حظيت تحركات حركة حماس الأخيرة واتصالاتها الماراثونية ضمن النطاق العربي، وخصوصًا محورا (الرياض والقاهرة) فيما يخص حصار غزة، بالكثير من الدلالات التي يتعيَّن قراءتها والتمعُّن فيها، وخصوصًا من لدن أصحاب مناهج التشكيك ببوصلة الحركة ومدى قدرتها على الاعتماد على الخاصرة العربية، واعتبارها مرجعيةً رئيسةً فيما يخص شئونها ومسارها ورسم سياساتها الرئيسة.
فمَن تابع جملة الاتصالات والزيارات التي قامت بها الحركة منذ بدء الحصار؛ يدرك بصورةٍ بارزةٍ نهجَ الحركة في الركون إلى الحضن العربي (الرسمي والشعبي) لإيجاد صِيَغٍ وحلولٍ لمشكلة الحصار وغيرها، رغم حالة الصدود التي اعترت- وما تزال- مواقفَ الكثير من الأنظمة العربية ممن ساهمت، إما عمليًّا أو ضمنيًّا، في الإبقاء على نير الحصار رازخًا على رقاب "الإخوة الفلسطينيين"؛ استجابةً إما لحالةِ خصومةٍ مع "حالة المقاومة كمقاومة"، وإما لدوافع التبعية المباشرة وغير المباشرة للقرار الأمريكي و"الإسرائيلي".
ثمَّة حاجة فعلية ماسة اليوم لإعادة صياغة الموقف العربي الرسمي تجاه حركة حماس، التي مدَّت أذرعها وفتحت صدرها وقلبها للعمق العربي أن يشاركها محددات وجودها ومستقبل سياستها، بعد كسبها ثقةَ الشارع الفلسطيني، بعيدًا عن حساسيات التناقض الأيديولوجي أو مربع الضغط الخارجي.
ثمَّة حاجة فعلية حقيقية اليوم لصياغة قراءة عادلة بعيدة عن الإسقاط العاطفي إن لم يكن من قبيل التعاطي مع الواقع وإفرازاته في غزة والشارع الفلسطيني ومن بعده العربي، فليكن على قاعدة الحقوق الشرعية للشعب والقضية الفلسطينية التي أكَّدتها المواثيق الدولية ومن قبلها مواثيق "الدم والأخوَّة والعروبة والدين".
إن الملاحِظ لحراك الحركة الخارجي منذ إعلان انطلاقتها عام 1987م، يلمس بحياد المتابع أنها ترتبط مع جميع الدول العربية والإسلامية بمنظومة أسس مفتوحة ومنضبطة لا تترك مجالاً لأي فراغاتٍ غير مفهومة؛ مما يجعل من إمكانية بنائها أمرًا ممكنًا يمكن الأخذ به دون إشكالات.
إن الظرف الحالي يُعدُّ مثاليًّا إلى حدٍّ واسعٍ لتقديم قراءةٍ جديدةٍ في التعاطي مع حركة حماس؛ فالمشروع الأمريكي يعيش حالةَ إخفاقٍ مشين في العراق وفشلٍ قاسٍ في أفغانستان، والمطالب الفلسطينية لم تشهد ترنُّحًا ضمن نطاق التأييد الدولي في ركائزها ولُبِّها- وخصوصًا قضيتا القدس واللاجئين- أكثر انحدارًا مما تعيشه اليوم، والشعوب العربية والإسلامية أظهرت تضامنًا فعالاً يمكن الاستعانة به في وجه أية ضغوط من شأنها عرقلة أي شكل من أشكال الانفتاح، والكيان الغاصب يعيش أزمةً داخليةً عميقةً من شأنها بروز نتوء وانقسامات ارتدادية مضعِفة لحضوره داخليًّا وإقليميًَّا لا نهايةَ لها.
