حكت لي صديقتي عن صديقتها الأخرى أستاذة الجامعة التي كانت تتحدث مع صديقتها تليفونيًّا، وأثناء اندماجها في الحديث معها وصفتها بأنها (dirty) وكأنه شيء عادي فلم تتضايق صديقتها، ولم تبدِ أي اعتراض، ولم تستحِ هي من نفسها، ولم يتألم لذلك سوى صديقتي التي كانت تحكي لي عن هذا الموقف، وهي حزينة لأن الانحطاط الأخلاقي تسلل إلى أصحاب المناصب الرفيعة في المجتمع، شعرتُ بإحساسها لأنني تعرضتُ لموقفٍ مشابهٍ من مديري في عملٍ سابقٍ عندما وصف زميلة لنا بأن شخصيتها قوية ولبقة في السبِّ والشتم؛ مما جعلها تحصل على حقوقها بسهولةٍ، استحييتُ مما قاله، وتشرفتُ بأنني تركت العمل معه.
هذه ليست حالةً فريدةً بل هي متكررة في كثيرٍ من الأحيان.
وتقول ياسمين أحمد (إن المربي يحتاج إلى تربية)، وأفاضت في شرح ذلك عندما أخبرتنا عن معلمةِ ابنها التي كانت تُوبخه على تحصيل درجاتٍ منخفضة، وتصفها بأنها تتفوه بألفاظٍ لا يصحُّ أن تصدر من مربيةٍ فاضلةٍ من المفترض أنها تغرس في أولادنا القيم، والمبادئ، وعندما ذهبت إليها لتنصحها بتغيير ألفاظها مع التلاميذ فوجئت أن هذا هو أسلوبها في الحوار، وتتساءل الأم: كيف أتمنى أن يكون ابني صاحب خلقٍ رفيع والمدرسة تهدم ما أبنيه؟!.
وهذا علي ناصر طفل عمره خمس سنوات ذاكرته دفتر لأغرب الألفاظ التي تتردد أمامه عشرات المرات من خلال التليفزيون والتي لا يعرف معانيها، ويرددها في حديثه، لمست أمه سوء الألفاظ التي يقولها، وعندما قننت مشاهدته للتليفزيون اعترض كما لو كان شابًا في العشرين من عمره، ودافع عن حقِّه في مشاهدةِ ما يحبه.
أما أميرة حسن- ربة منزل- تقول إنها تستخدم هذه الألفاظ (الشتائم) كوسيلةٍ للتعبير عن غضبها من أولادها، أو للمزاحِ مع صديقاتها اللاتي يحبون أسلوبها في المزاح ويصفونها بالتلقائية في الحديث، وهي أيضًا لا تنتقدهن لاستخدامهن نفس أسلوبها، وتقول أميرة: ما دامت نيتي سليمة لماذا تطلبون أن أكون معقدة؟.
يؤيدها في ذلك أحمد كريم- مصري يعمل في الخارج- ويعتبر هذه الألفاظ نوعًا من التباسط مع أهله ساكني الحي الشعبي الذين يحبون ابن حارتهم الذي لم يُغيِّره السفر، ويفرحون عندما يلعب مع أولادهم، ويدللهم بهذه الكلمات (!!!!) ولو تغيَّر سيشعرون بافتقاده، وتكلفه معهم فقد أحبوه بأسلوبه وألفت آذانهم ألفاظه.
إباء ورفض

د. سناء نصر- أستاذ التربية بكلية البنات جامعة عين شمس- ترى أننا نعاني من سقطةٍ وانحطاطٍ أخلاقي كنا نلمسه في الشارع، وبين الأوساط المتدنية خلقيًّا ولكن المأساة أنها انتشرت بين أولادنا، واقتحمت حرم الجامعة وافتقدنا أخلاقنا الرفيعة، وأصابع الاتهام تشير إلى غفلة البيت وتدني مستوى الرفاق، وهبوط مستوى الإعلام، ولا بد أن نبدأ من البيت أولاً حتى نحمي أولادنا من ألسنتهم، وذلك باحتوائهم، وتوعيتهم وطرح مناقشاتٍ مفتوحة معهم وبحرص ومنطقية لا بد أن تعلن الأسرة رفضها لهذا التدني الأخلاقي الذي اجتاح بيوتنا، ولا بد أن نُشعِر أولادنا أن القرار بالتخلي عن الألفاظ السيئة نابع من داخلهم، وليس بقرارٍ دكتاتوري من الأسرة، فالسيطرة لا بد أن يُكللها الهدوء والاحتواء، وتجنب استخدام العنف الذي لا يولد إلا العنف.
