د. محمد المدهون- رئيس ديوان حكومة الوحدة الفلسطينية:

- تغلبنا على الكارثة من خلال المساعدات القادمة للقطاع والتعاون مع المؤسسة الدولية للاجئين

- أشركنا الجمعيات الأهلية لأول مرة في تلقِّي المعونات وتوزيعها وأنشأنا جهازًا لإدارة الطوارئ

- أولوياتنا في توزيع الإعانات مراعاة الاحتياج وليس الانتماءات السياسية أو الفصائلية

 

حوار- أحمد عبد الفتاح

لفت صمود الشعب الفلسطيني في قطاع غزة أنظار العالم أجمع، خاصةً بعد صموده الباسل أمام غطرسة وجبروت العدو الصهيوني، الذي يقف وراءه وتدعمه أقوى دولة في العالم؛ وهي الولايات المتحدة الأمريكية، ووسط تواطؤ تامٍّ من حكام الدول العربية والإسلامية وزعمائها.

 

وكان حصارُ العدو الصهيوني لمليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزه، وفشلُه في محاولة تنفيذ عملية إعدام جماعي لأهالي القطاع بعد قطع الماء والكهرباء والدواء والغذاء وكافة الاحتياجات اللازمة للحياة، محلَّ أنظار العالم كله؛ مما دفع العديد للتساؤل: إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقف وراء العدو الصهيوني المتغطرس، فمن الذي يقف وراء صمود الشعب الفلسطيني المرابط في قطاع غزة؟!

 

هذا ما سنجيب عنه في لقائنا مع الدكتور محمد المدهون، رئيس ديوان رئيس الوزراء الفلسطيني وأحد أهم المسئولين الفلسطينيين في حكومة الوحدة الوطنية.

 

كما سيتطرق الحوار للإجابة عن أسئلة عديدة يحملها الجميع إلى حكومة الوحدة الفلسطينية، خاصةً فيما يتعلق بالدور الذي تلعبه الحكومة في ظل الأوضاع المأساوية التي تجتاح قطاع غزة، وسط انعدام شبه تام لطاقة الموارد والمساعدات، في ظل الحصار القاتل الذي يفرضه الكيان الصهيوني على القطاع، وكيف استطاعت الحكومة الفلسطينية المنتخبة والممنوحة الثقة من المجلس التشريعي الفلسطيني التغلب على العديد من المشكلات التي تواجهها، والتي كان آخرها أزمة قطع التيار الكهربي عن غزة، ووقف إمدادات الوقود إلى القطاع وما أعقبه من أحداث..، والعديد من القضايا الأخرى التي نكشفها خلال سطور الحوار التالية:

 

* بدايةً.. نود أن نتعرف على برنامج حكومة الوحدة الوطنية في الفترة الأخيرة، وخاصةً بعد الحسم العسكري بغزة؟

 الصورة غير متاحة

مواطن فلسطيني يحمل مواد غذائية

** بعد الحسم اقتصر دور الحكومة على إدارة الأزمة وليس أكثر من ذلك، والسبب في هذا الحصارُ المفروضُ على الشعب الفلسطيني منذ نتائج الانتخابات في 2006 وحتى الآن، وكان الحصار على مستويين: الأول من الداخل والثاني من الخارج، وحصار الخارج أثر في الوضع الاقتصادي ورفع معدَّلات البطالة بشكل كبير جدًّا، خصوصًا بعد أحداث يوليو 2007، لا سيما بعد توقُّف مشاريع خاصة ومشاريع مموَّلة من المانحين، وهو ما أثمر في الحقيقة وضعًا صعبًا جدًّا، فعلى سبيل المثال: المواد التي تدخل للقطاع هي مواد غذائية بالدرجة الأولى وبكميات محدودة جدًّا، ولهذا كله فالحكومة تعاملت مع الأمر على أنه إدارة أزمة.

 

* كيف كان ذلك؟

** أول ما فعلته الحكومة تم توزيع مساعدات مالية للعمال 100 دولار لكل عامل، وتم توزيعها على أربع دفعات، ويجب هنا أن نشير إلى أن العمَّال العاطلين عن العمل أكثر من 100.000عامل بالقطاع، كما تم تقديم برنامج للتكافل الداخلي من خلال الموظفين الذين يتلقَّون رواتب؛ حيث تم اقتطاع نسبة 5% من الرواتب من أجل هذا البرنامج، وتم تشغيل 2000 عامل لمدة شهرين بقيمة 250 دولارًا شهريًّا، هذا بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المشاريع التي سعت الحكومة لتنفيذها قدر المستطاع.

 

تحقيق ذاتي

* وماذا عن المواد الغذائية؟

** تم توفير المواد الغذائية من خلال التبرُّعات والمساعدات القادمة إلى القطاع، كما أن هناك عددًا من المشاريع التي تسعى الحكومة لتنفيذها في مجال التنمية الزراعية، وتم تشكيل إدارة خاصة من أجل هذا، وخلال هذا العام- بإذن الله- سيتم حصاد جزء من هذا الناتج المشروع، وإن كان يحتاج إلى توسيع وتطوير بشكل أفضل، إلا أنه مثل بدايةً جيدةً جدًّا، ويمكن خلال فترة قصيرة تحقيق نوع من أنواع الاستقرار التنموي في مجال الزراعة؛ بحيث نعتمد على مواردنا بشكل أكبر في المرحلة القادمة.

