حودا- مصر

السلام عليكم ورحمه الله

أولاً: هل السفر إلى أستراليا حرام أم حلال؛ حيث إنني إذا سافرتُ لا أعرف هل سألتزم كما أنا هنا في مصر أم لا؟.. أفيدوني والسلام عليكم.

 

يُجيب عليها د. عبد الرحمن عويس الأستاذ بجامعة الأزهر

ما الداعي لهذا السفر؟

هل هو الفرار بالدين من الفتن؟ أو الرغبة في تحسين مستوى العيش وطلب التزود من الرزق؟ أو الرغبة في طلب العلم والحصول على شهادة دراسية قد لا يجدها في وطنه؟.

 

أما عن الفرار بالدين من الفتن فأظن أن هذا لا يوجد إلا مع عددٍ قليلٍ من الناس؛ فهم في بلادهم مضطهدون مطاردون، كذلك ستجدهم في أي مكانٍ رحلوا إليه مطاردين، كذلك فإن الحرب على الإسلام صارت حربًا عالميةً، وهؤلاء بالنسبة للمسافرين إلى ديار الغرب عدد قليل.

 

فلا يتبقَّى بعد ذلك إلا مَن يسافر إلى هذه البلاد إما للدراسة والعلم أو طلبًا في تحصيل الرزق.
فإن كان للدراسة والعلم فإننا ننصح بألا يُسافر إلى هذه البلاد إلا طالب علم لم يجد تخصصه في وطنه؛ كالعلوم المتعلقة بالهندسة والفيزياء والكيمياء وغيرها، وعليه أن يأخذ من الأسباب ما يعصمه من الفتن، بمعنى عليه ألا يذهب وحده، وإنما وإن كان ولا بد له من السفر فلا يذهب إلا مع زوجةٍ تكون عونًا له على أمره وعصمةً له من الفتن.. وهؤلاء بالنسبة للمسافرين قلة كذلك.

 

فلا تبقى إلا الفئة الثالثة التي تذهب إلى هذه البلاد طمعًا في الرزق ورغبةً في تحسين مستوى العيش؛ فلهؤلاء نُوجِّه لهم هذه النصائح:

 

السفر إلى الدول الغربية والدول غير الإسلامية- ومن بينها أستراليا- تحفُّه الكثير من المخاطر؛ وذلك لأسباب كثيرة:

 

- أن هذه الدول لها عقائدها وتقاليدها وأعرافها وعاداتها التي تخالف تمامًا أعراف وعادات وعقائد وتقاليد المسلمين، فمَن يذهب إلى هذه الدول فلا يأمن الفتنةَ على نفسه في دينه وأخلاقه وسلوكيات حياته؛ فهو يعيش بين أقوامٍٍ يدينون بدينٍ غير دينه، ونظامُ حياتهم في طعامهم وشرابهم ووسائل متعتهم يختلف تمامًا عن نظامِ حياةِ المسلمين؛ ففي هذه الدول لا قيودَ على شيءٍ من ناحية المأكل؛ فكل شيء عندهم يُباح أكله بما فيه الميتة ولحم الخنزير، وهو الطعام الغالب الذي يصعب عليك أن تجد غيره، فقد تجد نفسك تأكل طعامًا حرامًا وأنت لا تدري أو أنك لا تجد طعامًا غيره.

 

وكل المشروبات في حياتهم مباحةٌ بما فيها كل أنواع الخمور والمسكرات، وللخمر مساحة كبيرة في حياتهم؛ فهم يشربونها كما نشرب نحن الماء.

 

والأدهى من ذلك أن كل وسائل الاتصال الجنسي لا ضوابطَ ولا قيودَ عليها، وليس فيها حلال أو حرام، وإنما هم يعتبرون إشباعَ الغريزة الجنسية حقًّا من حقوقهم وضرورةً من ضرورياتِ حياتهم؛ فمن حقِّهم إشباع رغبتهم الجنسية في أي وقتٍ ومع أي شخصٍ، وفي أي زمانٍ ومكان!!؛ ولذلك تجد قد انتشرت بينهم كل ألوان الفجور والشذوذ بكل صوره وأشكاله، وليس في قاموس حياتهم شيء اسمه العفَّة أو أن يقتصر الرجل على امرأةٍ واحدةٍ أو تقتصر المرأة على رجلٍ واحدٍ إلا نادرًا!!.

