لا يمكن أن يولد الحب بين الأفراد إلا إذا كان قائمًا على التقدير والاحترام، وهما صفتان نقيضتان للسخرية على طول الخط؛ فالسخرية تولِّد الكره والشماتة والرغبة في الانتقام، وهي دوافعُ تصنع أعداءً لا أحبَّاءَ، المطلوب منهم أن يتفانَوا في سبيل دعوةٍ من أسسها الركينة وحدة الصف وتماسكه، وقوة الحب بين أفراد الدعوة هي القوة التي عجز أمامها كلُّ الذين أرادوا الفناء للإسلام في صدره، وذُهِل أمامها كلُّ الذين أرادوا النَّيل من الدعوة في العصر الحديث.

 

لقد أيقنوا جميعًا أنه لا سبيل للقضاء على دعوةٍ كدعوتنا؛ بين أفرادها روابط وثيقة متينة، لا يمكن قطعها مهما بلغت شيطانية المؤامرات وعبقرية التكنولوجيا؛ لأنها حبالٌ تستمد قوتها من رضا الله.

 

والسخرية بين أفراد المجموعة التربوية كفيلة بأن تضرب كل ما يخطِّط له مشرف المجموعة في مقتل؛ فهي تصيب من يتعرَّض للسخرية بحالة نفسية سيئة، تجعل خطواته ثقيلةً للقاء المجموعة كلما حلَّ موعده، وربما كثرت اعتذاراته عن عدم حضور اللقاء للسبب ذاته، بعد أن يراوده التردّد في الذهاب، وإذا تغلَّب على نفسه وذهب سيظلُّ دائمًا جزءٌ من حواسِّه في غير اتجاه المشرف؛ لأنها تتوجه تلقائيًّا إلى شخص آخر بجانبه لا يحبُّه ولا يحبُّ حديثه، ويتحاشى دائمًا الحديث معه.

 

وأرى أن الأسباب التي تدفع الطالب للسخرية هي ما يلي:

1- حب الظهور وإثبات الذات

وهما مظهران من مظاهر مرحلة المراهقة؛ فالشخص الذي يسخر من الآخرين يريد عادةً لفت الانتباه بانتزاع الضحكات فيمن حوله، ورغبتهم في التقرب إليه؛ لخفَّة ظله وسرعة بديهته.

2- عدم التعوُّد على مراعاة مشاعر الآخرين

3- فقد الحس الدعوي إلى أبعد حد

فالطالب الذي يحرص على دعوة غيره يكون حريصًا على مشاعرهم؛ خشيةَ أن يفقدهم، وتتعرَّض دعوته معهم للفشل، وانتهاج منهج السخرية يعني أنه لا يمارس دعوة الأفراد؛ فلا يمكن لفرد يمارس الدعوة أن يتخذ من الأساليب ما يدعو لخسارتهم من أجل نشوة النفس وإرضائها بإعجاب الآخرين.

4- ضعف شخصية الشخص الذي يتعرَّض للسخرية

فالشخص الساخر يحاول أن يجرِّب أسلوبَه مع الجميع، وعندما يجد صدًى من أحد يبدأ في تعديل أسلوبه؛ لأنه يعلم أن اتِّباع هذا الأسلوب مع أشخاص بعينهم سيعرِّضه للحرج والخطأ أمام من حوله، وأما الشخص الذي يقبل السخرية ويُظهر ضعفَه أمامها، فإنه يغري الطرف الآخر بالاستمرار ونصب شباكه حوله دون رحمة، ويظل هكذا حتى يستطيع مواجهته بطريقة تفسد أسلوبه الساخر.

5- موافقة الأصحاب والأقران على سلوك السخرية من الآخرين الذي يتبعه الساخر
بانطلاق ضحكاتهم أو بمشاركتهم أو حتى بسكوتهم عمَّا يفعل؛ مما يشجِّعه على الاستمرار والتلذُّذ بما يفعل، مهما سبَّب من ألمٍ للآخرين.

 

والسؤال: كيف يعالج المشرف المشكلة، على اعتبار أنها مشكلة تخص أحد أفراد المجموعة، وليست مشكلةً عامةً للمجموعة ككل؟!

 

أرى أن يتخذ المشرف الوسائل الآتية للعلاج:

1- عقد لقاء منفرد مع الطالب الذي يقوم بالسخرية من زملائه، والحديث معه بصراحة عن ضيق المشرف بما يفعل، وضيق إخوانه من هذا السلوك الذي يجرح المشاعر ويجلب الذنوب، ويكون سببًا في فشل الدعوة مع الآخرين، ولا بد أن يصل المشرف معه إلى أن هذا السلوك خطأ ويجب تصحيحه، مع إقرار أن خفَّة الظل ممكنة ولكن دون جرح مشاعر الآخرين بالسخرية منهم.

2- الاتفاق على معالجة هذا السلوك وتغييره تدريجيًّا، وأن المسألة تحتاج إلى ضبط الميل أو النزوع النفسي، وربط القدرة على العلاج بالثواب ورضا الله، وأن كل مرة سينجح في إيقاف نفسه عن السخرية من زملائه سيكون جزاؤه رضا الله وثوابه.

3- متابعة تصرفاته بصورة قوية لمدة ثلاثة أسابيع على الأقل، سواءٌ في المجموعة أو خارجها، بصورةٍ تجعله يشعر بأن المشرف مصرٌّ على معالجة المشكلة وعدم تجاهلها، ونصحه في كل مرة ودفعه للاعتذار لمن يخطئ في حقه.

4- التشديد على الشخص الذي يتعرَّض للسخرية بصدِّ من يسخر منه، وألا يدع له فرصةَ التهكُّم عليه، وأن يكون ذلك بالرد السريع المباشر الذي يُظهر غضبَه، وعدم موافقته على هذا الأسلوب، وإذا تكرَّر الأمر فليشكُ إلى المشرف الذي يبادر بعقد جلسة خاصة بين الاثنين لبحث الشكوى ودفع المخطئ للاعتذار.

5- عند حدوث هذا الأمر أمام المشرف أثناء الحلقة وملاحظة تجاوب بعض أفراد المجموعة لهذا السلوك، ينبِّه المشرف لخطئه فورًا، وينبِّه المجموعة أيضًا لخطئها في مجاراة المنكر وعدم نهيه حتى بالسكوت عنه.

6- ترسيخ معاني الحب والود بين أفراد المجموعة عن طريق الكلمات والبرامج الإيمانية وتزكية النفس.

7- ربط كل ما سبق من وسائل بالبُعد الإيماني، الذي يدفع النفس للتغيير بصدق؛ من أجل تحصيل الثواب والفوز بالجنة.

------------

Ahmedsalah1000@hotmail.com