- قنديل: تصريحات الوزراء لا يصدقها إلا هارب من مستشفى الأمراض العقلية
- الشوبكي: محاربة الفساد في مصر فساد والنظام لا يعاقب إلا من يغضب عليه!!
- الحريري: تزوير الانتخابات للإتيان بنواب لا يستطيعون فتح أفواههم مع الحكومة
تحقيق- علاء عياد وإسلام توفيق
مرَّ بمصر كثير من الكوارث، التي كانت كفيلةً بإقالة حكومات بأكملها، ومع ذلك استمرت الحكومة، وبقي الوزير دون مراعاة لما يتجرَّعه الشعب من مرارة استمراره، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ منها ما حدث في الجلسة الساخنة التي شهدها مجلس الشعب، وتم فيها مناقشة 14 استجوابًا، انتهت- كما جرت العادة- بِوَصَلات من التصفيق للحكومة، ورفْض طلب سحب الثقة من حكومة د. أحمد نظيف، بالرغم من اعترافها بالفشل!!.
ولم تكن الجلسة العاصفة التي تم فيها استعراض الحساب الختامي للدولة للسنة المالية 2005/ 2006، 2006/ 2007م، وإعلان المستشار جودت الملط (رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات) سقوط حكومة نظيف بعد تضارب البيانات والمعلومات الصادرة من جهات الدولة المختلفة حول معدَّلات التضخُّم والبطالة ومعدَّلات النمو، إلا تجرُّعًا لنفس الكأس ومرارته، والحادث الأجدر أن نقرأه جيدًا في هذا المشهد اتهامات الدكتور بطرس غالي (وزير المالية) والدكتور مفيد شهاب (وزير شئون مجلسي الشعب والشورى) للمستشار الملط، ورغم أنه لم يكن مفاجئًا أو عشوائيًّا، إلا أنها كانت "بلطجة" وزراء، اتسم بها أداؤهم كما سمَّاه بعض الخبراء والمحلِّلين.
![]() |
|
د. أحمد نظيف |
كما لم يكن رفع نواب الوطني أيديَهم 105 مرات في 34 دقيقةً لتمرير ميزانية الدولة ورفْض إحالة مخالفات الحكومة للنائب العام- أثناء مناقشات الحساب الختامي للميزانية العامة- سوى استكمال لنفس السيناريو وبنفس الأدوات!.
الغريب أن من يُعيد قراءة الماضي يجد العديد من ممارسات "بلطجة" الوزراء؛ فالأمر لم يعُد فشلاً للحكومة أو اعترافًا بذلك فقط كما يظن الكثيرون، بل الأمر لا يعدو أن يكون فشلاً تتبعه سياسة "هو كده، واللي مش عاجبه..."، هذه السياسة التي تجعنا نشعر أن "مراكز القوى"- سيئة السمعة- التي كانت سائدةً في عهد سابق، وعانت البلاد والعباد من ويلاتها عادت من جديد في صورة حكومة تفشل في حلِّ مشكلات المجتمع، وفوق ذلك تعترف بفشلها دون حياء ولا يستطيع أحد أن يحاسبها.
إلا أن السؤال الذي يظلُّ مطروحًا: ما السبب وراء هذه البلطجة؟! وهل يمكن أن تعود "مراكز القوى" من جديد؟! ومن أين يكتسب الوزير البلطجي قوته؟ وهل هناك أمل في أن ينتهي هذا المشهد سريعًا أو أن الأمر سيبقى كما هو عليه؟!
ولكن قبل الإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من تقديم كشف حساب لبعض وزراء مصر الحاليين والسابقين:
فمن الوزراء السابقين اللواء زكي بدر (وزير الداخلية الأسبق)، الذي تصاعدت عمليات التعذيب والتلفيق والاعتداء على حقوق الإنسان في وزارته، ومارَسَ أبشع أساليب البطش؛ من اعتقال عشوائي، إلى ضرب في المليان، واغتيالٍ لبعض عناصر المعارضة في الشوارع، واقتحام للقرى والمدن وتعذيب أهلها، وهتك الأعراض، والتعذيب الوحشي في السجون، واعتقال النساء والأطفال، واستخدام قانون الطوارئ في منع المعارضين من السفر، والتجسس على الأحزاب المعارضة والشخصيات التي تمارِس السياسة أو الحياة العامة، وإطلاق الشتائم من كل نوع على الجميع، وإهانة النقابات والأحزاب والمؤسسات العامة أو غيرها من الممارسات، ويُعد أخطر ما فعله زكي بدر هو إفقاد الإنسان المصري عمومًا للإحساس بالأمان؛ الأمر الذي يؤثِّر حتمًا في مستقبل هذه الأمة وفي الإحساس بالانتماء!!.