إن تناول شكل العلاقة من زاوية المصالح العربية العليا والواجب القومي والإسلامي تجاه القضية الفلسطينية، من شأنه إيجاد توافقات عليا تخدم مختلف الأطراف دون وضع أي منهما في خانة الحرج السياسي، توافقات يمكن تلزيمها ضمن رزنامة سياسية بحتة محيَّدة عن الإسقاطات والمؤثرات الأيديولوجية للحركة وفكرها، أو موازين التحالف الدولي ومعادلاته الإقليمية بالنسبة للأنظمة؛ ما يمكِّن من بناء رؤى موضوعية من شأنها الوصول لحالةٍ معقولةٍ من الفهم الشمولي لطبيعة العلاقة ومستقبلها، بعيدًا عن المهيِّجات، تخدم في إطارها الجامع مستقبلَ الشعب والقضية.
إن وجود روابط مفصلية ومحددات معلومة ومضبوطة في البناء الفكري لحركة حماس صوب القضية الفلسطينية، والتي لخَّصتها الحركة في ميثاقها، من شأنه إعطاء مساحة أكبر لفهم الحركة بوضوح- بعيدًا عن حالة التلون أو التغير في المسار- لا يترك مجالاً أمام أي نظام عربي أن يخشى من حالة التلون السياسي أو الفكري وفقًا للمصالح الضيِّقة أو الأهواء؛ فالبناء التاريخي والأيديولوجي للحركة منذ نشوئها لم يتغير- ضمن مربع الثوابت- بخلاف غيرها ممن بدَّل وغيَّر ورهن مستقبل القضية والشعب بسلسلةٍ طويلةٍ من الاتفاقات والتنازلات أصبح فيها الثابت متغيِّرًا والمتغير ثابتًا.
ويمكن تحديد الأطر الإيجابية لعلاقة الحركة مع مختلف الدول العربية، والتي يمكن أن تكون أشبه بـ"الوسادة الصحية" لعلاقة المستقبل ضمن الاعتبارات التالية:
أولاً: لا تزال الحركة تؤكد التزامها الكامل باحترام سيادة الدول العربية، وعدم التدخُّل في شئونها الداخلية، وعدم إحراجها لا على المستوى الداخلي ولا الخارجي، وما زالت بمنأى عن لعب دور الاصطفاف بأية قضايا داخلية لأي نظام عربي، فضلاً عن استمرار تأكيدها احترامَها قراراتِ الدول المتعلقة بالقضية الفلسطينية حتى لو عاكست فكرها ونهجها ومسارها.
ثانيًا: حماس حركة موحَّدة لم تستنفد بعد قواها، وهي حركة شابَّة بكل المفاهيم والمقاصد، ولم تتحوَّل إلى أجنحة وقيادات ومراكز قوى ذات صلات إقليمية متعددة تهدِّد وحدة قرارها التنظيمي واستقلاليَّته، فضلاً عن كونها حركةً شعبيةً مستقلةً لم تغرق في التزامات متعارضة، ولم تتعرَّض للاختراق الأمني أو السياسي من قِبل الأمريكيين أو "الإسرائيليين" أو سواهم.
ثالثًا: لا ينتهج إعلام الحركة الدخولَ في أية مهاترات إعلامية ضد أي نظام عربي، حتى تلك التي ناصبت الحركة العداء الخفي والمعلن، وسخَّرت طاقاتها وأجهزتها الإعلامية للتشكيك بمسار الحركة وتشويه سمعة نضالها؛ فإعلام الحركة ما يزال يستخدم لفظ "الأخوة العرب، والعمق العربي، والامتداد الطبيعي للقضية.. إلخ"، ولم تُسخَّر أداة الحركة الإعلامية على اختلاف أشكالها ووجودها إلا لخدمة القضية بعيدًا عن الانفعال أو الافتعال أو التراشق الإعلامي مع هذا البلد أو ذاك.
