات العربية على الإعلام، وبخاصة البرامج السياسية والوثائقية، مشدِّدًا على أن الكلام القادم حول الوثيقة لن يتطرَّق للعرْي والخزعبلات، وسيركِّز أكثر على البرامج السياسية لتقديم حصانة لرموزه والقضاء على إنجازات الفضائيات في مجال الحريات.
![]() |
|
عبد الله السناوي |
وأشار إلى أن الوثيقة هي سباحة ضد العصر وثورة المعلومات وآلياته تسبِّب خسائر أدبية وإعلامية واقتصادية للإعلام العربي الرسمي، وبخاصة مدن الإنتاج الإعلامي، مؤكدًا أن روح الرقابة التقليدية لن تفيد أحدًا في عصر جديد مليء بأقمار في كل مكان وإنترنت.
وانتقد السناوي تحوُّل وزراء الإعلام إلى وزراء داخلية، قائلاً: رغم تحفظي على وضعية وزير الإعلام، إلا أن الواقع يشير إلى أن الوظائف قد تدخَّلت بين وزراء الإعلام والداخلية في الأوطان العربية حتى تشابهت عباراتهم ومفاهيمهم، وأصبحنا لا ندري من وزير الداخلية ومن وزير الإعلام!!.
وتوقَّع السناوي أن تكون الحرب القادمة موجّهةً بعنف إلى الصحافة المستقلة والحرة، وفرض قيود جديدة على العمل السياسي، مشيرًا إلى أن الوضع سيسير هكذا حتى تأخذ القوى السياسية قرارًا بالتحرك.
![]() |
|
خليل العناني |
ويتفق خليل العناني الباحث في الشئون السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في وصف الوثيقة بأنها "وثيقة وزراء الداخلية العرب"، مشدِّدًا على أنه ليس غريبًا أن تصدر مثل هذه الوثائق، طالما لا يوجد حريات سياسية ولا إعلام حر.
وأكد أن ما حدث يعبر عن توطن الاستبداد والتسلُّط والانغلاق في الوقت الذي يتجه العالم إلى الانفتاح والحرية، متعجِّبًا من العقلية التي تفكر في مثل هذه الاتفاقيات التي يتخيَّل من كتبها أنها تخدم الأنظمة وتكمِّم الأفواه وتمنع الآراء المختلفة.
وأشار إلى أن الوثيقة تمثل عودةً إلى الوراء واستمرارًا للجمود والنهج القمعي وعدم القدرة على الرأي الآخر، مؤكدًا أن الخاسر الوحيد من ذلك هو الأنظمة العربية، وأن أي محاولة بالرجوع بالزمان إلى عهود "غسيل المخ" هي محاولة حمقاء لا تنمُّ عن أي ذكاء سياسي أو ممانعة سياسية.
وتوقع العناني ألا يكون هناك أيُّ تأثير من الناحية العملية على حرية الإعلام، في ظل وجود فضاء لا تمتلكه حكومات عربية على الإطلاق، وتدخل التكنولوجيا بأدواتها التقنية التي تقهر التضييق.




