- حمدي عبد العظيم: يمثلون قنبلةً موقوتةً مهددةً بالانفجار في أي لحظة

- الولي: التعويل على الحكومة لحل الأزمة فشل والمميزات هي الدافع لتثبيتهم

- جهاد صبحي: الرشاوى الانتخابية وامتصاص الغضب الشعبي هو السبب

 

تحقيق- خديجة يوسف

ساعات قليلة وينعقد المجلس الأعلى للأجور برئاسة الدكتور عثمان محمد عثمان، وزير التنمية الاقتصادية، وسط حالةٍ من الغضب الشعبي والاحتجاجات العمالية التي تسود الشارع المصري على مختلف مستوياته؛ بسبب حُمى ارتفاع الأسعار التي طالت كل شيء، يقابلها تدنٍّ سافرٌ في أجور كافة العاملين بالجهاز الإداري للدولة لا يتناسب مطلقًا مع الارتفاعات المتوالية لأسعار السلع والمنتجات الرئيسية التي يعتمد عليها المواطن بشكلٍ يومي في احتياجاته الحياتية.

 

ويعد الضعفاء أصحاب الشريحة الأكبر للعمالة المؤقتة في مصر، وهم يشكِّلون بكل اقتدار أعضاء نادي الفقر الكبير الذي بدأ يمتدُّ ليشمل قطاعاتٍ عريضةً ومهنًا كثيرةً؛ حيث تأتي مصر ضمن الدول ذات التنمية البشرية المتوسطة وترتيبها 127 من بين 177 دولة، يشملها دليل التنمية البشرية، ويكفي أن نعرف أنه من بين الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة يأتي الكيان الصهيوني في المرتبة 22 والبحرين 40 والكويت 44 وقطر 47 والإمارات 49 وكوبا في المرتبة 52، رغم أنها محاصرة اقتصاديًّا منذ الستينيات، كما تسبق مصر بين الدول المتوسطة التنمية البشرية الجماهيرية الليبية والبوسنة والهرسك وفنزويلا والبرازيل ولبنان وجزر فيجي والمالديف وتركيا ثم الأردن وتونس والصين وسري لانكا وإيران والأراضي الفلسطينية المحتلة، رغم كل معاناة الشعب الفلسطيني، والسلفادور وغينيا وسوريا والجزائر وإندونيسيا وفيتنام وهندوراس ونيكارجوا، ثم تأتي مصر في المرتبة 127.

 

ولعل زيادة الفجوة في مصر بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، واستمرار ارتفاع الأسعار بشكلٍ مقلقٍ يعكس حالة الغضب والاحتجاجات التي زادت وتيرتها خلال الأشهر الماضية، وتمحورت جميعها حول قضايا الأجور في ظل غياب دور المجلس الأعلى للأجور، والأسعار الذي تمَّ تشكيله تنفيذًا لنص قانون العمل المُوحَّد لتحديد حدٍّ أدنى للأجور، وتحديد قيمة العلاوة السنوية، ولكنه لم يجتمع، ولو مرةً واحدةً منذ تأسيسه عام 2003م وحتى الآن.

 

وتشكِّل العمالة المؤقتة أيضًا إحدى مسببات الحركة الاحتجاجية، بعد أن أصبح الآن في مصر نحو نصف مليون يعملون بعقود مؤقتة في الحكومة، وأكثر من 50 ألفًا في قطاع الأعمال ذلك بخلاف وجود عمال بلا عقود عمل في شركات القطاع الخاص، وهو ما يعكس خللاً واضحًا في علاقات العمل يتم في ظل غيبة كاملة لأجهزة الرقابة، وبدلاً من التصدي لهذه الظاهرة تسعى الحكومة لتمرير قانون الوظيفة العامة الذي سيحوِّل 5.5 ملايين موظف إلى العمل المؤقت، وهو ما يعني وجود 5.5 ملايين قنبلة موقوتة على وشك الانفجار في وجه حكومة الحزب الوطني.