أما بالنسبة لحكومة نظيف؛ فالبلطجة التي مارسها وزراء حكومته كانت من نوع خاص؛ فبعد أن تجاوز الغلاء معدلات غير مسبوقة، انقضَّ وزراء نظيف على ما تبقَّى من جسد الشعب الواهن، فقرَّر د. يسري الجمل (وزير التربية والتعليم) رفْعَ المصروفات على كل المراحل التعليمية، في نفس الوقت الذي غضَّ الطرف عن المدارس الخاصة التي تفنَّنت في رفع المصروفات الدراسية، ولكن على طريقتها؛ لتزيد بنسبة20% تقريبًا، وليرتفع ثمن الكتب 30% ورسوم الأتوبيسات 15%.
![]() |
|
د. هاني هلال |
أما د. هاني هلال (وزير التعليم العالي) فوافق على زيادة المصروفات بنسب تتراوح ما بين 8% إلى 16%، على أن يستأثر كلُّ أستاذ جامعي بطلبته في ثمن الكتاب الجامعي، وقرَّر أن يقضي على البقية الباقية من التعليم الجامعي الحكومي؛ فترك الأقسام الخاصة ترفع مصروفاتها لتعادل كثيرًا من مصروفات الجامعات الخاصة، بالإضافة إلى استحداثه نظام التعليم المميز.
ووزير الكهرباء حسن يونس قرَّر هو الآخر أن يسنَّ سكينًا، ويقطع كما يشاء، فتحوَّلت فاتورة الكهرباء إلى "شيك على بياض"، لا يعلم المستهلك ماذا سيدفع الشهر المقبل نظير نفس الاستهلاك الذي كان يستهلكه، ولم ينسَ أن يضيف مصروفات ورسوم نظافة ودمغات؛ فاستهلاك 300 كيلو وات كان من سنة يتكلَّف 25 جنيهًا، ثم أصبح من ستة أشهر يتكلف 30 جنيهًا، والشهر الماضي أصبح يتكلف 40 جنيهًا، وإن لم تُدفَع يظهر الوجه القبيح، ويخرج بلطجية الكهرباء ليقطعوا عنك التيار، وفي هذا تكتيك لفرض الإتاوة!!.
أحمد المغربي (وزير الإسكان) كان قراره السكين الأخير الذي نفذ في هذا الجسد؛ فقرر أن يرفع أقساط مشروع مبارك للإسكان؛ باعتبار أن من يحصلون عليه هم قلة غنية تدَّعي الفقر، مدَّعيًا أن وراء ذلك زيادة أسعار البناء واشتعال تكلفة المساكن وندرة الأراضي، بالرغم من أنها في النهاية مساكن لمحدودي الدخل الذين وصَّى الرئيس مبارك بعدم المساس بهم!!.
يوسف بطرس غالى (وزير المالية) المجسد الحقيقي والواضح الذي يعبِّر- وبقوة- عن سياسة الحكومة، فتجده يقول عن أزمة موظفي الضرائب العقارية: "أنا محدش يلوي دراعي"، وكأنه يعلن أن ليَّ الذراع لا يأتي بجدوى مع حكومة سياستها في الأساس البلطجة.
وأخيرًا.. وبعد الملحمة الأخيرة التي خاضها تحت قبة البرلمان في مواجهة المستشار الملط، يعلن وبكل قوة أنه لا يمكن حلّ كلّ مشكلات مصر في عامين، موضحًا أن الأمر يحتاج إلى المزيد من الوقت، وأن الفقراء عليهم أن ينتظروا طويلاً جدًّا جدًّا، "واللي مش عاجبه.."!!.
أما وزير البترول سامح فهمي فعندما يسأله أحد عن الأسعار العالمية للبنزين، وما تتكلفه الدولة من أعباء الدعم جرَّاء بيع البنزين والسولار بالسعر المتداول، تجده يطالب برفع الأسعار لتتناسب مع الأسعار العالمية، في حين أنه يصدِّره بأسعار أقل، وبدلاً من أن يُعيد اتفاقيات نقل الغاز التي تمت مع الكيان الصهيوني بالأسعار المتدنية ليساويها بالأسعار العالمية، يطالب برفع السعر على المصريين ليساويها بالأسعار العالمية.