 

بالإضافةِ إلى ذلك أنَّ مَن يعش بين جماعةٍ من الناس فمع مرورِ الوقتِ يأخذ طباعهم ويتخلَّق بأخلاقهم حتى وإن كان مؤمنًا تقيًّا عفيفًا في موطنه وبلده؛ فإن الأخلاق تنتقل بالعدوى كما تنتقل الأمراض سواء بسواء؛ ولذلك يقول الشاعر:

واحذر مجالسة اللئيم فإنه يُعدي     كما يُعدي السليمَ الأجربُ

 

أضفْ إلى هذا أن مَن يذهب إلى هذه البلاد من غير أهلها يكون عرضةً للفتنة أكثر ممن يحيا فيها من أهلها فتجده يحيا منبهرًا بكل ما يراه من حوله من المناظر الخادعة، ومن مناظر النساء الكاسيات العاريات التي قد لا يراها كثيرًا في وطنه؛ فما هي إلا أيام أو أسابيع إلا وتجده قد ضاع في هذا المجتمع، خاصةً أن الفتى الشرقي من الممكن أن يكون مطمعًا لكثيرٍ من النساءِ، فيعملن على الإيقاعِ به واصطياده كما يصطاد الصيادُ فريستَه.

 

- يبقى بعد ذلك سؤالٌ: أيهما أكثر أهميةً لدى الفرد المسلم؛ دينه وعقيدته، أو المال الذي يجمعه في دنياه؟!.. إن مَن يذهب إلى هذه البلاد يتعرَّض بنسبةٍ كبيرةٍ لأن يفقد دينه وعقيدته؛ إن لم يكن بنسبة مائة في المائة فعلى الأقل بنسبة خمسين أو ستين في المائة، فتخيل مثلاً أنه سافر إلى هذه الدول وصار من أصحاب الملايين، ولكن هذه الملايين لن يمكنه الحصول عليها إلا عن طريق الربا أو التجارة في المُحرَّمات.. هل هذه الملايين التي حصَّلها تُعادل دينه الذي ضَاعَ منه؟!.

 

لو ضاع من المرء المسلم دينه فلا تعدله كنوز الأرض جميعًا، وقد قال الله- تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى به أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)﴾ (آل عمران).

 

وقال أيضًا: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾ (الرعد).

 

وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)﴾ (المائدة).

 

وقال أيضاً : ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (48)﴾ (الزمر).

 

وقال أيضاً : ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46)﴾ (الشورى).

 

وقال أيضًا: ﴿قُلْ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) (الزمر).

 

وبالإضافة إلى ذلك مَن يذهب إلى هناك فلا يمكنه أن يحيا وحده؛ فلا بد له من أسرةٍ وعائلة، وهو إما أن يتزوج من بلده الذي ينتمي إليه ويذهب بأبنائه إلى هناك ويحيا بين القوم، فإن نظام حياتهم ونظام التعليم والقوانين التي تسير عليها البلاد موضوعة بطريقةٍ بحيث لا يمكن للرجل أن يوجه أو يُربِّي أبناءه على تعاليم الإسلام، وإنما تتم تربية أبنائه في حضانتهم ومدارسهم وعلى أيدي مدرِّسين ومربِّين ومعلِّمين غير مسلمين؛ فينشأ الأبناء على قيم وآداب وسلوكيات غير المسلمين، فمع مرور الوقت يضيع منه أبناؤه ويذوبون في هذا المجتمع وينطبق عليه قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الزمر: من الآية 15).

 

ونخلص من ذلك أن السفر إلى هذه البلاد أمر محفوف بالمخاطر، ومن يرد أن يسلم له دينه وعرضه وعقيدته فلا يعرِّض نفسه للفتن، وقليلٌ من المال في بلده يكفيه مع سلامة دينه خيرٌ من كثير من المال مع ضياع دينه وعقيدته.