 

وهذا جعلنا نتساءل: ما الأسباب وراء تعيين الموظفين تحت هذا المسمَّى "العمالة المؤقتة"؟ وهل الحكومة تسعى للتخلص من العمالة المؤقتة؟ وما هي السبل التي يجب أن يتبعها هؤلاء الموظفون في حالة استغناء الدولة عنهم؟ وما هي الحلول الاقتصادية لهذه الأزمة؟!

 

(إخوان أون لاين) يجيب عن هذه الأسئلة الشائكة من خلال لقائه بعددٍ من خبراء وأساتذة الاقتصاد في مصر من خلال التحقيق التالي:

 

 

د. حمدي عبد العظيم

بدايةً يقول د. حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا: إن الحكومة ترى أن العمالة أكثر من الاحتياجات، وبالتالي تحاول أن تتخلَّص من فائض العمالة، وأسهل شريحة يمكن التخلَّص منها هي العمالة المؤقتة، فهم الذين يتم تجديد عقودهم كل سنة، فإذا افتعل أحدهم أيَّ مشاكل أو اعتراضات يمكن إنهاء عقده بسهولة.

 

وأضاف د. عبد العظيم أن العمالة المؤقتة ليس لها أي بند في الموازنة؛ فبعضهم معيَّن على وحدات ومشروعات خاصة، ومنها بند المعونة الأمريكية، كما أن كل العمالة المؤقتة لا تحصل على مرتباتها من خزانةِ الدولة، مؤكدًا أن موظف العمالة المؤقتة ضعيف، لا حولَ له ولا قوة، ولا تُنصفه أي مواد قانونية، اللهم إلا العمالة المؤقتة المعينة على موازنة الدولة فهم لهم حق التعيين بعد ثلاث سنوات.

 

محاولة للتطفيش

وأشار د. عبد العظيم إلى أن قانون التوظيف الجديد كان يسعى لجعل كل الموظفين مؤقتين، ويكون للعمالة المؤقتة نفس مزايا المثبتين من قِبل الحكومة، إلا أن هذا القانون رُفِضَ من قِبل مجلس الدولة والنيابة الإدارية وكل وسائل الإعلام، فتمَّ سحبه قبل مناقشته في مجلس الشعب، لافتًا إلى أن اعتصامات الجامعة العمالية وجامعة عين شمس خلال نهاية العام المنصرم تؤكد أن العمالة المؤقتة على صفيحٍ ساخن، وأنها على وشكِ الانفجار في أي لحظة إذا لم تتوصل الحكومة إلى حلٍّ لهذه المشكلة، خاصةً مع قرب انعقاد المجلس الأعلى للأجور الذي سيبحث مثل هذه الأمور.

 

وأكد د. عبد العظيم أن سحب كل المزايا من يد موظفي العمالة المؤقتة بمثابة جعل العمالة المؤقتة كالقنبلة الموقوتة، فهم مهدَّدون بالتشريد في الشارع، خاصةً أن كثيرًا منهم عمالة زائدة، والمشروعات التي عملوا فيها قد انتهت، فيبدو أنها محاولةٌ من الحكومة للتطفيش، على حدِّ تعبيره!!.

 

تسكين للغضب

 الصورة غير متاحة

ممدوح الولي

ويخالفه في الرأي الخبير الاقتصادي ممدوح الولي نائب مدير تحرير جريدة (الأهرام)؛ حيث طالب بعدم تدخل العواطف في حل مشكلة عميقة كالعمالة والبطالة، والتي لها آثار اقتصادية كثيرة على التنمية الاقتصادية في مصر.

 

موضحًا أنه إذا نظرنا إلى الأمر نظرةً منصفةً وواقعيةً وليست عاطفيةً نجد أن الدولة تئنُّ من العمالة الزائدة؛ فعدد العاملين في المصالح الحكومية 5.5 ملايين، وعمال القطاع الخاص حوالي مليون موظف ليصبح إجمالي العدد 6 ملايين ونصف المليون، وهو عدد زائد في العاملة يؤدي إلى زيادة في البيروقراطية.

