المهندس صادق الشرقاوي
حين تراه وتجلس معه وتتجاذب معه أطراف الحديث وتتعرَّف على جذوره الريفية تخرج عنه بانطباع واحد؛ ألا وهو أنك أمام عُمدة عظيم من عُمَد أيام زمان، الذين كانوا محلَّ إجماع القلوب واحترام النفوس ومهابة الجانب..
إنه أ. صادق الشرقاوي، وهو أبٌ لثلاثة أبناء وثلاث بنات، وهم جميعًا عنوان الشهامة والكرامة التي ورثوها عن أبيهم، وكلهم إما خرِّيجون أو جامعيون.
أول ما لفت نظري في أ. صادق الشرقاوي هو أنه حين كنا في محكمة الجنايات حيث قضية غسيل الأموال، حكَم المستشار عادل عبد السلام باستمرار التحفُّظ على أموالنا دون أن يسمع مرافعةً أو دفاعًا، فانطلقت صيحاتُنا بالهتاف حول معاني إصرارنا على نصرة الإسلام والثبات على الحق، وجدتُّ أول ما لفت نظري في أ. صادق الشرقاوي أنه لا يهتف معنا، فلما تأمَّلت في وجهه وجدت أن الدموع التي تنساب من عينيه تأثُّرًا بالهتاف هي التي حالت دون أن يهتف معنا، وتكرَّر الأمر منه كثيرًا؛ فحينما اشتدَّ مرض د. عصام حشيش ونحن في المحكمة وجدت دموعَه تسيل بغزارة حزنًا على أخيه، فعلمت- بل أيقنت- بما يحمله قلب هذا الرجل من عاطفة جياشة نحو الجميع.
يسكن الأستاذ صادق في مدينة نصر، ورغم ما يغلب على هذه الأماكن من عدم اختلاط الناس ببعضهم وانعزالهم عن بعضهم البعض، إلا أن الأستاذ صادق- كما يقول جيرانه وبعضهم محبوس معنا ظلمًا مثلنا- يعرف كلَّ من معه في العمارة وكل ساكني الشارع وكل أصحاب المحلات، يقطع المسافة التي نقطع في دقائق في أكثر من ساعة؛ لأنه يسلِّم على هذا وذاك، ويسأل من يقابله عن أحواله، ومن كانت له مشكلة يسمع إليه ويجتهد معه في حلها.
لذلك اختاره إخوانه في هذه "الحبسة" أن يكون القلب الكبير؛ فكل من تلمُّ به مشكلة شخصية ويستحيي أن يعلنها أو يريد حلّها، فليكن صاحب القلب الكبير الأستاذ صادق الشرقاوي هو الصدر الحنون لهذا الأخ.. يسمع منه وإليه، ولا يتأخَّر عن إخوانه؛ فهو جليس الكل وحبيب الكل.
سمعت تهنئة بعض الإخوة إليه، فسألت: لِمَ التهنئة؟ قالوا: لقد أتمَّ الأستاذ صادق أربعين يومًا لم يتخلَّف عن تكبيرة الإحرام فيها؛ عملاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لتُكتب له براءتان: براءة من النفاق، وبراءة من النار.
ما قدَّمتُه غيضٌ من فيض من شخصية هذا الأخ الكريم الخلوق، وأنتقل معكم إلى جانب من جوانب شخصيته: إن الأستاذ صادق الشرقاوي هو أحد علماء الكمبيوتر الذي درسه في إنجلترا، وهو خامس خمسة على مستوى العالم قاموا بتعريب برمجة الكمبيوتر، وقاموا بتصنيع كمبيوتر ببرامج عربية، ولولا هذا الجهد من هذا العالم وزملائه لظل الكمبيوتر قاصرًا على متحدِّثي اللغات الأجنبية.
وهو أيضًا ذو خبرة كبيرة في حساب تكلفة مراكز الاتصالات، وهو خبير معتمد لدى شركة "ألكا تل" الفرنسية؛ حيث يطلبونه كخبير استشاري في كثير من المشاريع التي يريدون تنفيذها في أماكن عديدة من العالم، وهو مع درجة تفوُّقه العلمي لا تشعر وأنت تجالسه أنك تجلس مع خبير دولي، بل مع صديق رقيق أو أب حنون أو أخ كريم، إنه حقًّا عالم متواضع.
هذا هو الأستاذ صادق الشرقاوي، العالم النّحرير، والخبير الكبير، يجلس معنا في زنزانةٍ قلَّما يدخلها الهواء، وتخاصمها الشمس، ويتحكَّم فينا عسكري أو شاويش لا يحسن القراءة والكتابة، ثم نسأل لماذا تتخلَّف مصر عن الركب ولا نساير التقدم التكنولوجي المتسارع؟!
أقول لك: لأن العقلية التي تحكمنا هي التي وضعت الأستاذ صادق الشرقاوي وأمثاله في السجن!!.