وزيرة القوى العاملة والهجرة عائشة عبد الرحمن تُعَدُّ صاحبة المواقف المتناقضة؛ حيث أدانت إضراب عمال المحلة في ديسمبر 2006، وعادت فذكرت أن العمال رفعوا رأسها، وهي التي كانت تتحدث عن استقلال التنظيم النقابي، ثم تدخَّلت في كل كبيرة وصغيرة فيه، وهي التي تصف نفسها بأنها من صفوف العمَّال، وتسعى للدفاع عن مصالحهم؛ علمًا بأن النصف الأول من العام الماضي شهد أكبر نسبة فصْل وتشريد لعمال مصر؛ حيث فُصِلَ من العمل 73094 عاملاً، كما شهد عهدها تعذيب العمال المصريين في الكويت وحرقهم في ليبيا، وهي التي كانت تدافع عن مطالب العمال على شاشات الفضائيات أما في أروقة الوزارة فكانت تمتنع عن مقابلتهم!!.
![]() |
|
د. محمود محيي الدين |
د. محمود محيي الدين (وزير الاستثمار) تحوَّل إلى وزير استثمار للبلاد الأخرى، التي يعقد معها صفقات لجلب مشروعات لها داخل مصر وليس لزيادة استثمار البلد التي هو وزير بها، ومنذ أن تولَّى مقاليد الوزارة قام بطرح 7 شركات من القطاع العام للخصخصة، وهو برنامج التخريب والنهب والفساد، وكان آخر هذه الجرائم فضائح بيع "عمر أفندي"، و"بنك الإسكندرية" وأرض "سيدي عبد الرحمن" و"المريديان"، وفضيحة التفاوض حول بيع معامل تكرير البترول، وفضيحة بيع قطاع الأسمنت للأجانب.
وعندما يخرج علينا أمين أباظة (وزير الزراعة) بتصريح أقلّ ما يقال عنه إنه غريب!! ولا نعرف كيف يصرِّح مسئول بهذا؛ حيث أرجع سوءَ سمعة القطن المصري إلى عدم التعاون مع الكيان الصهيوني، وأنه يجب أن نتعاون مع الكيان؛ لأنهم الأعلى منا تكنولوجيًّا في مجال الزراعة، علاوةً على أزمة ارتفاع أسعار السماد، واختفائها من الأسواق، والتي اكتفى فيها الوزير بالتصريحات التي كانت السبب في أن تتفاقم الأزمة كلَّ يوم عن اليوم الذي قبله.
في هذا التحقيق الذي رصدنا فيه معالم ظاهرة البلطجة الحكومية يحاول (إخوان أون لاين) معرفة أبعاد هذه الظاهرة وأسبابها والنتائج المترتبة على تفشِّيها في تعامل الحكومة والوزراء مع الشعب المصري.
مهزلة!!
د. عبد الحليم قنديل

في البداية علَّق د. عبد الحليم قنديل- المتحدث باسم حركة كفاية ورئيس التحرير التنفيذي السابق لجريدة (الكرامة)- على تصريحات الوزراء بأنها هراء لا يصدقها إلا اثنان؛ إما شخص غير مصري وغيرُ ملمٍّ بالأحداث والتطورات في مصر، وإما مصري هارب من مستشفى الأمراض العقلية، موضحًا أن الوزراء ما هم إلا موظفون كبار تعوَّدوا على الكذب، وداعيًا الشعبَ إلى عدم الاهتمام بكلامهم أو وضعه في الحسبان؛ لأنه لا ينمُّ إلا على سياسةِ نظامٍ ترأسُها أسرةٌ حاكمةٌ مستبدَّةٌ لا تلقي بالاً بالشعب أو أعبائه، وقال: "الدستور يجعل من رئيس الجمهورية صانعًا لكل شيء في الوطن، وكلُّ الوزراء يمشون حسب توجهاته، وإنه أفضل للشعب أن يلعب "الكوتشينة" من أن يتأمل في تصريحات الوزراء".