استعراض للفت النظر
وتضيف ميرفت محمد- استشارية اجتماعية- أن كثيرين يعانون من الألفاظ البذيئة و"الروشة" مع بعض الشباب الذين يتداولونها في جلساتِ الشباب على الكافيهات تسللت إلى بيوتنا، وأصبحت ظاهرةً بين أطفالنا وبناتنا، ورغم أنه لا توجد دراسات حديثة تطرقت إلى هذه القضية إلا أن التحليل الاجتماعي للظاهرة أشار إلى أن مستخدميها يعتبرونها من مظاهر القوة، ونموذج الشخص المتهكم الساخر هو الناجح والمرغوب فيه من الآخرين ممن يستخدمون هذه الألفاظ، ولكي يكون محبوبًا لهم لا بد أن يتحدث بلسانهم ويقلدهم في ألفاظهم- من وجهة نظره- ومن المآسي أن هذه الألفاظ أصبحت لغة تفاهم بين أفراد الأسرة حتى بين الدوائر المحترمة، والمرتفعة في المستوى الأدبي والاجتماعي تنازلوا بعض الشيء من أجل أولادهم الذين أقنعوهم أنها لغة عصر ومواكبة له، وانتشرت في هيئات ذات هيكلٍ وظيفي عالٍ، ونراها مكتوبةً على الملابس لا نُفكِّر في معانيها، والتي أحيانًا تكون منافيةً للحياء، وترى أن هذه اللغة ما هي إلا محاولة للفت الانتباه بصورةٍ أو بأخرى نتيجةً لتخبطهم في المجتمع، ولكنهم في حقيقة الأمر يستاءون من أنفسهم ولا يُرضيهم تصرفهم، وأنجح الطرق للقضاء على ذلك هي الاحتواء المبكر للأولاد، والتوضيح لهم أن الإنسان يمكن أن يكون متميزًا وظريفًا مع احتفاظه بأخلاقه، وليس بالاستظراف والاستعراض والانسياق وراء الآخرين كما يظن الكثيرون.
هروب وتنفيس
سألنا منى أحمد- باحثة ماجستير بكلية الإعلام جامعة القاهرة-: لماذا تدهور شكل الاتصال ولغته بين الناس في الآونة الأخيرة؟
فأجابت أن الاتصال بيننا افتقد الكثير من القيم التي تعودنا عليها بسبب التغيرات الحياتية التي نحياها من انشغال الأسرة عن أولاد وتحول العلاقة بينهم إلى علاقة سطحية تفتقد التقويم، كما أن الالتفاف حول وسائل الإعلام الحديثة، ورؤية بعض الأعمال الهابطة، والتي يتحدث فيها القائم بالاتصال (الممثل- المذيع-...) بألفاظ غريبة وبذيئة وإن لم تكن كذلك تكون بلا معنى، وبطبيعة الحال فإن الصورة الذهنية التي تتكون لدينا كمتلقين (الجماهير)، تكون صورةً مغلوطةً حيث يشعر المتلقي أن الشهرة والانبهار بهذا الممثل مصدره استخدامه لهذه الألفاظ وترديدها على الأذن عوَّد العقل على استخدامها، وسهَّل على اللسان النطق بها، وحتى المتلقي الواعي الذي لا تغيب عنه هذه الحقيقة يرى في مشاهدة مثل هذه الأعمال شكَّل من أشكال التنفيس عن نفسه، ويعتبرها من أشكال الهروب الوقتي من الضغوط المحيطة به، ويتوهم أنها أكسبته حالة من الهدوء النفسي، ويغيب عنهم أن الاتصال الناجح هو الذي يعتمد على مهارات الاتصال المدروسة، والتي تتلخص في:
1- جذب الانتباه: لكي تصل الرسالة من المرسل كما يريد للمتلقي لا بد أن يجذب انتباهه طول فترة الحوار حتى لا ينشغل عنه ويفهم رسالته جيدًا.