 

ويرى الولي أن الرشد الاقتصادي يقتضي ترشيد هذا العدد الهائل من العمالة، مشيرًا إلى أن العمالة المؤقتة تتم في أيام الانتخابات لامتصاص الغضب الشعبي، وهذا يضر بالاقتصاد والموظفين أنفسهم، على حدِّ قوله؛ لأن تعيين موظفين جدد يحُول دون زيادة الأجور للعاملين الأساسيين، وبالتالي لا تستطيع الحكومة زيادة المرتبات.

 

وأكد الولي أن الاتجاه الرشيد يقتضي أن تُخفَّض هذه الأعداد، وأن يتجه هؤلاء العمال إلى القطاع الخاص ومجالات الإنتاج المختلفة؛ حتى نتمكَّن من الاستفادة من هذه الأعداد المختلفة، مؤكدًا أن التعيين الحكومي عبارة عن تسكين لامتصاص الغضب الشعبي، وأن مثل هذه المسكنات ضارَّة جدًّا بالاقتصاد القومي، وأنه يجب علينا أن ننظر إلى الأمام ولا ننظر تحت أقدامنا.

 

وأضاف الولي أنه إذا كان سحب الامتيازات من بين أيدي العمالة المؤقتة نوعًا من أنواع فرض سيطرة الحكومة للتخلص منهم، فيجب عليهم أن يسلكوا مسالك إنتاجية أخرى تضيف للناتج الإجمالي، إلا أن الموظفين يبدو أنهم يرون أن العمل الحكومي سهلٌ جدًّا بدعوى أن فيه تأمينًا صحيًّا وإن كان الأجر أضعف!!.

 

وطالب الولي بأهمية تغيير مسارنا إلى العمل الحر والخاص لأنه يؤدي إلى زيادةٍ في الطاقة الإنتاجية، ومن ثَمَّ يقلل من زيادة الأسعار والاستيراد معًا، مشدِّدًا على ضرورة أن ندخل سوق العمل بعد أن أصبحت الحكومة عاجزةً عن توفير هذا الكم الهائل من الوظائف، ونترك جانبًا النواحي العاطفية والاجتماعية، وأن ننظر إلى الإصلاح نظرةً ثاقبةً حتى نخلع عباءة الاحتياج والفقر والتأخر المستمر.

 

واقترح الولي عدة أمور لتنشيط مناخ العمل الحر، وهي: الفرص الميسرة، وتدريب مناسب للعاملين، وخدمات مصاحبة أثناء تحويلهم إلى القطاع الخاص، ووضع حوافز ضريبية لمَن يقوم بتعيين عددٍ من العمالة في مصنعه.

 

مشكلة الحكومة

أما د. جهاد صبحي، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر، فأكد أن الحكومة تعاني من مشكلة كبيرة وهي انخفاض الطاقة الإنتاجية لكافة قطاعات الاقتصاد القومي؛ مما يؤدي إلى زيادة معدلات البطالة، خاصةً أن الحكومة ليست في احتياجٍ إلى عمالةٍ جديدة.

 

وأضاف د. صبحي أن العمالةَ المؤقتة الهدف منها سياسي بحت ألا وهو إشعار الشعب بأن الحكومة مهتمة بايجاد فرص عمل، وخاصةً أن معظم العمالة المؤقتة ترتكز في الوظائف المساعدة، وليست الأساسية، وبالتالي يمكن التحكم فيهم من خلال خفض المرتبات والحوافز أيضًا.

 

وأشار إلى أن الحكومة تعجز عن توفير الموارد المالية للعمال المؤقتة، بالرغم من أن الأعمال التي يقومون بها أعمالاً أساسيةً، ويقومون بالأعمال الموكلة إليهم وإن كانت غير ذلك لقامت الحكومة بتسريحهم، ولكنها تراعي الجانب الاجتماعي.