وعن تصريح وزير المالية بأن الفقر في مصر لن ينتهي، أشار قنديل إلى أن الوزير هو رمزُ البلطجة في تصريحات الحكومة، وأنه مهما جلس هو أو نظامه في الحكومة لن تنتهي مشكلات مصر إلا بعد 100 سنة، وأوضح أن أغلب النواب الذين مِن المفترض أن يحاسبوا الحكومة ليسوا إلا نوابًا جاءوا بالتزوير، واعتبروا كرسي المجلس "دجاجةً" تبيض لهم الذهب من صفقات، موضحًا أن خير دليل على ذلك ما حدث في جلسات مناقشة الميزانية ومدى تمرير الميزانية في ظل كل النقاط الذي أقرَّها الملط في طرحه لسلبيات الحكومة.
وختم قنديل كلامه قائلاً: "إن ما يحدث في الوزارات المصرية "مهزلة" لا يجب أن تَستمرّ، ويجب أن يتحرك الشعب ويظهر الغضب حتى نخرج من هذه المهزلة سريعًا".
تجاهل للشعب
د. عمرو الشوبكي

كما انتقد الدكتور عمرو الشوبكي- الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- سياسة الحكومة في التعامل مع المسئولين؛ معربًا عن أن هذه السياسة ما هي إلا سياسة حكومة نظيف التي لا تعترف إلا بـ1% فقط من الشعب، متجاهلةً كل الفئات بما فيها الرأي العام المصري، وأشار إلى أن الشعب المصري الفقير والموظفين البسطاء هم مَن يدفع الثمن رغم قلة الخدمات، قائلاً: "الحكومة ترفع الأسعار.. وتقلِّل الخدمات"؛ فالتعليم في مصر ترتفع أسعارُه ولا تجد تعليمًا حقيقيًّا، وترتفع أسعار الكهرباء وتجد أن الكهرباء كما هي في انقطاع.
كما أكد أن المسألة ليست في يد الوزير أو يد الحكومة وحدها، ولكنها منظومة سياسية تخرج بالشعارات للاستهلاك المحلي، وأن الحكومة ليس أمامها خطط واضحة للإصلاح أو حلّ المشكلات، وأنها تترك المشكلات للظروف والتفاعلات اليومية.
واعتبر الشوبكي الوزراء السابقين والحاليين وكبار رجال الأعمال فوق القانون وفوق المحاسبة؛ باعتبارهم جزءًا من الحالة العامة للنظام الذي لا يحاسب المسئولين إلا إذا غضب عليهم سياسيًّا، وأوضح أن محاربة الفساد في مصر نوع من الفساد وأنه شيءٌ انتقائيٌّ في حكومة النظام الذي يدافع بالحق والباطل عن رجالاته!.
كذب وفشل وتناقض!!
![]() |
|
أبو العز الحريري |
وأرجع أبو العز الحريري- نائب رئيس حزب "التجمع" وعضو مجلس الشعب السابق- بلطجة الوزراء إلى عدم وجود سلطة حقيقية منتخَبة في مجلسَي الشعب والشورى، وإلى تزوير الانتخابات لإبراز شخصيات ترضَى عنها الحكومات بلا إشراف قضائي، والتي تجعل هؤلاء النواب لا يستطيعون أن يعارضوا أو يفتحوا أفواههم أمام الحكومة أو وزرائها، وإبعاد الشخصيات القيادية الجادة التي تحب وطنها عن الحياة السياسية.
وأعرب عن استيائه من تصريحات الوزراء، والتي اعتبرها غير مسئولة، معربًا أن الشارع المصري والصحافة الحرة والإعلام الجادّ هي في النهاية التي ستحسم القضية، وتُظهر كذب تصريحات الوزراء وفشلها وتناقضها، موضحًا أن الوزير لم- ولن- يحاسَب ما دام خلفه النظام الذي يسانده ويقف وراءه، وأن من يُحاسَب في الحكومة هم المغضوب عليهم سياسيًّا فقط ومعارضو النظام.
وأكد الحريري أنه لا توجد سلطةٌ رقابيةٌ حقيقيةٌ في مصر، وهو ما يدفع الوزراء إلى هذه البلطجة السياسية؛ مما سيؤثر في الحياة النيابية والسياسية في مصر وزيادة المشكلات في المستقبل، كما أشار إلى أن هذه البلطجة الحكومية ستدفع إلى استنفار شعبي كبير يدافع عن حقه المسلوب ويقف أمام من يخدعه كما حدث في لبنان.