رابعًا: تنظر حماس في مشروع تحرُّرها وأيديولوجية حراكها للقضية الفلسطينية على أنها "قضية فضاء عربي وإسلامي مفتوح، وليست قضيةَ جغرافيا تخص شعبًا دون غيره أو فئةً متحكِّمة تستأثر بمستقبل القضية دون غيرها"؛ ففلسطين- بنظر الحركة- هي وقف إسلامي لجميع المسلمين، والصراع مع الكيان الغاصب يُعدُّ صراعًا شموليًّا مفتوحًا لا يخص مذهبًا أو شعبًا دون غيره، بل يقع واجب إزاحته الشرعي والأخلاقي على كل مكونات الأمة الإسلامية.
تقول المادة (14) من ميثاق الحركة: "قضية تحرير فلسطين تتعلق بدوائر ثلاث: الدائرة الفلسطينية، والدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، وكل دائرة من هذه الدوائر الثلاث لها دورها في الصراع مع الصهيونية، وعليها واجبات، وإنه لمن الخطأ الفادح والجهل الفاضح إهمال أي دائرة من هذه الدوائر".
خامسًا: لم تقطع الحركة، حتى في أحلك ظروف الحصار والتآمر الدولي على القضية، واتهام مقاومتها وجهادها المشروع ضد المحتل بالإرهاب، ومحاصرة وجودها ومصادر إمدادها، وتغذية خصومها من قِبل بعض الأنظمة العربية بالمال والانفتاح والدعم السياسي واللوجستي والعسكري، وإغلاق كثيرٍ من أبواب العواصم العربية في وجه تحرُّكها، واتباع عواصم أخرى سياسة "التجويع من أجل التركيع" بعد فوزها شعبيًّا، لم تقطع رغم كل ذلك خيوطَ ارتباطها واحترامها وعلاقاتها مع جميع الدول العربية، (حتى الأردن التي طَردت قادتها واتهمتها بتهريب السلاح لفلسطين، واعتقلت بعضًا من كوادرها، خاطبها مشعل: أمن الأردن بالنسبة لـ"حماس" هو خط أحمر؛ ليس انطلاقًا فقط من محبتنا لهذا البلد واحترامنا للشقيق الذي تحمَّل معنا الآلام وحمل معنا نتائج الكارثة واستضاف قسمًا كبيرًا من شعبنا كريمًا عزيزًا، ولكن أيضًا انطلاقًا من تحليلنا بأن أي ضعفٍ يلحق بالدولة الأردنية يضر بالقضية الفلسطينية، ويصبُّ في مصلحة "إسرائيل".
سادسًا: مُنحت شهادة الميلاد الأولى الأكثر بروزًا لجسم الحركة الخارجي "المكتب السياسي" في العاصمة الأردنية عمان أوائل التسعينات (عاصمة عربية)، وشكَّلت دولٌ مثل فلسطين والكويت والأمارات والأردن (دول عربية) محاضن الولادة والنشأة والتربية الدعوية والسياسية لقيادات الداخل والخارج؛ ما يعزِّز فكرةَ النشأة السليمة والنمو العربي الطبيعي لجسم وعظم الحركة.
سابعًا: التشكيل الابتدائي المالي "الرئيسي" لتنفُّس الحركة كان- وما زال- مالاً عربيًّا شعبيًّا بامتياز؛ فليس للحركة مصادر إمداد من دول وعواصم غربية، بل غُذِّيَ بشكلٍ كاملٍ عبر مساهمات القطاع الخاص في دول الخليج والمحيط العربي؛ وهو ما مكَّن الحركة وهياكلها من إشباع حالة "الاستقلالية التامة" في آلية اتخاذ القرار وبناء بوصلة حرة أبعدتها عن التبعية لصاحب كيس المال، وهذا يسهِّل بناء توافقات عربية رسمية بعيدة عن أية مخاوف أو إرهاصات.
