د. الحسيني الجيزاوي

في حوارٍ لأحد وزراء السلطة الفلسطينية بثته قناة (الجزيرة) بعد تلك الأحداث الدامية التي وقعت في غزة والقطاع، حينما هاجمت قوات الاحتلال الأبرياء العزَّل في غزة والقطاع فقتلت وجرحت منهم العشرات، في استباحة واضحةٍ للدم الفلسطيني، كما دمرت مبنى وزارة الداخلية الفلسطيني تمامًا وسوَّته بالأرض، ومداد القلم الذي كُتب به اتفاق (أنابوليس) لم يجفّ بعد، وأول جلسة من جلسات المفاوضات المتفَق عليها لم تكَد تنفضّ.. حتى هاجمت القوات البربرية الهمجية التي لا ترقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمَّةً، فتساقط عشرات الجرحى وارتقى شهداء من بينهم نجل الدكتور الزهار وزير الخارجية في الحكومة المقالة وقائد كتائب سرايا القدس، وفي الوقت الذي كان الرصاص الغادر يحصد أرواح الأبرياء كانت كئوس الشراب تدور بين أعضاء لجان التفاوض، وكلمات الترحيب يتبادلها الجالسون.
* سأل المذيع التليفزيوني سيادة الوزير: ما رأيكم فيما يجري؟ فقال الوزير: نحن ندين بكل قوة ما جرى والشعب الفلسطيني بأكمله يدين ذلك، ولقد عبر عن ذلك رئيس السلطة وقال هذه مجزرة، وعاود المذيع السؤال: ماذا ستفعلون أنتم كسلطة فلسطينية أكثر من الشجب والإدانة؟ فقال الوزير: نحن نهيب بالعالم العربي والإسلامي أن يقف إلى جوار الشعب الفلسطيني وأن يدين ما تفعله إسرائيل، وجدَّد المذيع السؤال بقوله: سيادة الوزير، ما هو دوركم أنتم أليس من الأولى إيقاف المفاوضات مثلاً أو تعليقها لمدة محدودة اعتراضًا على تلك الانتهاكات؟ ورد الوزير: المفاوضات؟ وإيه هي المفاوضات إن إسرائيل تماطل في عقد المفاوضات ولن تعقد غير جلسة واحدة، وهنا ضرب المذيع كفًّا بكفّ ولسان حاله يقول: "ليس من المعقول هذا إسرائيل هي المعتدية وهي التي توقف المفاوضات.. سيدي الوزير، أليس هناك ردود فعل ضدَّ هذه الاستباحة غير المسبوقة للدم الفلسطيني، ورد الوزير قائلاً: نحن ندين ذلك وكذلك السيد الرئيس يدينها أيضًا، وندعو العالم أجمع أن يقف معنا في هذه الإدانة، وهنا رد المذيع قائلاً: أرى أن ردود سيادتكم تضيف مزيدًا من علامات الاستفهام!!.
* وفي حوار آخر على نفس القناة حول موضوع إدانة البرلمان الأوروبي لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر ردَّ الدكتور مصطفى الفقي عضو البرلمان المصري على سؤالٍ عن رأيه في بيان البرلمان الأوروبي فقال: "إن ما ورد في التقرير من انتهاكات لحقوق الإنسان في مصر هو صحيح، ولكن ما يجري في مصر هو صورة مما يجري في كثير من دول المنطقة، إذن فلا غضاضة طالما أننا كلنا في الهم، ثم واصل قائلاً: ولكني أعترض على الأسلوب الانتهاكي في النقد، فلماذا لا يعترضون على ما يجري في إسرائيل، بل إننا من الممكن أن نكتب الكثير عما يجري في أوروبا، يعني "لا تعايرني ولا أعايرك.. الهم طايلني وطايلك".
وكأنما هؤلاء الذين يعذبون في مصر قطيع من الحيوانات لا قيمة لهم، ولا ضير أن يؤدب هذا القطيع بالتعذيب والقتل، ولكن الكبرياء المصري يأبى أن ينتقد أمثالهم واحد من خارج مصر.. شوف إزاي!!.
* وهكذا بدا الحق واضحًا أبلج وبدا الباطل ضعيف الحجة لجلجًا, فها هو العالم يدين مجازر فلسطين ولكنه يقف متحيِّرًا وهر يرى الوفد الإسرائيلي يدير المفاوضات مع الوفد الفلسطيني كأن شيئًا لم يكن، وكأنما الدم الذي ملأ شاشات التليفزيون في العالم هو دم طيور برية أو حيوانات ضالَّة وليس دماء إخوانهم وأبنائهم، وما هذه المفاوضات؟! ومن هؤلاء القادمون للتفاوض؟! أليس هؤلاء هم القتلة الذين يقولون عن مجزرة غزة إنها عمليات روتينية.
* وما هذه الوقاحة التي يرد بها على انتقاد البرلمان الأوروبي يقولون "شعبي وأنا حر فيه" أعذبه أموته لا شأن لأحد بذلك!! أوروبا تنهض للدفاع عن حقوق الإنسان في بلاد المسلمين كأنما يقولون للمسلمين أنتم لا تستطيعون الدفاع عن أنفسكم نحن أولى بذلك منكم، أين علماء الأمة؟ أين زعماء الأمة؟ أين قادة الإصلاح؟ أين حمرة الخجل؟ لماذا لا أراها في وجوههم والبرلمان الأوروبي هو الذي يعترض على التعذيب والاعتقال ورؤساء تحرير الصحف القومية لا يكفون عن الطبل والزمر والتهليل والتصفيق لعهد الأمن والأمان، الذي لم يُمنع فيه قلم ولم يُعتقل فيه صاحب رأي ولم تُغلق فيه صحيفة، ويتغنون بأزهى عصور الحرية والعدل والمساواة، وها هو البرلمان الأوروبي يكشف زيفهم ويبرِّر حقيقة القهر والاضطهاد الذي تعيشه الأمة المسلمة.
* وإذا كان الظلم خطيئة فالأشد هولاً منه عدم الاعتراف بالظلم، والأشد بشاعةً أن يعتبر الظالم نفسه أعدل من أمير المؤمنين عمر، والجبن والخور عار وشنار، ولكن الأشد شناعةً منه أن يلبس الجبان جلد الأسد، وأن يدَّعي الرجولة والشجاعة، ولا نرى تلك الشجاعة إلا على إخوانه وبني جلدته من المسلمين المساكين.
ويظن هؤلاء من الظالمين والجبناء أنهم حين يسترون عوراتهم بصفحات صحفهم القومية، ويردِّدون في إذاعاتهم كلمات النفاق التي يدبلجها رؤساء تحريرها؛ يظنون أنهم بذلك يستطيعون خداع العالم، ولكن العالم بإعلامه الفذ وفضائياته المتنافسة يكشف أمام العالم زيفهم، ويفضح ظلمهم وجبنهم وجورهم، ولا يُبقي من ساتر يستر عورتهم حتى ولا ورقة التوت الصغيرة، يضحك العالم من جهلنا وسلبيتنا، يضحك من ذلنا ونحن قد حوّلنا تلك المأساة إلى ملهاة نضحك عليها ليلاً ونهارًا.. ماذا نفعل؟! اضحك.. يللا نضحك.. يللا نضحك:
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء!
---------------