 

وأوضح د. صبحي أن مصر يوجد بها أكثر من 7 ملايين عاطل، وليس كما تدعي الحكومة 2 مليون فقط، هذا فضلاً عن أن 950 ألف فرد يدخلون سوق العمل سنويًّا، ولا يجدون فرصًا مناسبةً، كما أن البنك الدولي قد أعلن أن نسبة البطالة في مصر تتراوح في مصر بين 27%- 30% على عكس ما تعلنه الحكومة من أنها 2% فقط، مؤكدًا أن أرقام الحكومة يمكن أن يطلق عليها أرقامًا سياسيةً لا تُعبِّر عن الواقع من أجل حفظ ماءِ وجه النظام، مضيفًا أن خير دليلٍ على عدم اهتمام الدولة بالعمالة المؤقتة هو ما حدث مع موظفي جامعة عين شمس؛ حيث إنَّ رئيس الجامعة تعامل معهم بشكلٍ غير إنساني، وألقى عليهم ألفاظًا بذئيةً؛ مما أدَّى إلى ثورة العمال عليه لولا تدخل رجال الأمن الذين أخرجوه من بين ثورتهم سالمًا، ولو كان هؤلاء العمال كما تدعي الحكومة لديهم مصادر أخرى للرزق، لماذا يتحملون كل هذه المعاناة، ويلجئون للاعتصامات، وغيرها لزيادة أجورهم؟ فهذا بالفعل هُراء حكومي.

 

وشدد على أهمية وجود حل لهذه الأزمة الاقتصادية التي قد تؤدي لثورةٍ كبرى. مقترحًا أن يتم السعي لزيادة النمو الاقتصادي، وتحقيق العدالة في توزيع الناتج القومي الإجمالى؛ بحيث لا يستفيد منه رجال الأعمال فقط، وزيادة معدلات الادخار والاستثمار القومي؛ وذلك يؤدي إلى إنشاء العديد من المشروعات والمؤسسات التي تستوعب أعدادًا كبيرةً من العمالة، وكذلك الاهتمام بالمناطق الصناعية الجديدة وتنشيط الصادرات وتقليل الوردات، وترشيد نفقات الحكومة؛ لأن المصاريف الزائدة تؤدي إلى عبء على الموازنة العامة؛ مما يقلل حجم الأموال الموجهة للاستثمار؛ كما أن زيادة الاستثمار الحكومي يؤدي لاستقطاب قطاعٍ عريضٍ من العمالة.

 

وطالب د. صبحي الحكومة بأن تقر بأن لها دورًا في الاقتصاد الرأسمالي، ويجب عليها ألا تتخلى عن مسئوليتها في القيام بدورها في هذا الصدد؛ لأن معظم الحكومات في الدول الرأسمالية لها دور إيجابي ودور سلبي، فلا بد أن تقوم بالدورين معًا، ولتتذكر الحكومة جيدًا مقولة الاقتصادي الشهير "كنز" وهي أنه "لا بد أن يكون للحكومة دور في النشاط الاقتصادي، وأن تهتم بتحقيق العدالة الاجتماعية باستخدام السياسة النقدية والمالية أيضًا".

 

انتظار طويل

من ناحيته شدد د. محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للدراسات الاقتصادية بجامعة الأزهر، على ضرورةِ أن يحصل موظفو العمالة المؤقتة على حقوقهم كاملةً، مؤكدًا أنَّ مَن يفعل عكس ذلك يُعتبر مخالفًا لتعليماتِ وزير المالية، ومن العدل أن تحصل هذه العمالة على حقوقها كاملةً.

 

وأضاف د. عمر أن الدولة لا تسعى- إن عاجلاً أو أجلاً- لتثبيت العمالة المؤقتة؛ لأنها تئنُّ من العمالة الزائدة، فالدولة لم يعد لها دور في حياة أفرادها، ومن يعتمد على الدولة في تعيين أو شيء من هذا القبيل فسينتظر كثيرًا.

 

وأكد د. عمر أن الدولة تعاني من مشاكل عدة أهمها البطالة، فهي تقوم بتشغيل العمال بعقود مؤقتة حتى تهرب من مسئوليات عديدة تجاههم، وحتى يكون متاحًا لديها التخلص منهم في أي وقت.