ثامنًا: إن تقبُّل الشعوب العربية لمنهج الحركة وسياسة حراكها في إدارة صراعها، فضلاً عن تخوم شعبيتها المترامية في جميع الدول من شأنها أن تؤسِّس لحالة توافقٍ سياسي طويلة المدى، ترتكز فيه الأنظمة العربية على هذه الحالة من القبول والرضا الشعبي للحركة، بل من شأن هذا الانفتاح أن يوسِّع من دائرة التقارب بين الأنظمة وشعوبها؛ فالأمة تتوق لحالة وفاق وانسجام مع أنظمتها منذ عقود طويلة، ولتكن العلاقة مع حماس والمقاومة أولى جسور هذا الانسجام.
تاسعًا: لا تقدِّم حركة حماس نفسَها كممثلٍ وحيدٍ عن الشعب والقضية الفلسطينية، ولا تتحدث اليوم بلغة "أنا القضية والقضية أنا"؛ فهي ما تفتأ تذكر عند كل موطن أنها تيار شعبي مقاوم لديه الاستعداد الحركي والنفسي والحقيقي للتشابك مع تيارات أخرى؛ للوصول إلى حالة صفاء وطني لتحقيق المأمول.
عاشرًا: لم يحفل تاريخ الحركة منذ نشوئها بأية علاقة دموية مسلَّحة مع أي نظام عربي، ويخلو ملف علاقتها مع أيٍّ من دول الجوار من أية لغة "للعسكرة أو الاحتكام للدم"، وما جرى في غزة كان حدثًا استثنائيًّا تطلبته ظروف قاهرة وضاغطة لا يصلح للتعميم "كمنهج عام وإطار تعامل سياسي"؛ فما جرى كانت له أسبابه ومسبباته المعروفة.
حادي عشر: إن حمْل حماس الطابعَ الإسلامي السني الذي رماه البعض بالتخاذل في مواجهة الظلم والفساد والعدوان، يجعل منها رافعةً تاريخيةً ومثالاً يصلح للاقتداء الإيجابي في ضمير الأمة العربية ووجدانها ضمن هذا المضمار، بل ويرفع حرج النكوص عن أمة العرب جمعاء؛ فالحركة بتراثها الرائع من الدم والشهداء والبطولة والتضحيات حظيت بمكانةٍ في الضمير العربي والإسلامي من طنجا حتى جاكرتا، لم تحظ بها أية حركة أخرى على الإطلاق، كما شكَّلت رافعةً مهمةً للظاهرة الإسلامية برمتها.
إن المطلوب ليس انفتاحًا مشرعًا دون محاضرات أو مهيئات أو أساسات، بل المأمول إيجاد توافق إستراتيجي على الحدود الدنيا للثوابت الفلسطينية التي تمثِّلها وتطالب بها حماس.
إن جُلَّ ما تطالب به الحركة- بحسب ميثاقها وحراكها وسياساتها- ليس انفتاحًا يخدم حضورها أو ينعش خزائنها أو يقوي أطرها التنظيمية وهياكل عملها (كتنظيم)، بل حضورًا وانفتاحًا يخدم لُبَّ القضية برمتها، وينعش عروق صمود شعبها بكل فئاته وتلاوينه وتوجهاته، حضورًا يقدِّم ثوابت القضية بوصفها خطوطًا حُمْر لا يجوز تخطِّيها أو القفز من فوقها تحت أي مسوِّغ كان؛ وبذا يصبح الانفتاح المرغوب عليها انفتاحًا محدَّدًا معروفَ السقوف ومحددَ المساحات والغايات.
إن حاجة حماس ماسَّةٌ اليوم لكل نقطة ارتكاز عربية؛ فالقضية الفلسطينية تعيش حاليًا أكثر مراحل نزفها حرجًا، والحركة ارتضت أن تكون رأسَ حربةِ الأمةِ رغم ما يعتري فارسَ المقدِّمة دومًا من جروح ونتوء غائرة في معركة الصد والمقاومة التي تعيشها الأمة في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي.
-----------
* كاتب فلسطيني