2- الاستماع الجيد: من كلا الطرفين وفي هذا الشأن قال أحد التابعين "صعدت على أكتاف الجميع يوم استمعت إلى آراء الجميع".
3- الصراحة والوضوح والصدق: بحيث لا يتعمد طرف تضليل الآخر ويكون صادقًا في حديثه وواضحًا في كلامه.
4- الأدب في الكلام: باستخدام الألفاظ المهذبة التي تحقق المعنى المقصود من الاتصال.
وأسلوب الشخص وشخصيته مرآه لحسن تربيته، وحتى لو افتقدنا الألفاظ المهذبة بعض الشيء فمن السهل على الإنسان أن يعوِّد لسانه على عدم الخطأ بأن يُفكِّر في الكلمة قبل النطق بها ويختار وينتقي ألفاظه، فقيمته تتضح مما يتفوه به من ألفاظ راقية أو متدنية.
آفات اللسان
ويوضح الشيخ أحمد عبد العظيم- داعية إسلامي-أن من نعم الله العظيمة على الإنسان هذا اللسان الذي هو أداة البيان والتعارف بين البشر، وهو صغير جرمه (أي حجمه) عظيم طاعته وذنبه إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والمعصية.
ويتميز اللسان عن بقية الجوارح أنه لا تعب في إطلاقه، وهنا تكمن الخطورة.
إذ إنَّ أي كلمة ينطق بها الإنسان يُحاسب عليها؛ حيث أخبرنا ربُّ العالمين في كتابه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (ق).
وروى البخاري عن سهل بن سعد- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَن يتكفل بي ما بين لحييه، ورجليه اتكفل له بالجنة"، وسئل رسول الله عن أكبر ما يدخل الناس الجنة فقال: "تقوى الله، وحسن الخلق"، وسئل عن أكبر ما يدخل الناس النار فقال: "الأجوفان: الفم والفرج" رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة.
وحديث معاذ بن جبل معروف حين سأل النبي- صلى الله عليه وسلم-: "أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" رواه الحاكم والترمذي.
وروى الترمذي عن عقبة بن عامر- رضي الله عنه- قال: "قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك".
وآفات اللسان كثيرة عدها الإمام الغزالي أكثر من عشرين آفة منها آفة الفحش في القول والسب وبذاءة اللسان، وهي تُعبِّر عن رداءة الخلق ومرض القلب وسوء التربية وفساد البيئة.. قال- صلى الله عليه وسلم-: "إياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش" رواه الترمذي عن أبي هريرة.
والفحش هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الخارجة والمشينة.. والتي تدل على فقدان الحياء عند قائلها.
وبلغ النهي بالنبي- صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن سبِّ المشركين الذين قُتلوا في غزوة بدر، فروى النسائي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء".
وقال- صلى الله عليه وسلم-: "المتسابان شيطانان يتغاويان ويتهارجان" (رواه أحمد والطيالي)، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (رواه الشيخان عن ابن مسعود)، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه.. قالوا وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب الآخر أباه وأمه" (رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو)، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة" (رواه الشيخان عن عدي بن حاتم).
إعلام ساقط

ويبقى السؤال: لماذا انتشرت ظاهرة السباب والشتائم في مجتمعنا؟
أولاً: المخالطة لقرناء السوء، فالرفقة الفاسدة تُعلِّم الفساد وتجر إلى الخلق الذميم.
ثانيًا: شغل الأب والأم عن مهمتهما الأساسية، وهي تربية الأولاد بل ربما يتعلم الأولاد من آبائهم وأمهاتهم الكلماتِ الفاحشة.
ثالثًا: الفساد الإعلامي، فغالب ما تبثه أجهزة الإعلام ينمُّ عن ذوقٍ فاسدٍ سواء في الأغاني أو التمثيليات أو الأفلام، ومسرحية مدرسة المشاغبين أكبر دليلٍ على ذلك، ففي أحد مشاهدها يصيح أحد إبطالها: "أبويا اتحرق" فيقول له زميله "مبروك"، فيرد عليه: عقبال أبوك".. ويردد الصغار هذه الكلمات الساقطة التي تهدم القيم، ثم نعود لنتساءل: لماذا اختفت الأخلاق الإسلامية من بيوت المسلمين؟!.