 

* أزمة الكهرباء هي التي فجَّرت الوضع الحالي، كيف تصرَّفَت الحكومة بشأنها؟

 الصورة غير متاحة

الظلام يخيِّم على أجواء غزة ويحاصرها!

** لم تكن أزمة الكهرباء سوى مؤشر لإظهار حالة الحصار الحادّ التي وصل إليها القطاع؛ لأن الكهرباء توثر وبشكل مباشر في قطاعات إنسانية وحيوية وضرورية، مثل القطاع الصحي؛ حيث يوجد عدد كبير من المرضى لا يعيشون إلا بأجهزة التنفس الاصطناعي أو الأجهزة التي تعمل بالكهرباء، كما أن هناك عددًا كبيرًا من المرافق الحيوية تعطَّلت، منها مضخَّات الصرف الصحي والمياه، كل هذا أظهر وبصورة جلية ما وصل إليه حصار شعب غزة، وأفرز واقعًا إنسانيًّا لا يمكن تحمُّله، وهو ما أدى إلى خروج الموضوع إلى السطح.

 

* وما هي الأساليب التي اتبعتها الحكومة للخروج من هذه الأزمة أو الحدّ منها؟

** الحكومة أدارت الأزمة من خلال التعامل مع الوكالة الدولية للاجئين (الأونروا)؛ حيث تم توفير إمدادات من الوقود، ووُضعت الأولوية للمؤسسات الصحية والمؤسسات التي يقع عليها الضرر الجسيم؛ بسبب قطع الكهرباء، وتم توفير كميات إضافية لها من السولار بشكل سريع من خلال وكالة الغوث.

 

* الآن وبعد أن تم رفع الحصار جزئيًّا عن شعب غزة، وتدفَّق عدد من المعونات إلى القطاع.. ما هو دور الحكومة في هذه الحالة؟

** هذه المساعدات تحتاج إلى إدارة طوارئ، والمنهج الذي اعتمدناه أن تقوم كل وزارة بمباشرة الجزء المنوط لها بالعمل؛ بمعنى أن تقوم مثلاً وزارة الصحة بالدور المنوط بها في الإغاثة الصحية، وتباشر هي المساعدات الطبية؛ من أدوية وأجهزة طبية وما شابه ذلك، كما تقوم وزارة الأشغال بمباشرة دورها في مجال البنية التحتية والإعمار، ووزارة الشئون الاجتماعية لها دور في مجال الإغاثة الإنسانية، لكنَّ الجديد هذه المرة أن الحكومة أشركت قطاعًا مهمًّا جدًّا في فلسطين وخاصةً في القطاع، وهو قطاع الجمعيات الأهلية؛ حيث ستتمّ الاستعانة بها في تقديم المساعدات وتلقِّيها.

 

* البعض اتهم الحكومة أكثر من مرة بأنها تأخذ بمعيار الانتماء الفصائلي في توزيع المعونات، ورأينا مثل هذا الاتهام في أزمة الرواتب الأخيرة، ما ردّكم على ذلك؟!

** أقول بشكل واضح وصريح: إنه حينما يتم التوزيع يتم مراعاة الاحتياج، ولا يتم مراعاة الانتماء الفصائلي، حتى في ظل أزمة الرواتب الأخيرة، والتي تتحدث عنها، حينما تم قطع جزء كبير من رواتب الموظفين في القطاع من جانب حكومة رام الله، تم دفع هذه الرواتب لمن قُطع راتبه ما دام ملتزمًا بعمله؛ بغضِّ النظر عن انتمائه السياسي؛ فنحن هنا لا نتعامل مع انتماءات سياسية، نحن حكومة وحدة وطنية شرعية منتخبة من الشعب الفلسطيني، ونالت الثقة من المجلس التشريعي؛ لذا فنحن حكومة لكل الفلسطينيين، ونعمل للمصلحة العامة الفلسطينية والمجموع الفلسطيني، وبنفس هذه الطريقة لن نفرِّق بين مريض ومريض، أو بين مواطن ومواطن أو بين عاطل عن العمل وعاطل آخر عن العمل؛ الجميع سينال نصيبه من المساعدات الإغاثية التي قُدِّمت إلى القطاع في خلال هذه الفترة.

 

انتفاضة الشعوب
 
 الصورة غير متاحة

مراسل (إخوان أون لاين) مع د. محمد المدهون

* انتفضت العديد من الشعوب العربية والإسلامية من أجل ما يحدث في غزة؛ ما تقييمكم لهذه الانتفاضة؟

** بخصوص ما شهدناه من هبّة إخواننا العرب والمسلمين، وخاصةً إخواننا المصريين، فأنا أرى أن هناك حالةً كبيرةً جدًّا من التعاطف الشعبي والرسمي أيضًا مع الشعب الفلسطيني المحاصر في القطاع، وهذا التعاطف كانت من أهم ثماره أنه لم يترك الشعب الفلسطيني وحيدًا، وأنا هنا لا أتحدث عن فترة فتح المعبر فقط، ولكن أتحدث أيضًا عن أزمة الحجَّاج الفلسطينيين الأخيرة، وعودتهم بعد أداء فريضة الحج، ومن قبلها أزمة العالقين..

 

كل هذه المواقف لم تترك الشعب الفلسطيني وحيدًا، وكان هناك الكثير من الدعم المعنوي والمادي، كما أن هناك تعاطفًا في الشارع العربي، وشاهدنا بالأمس خروج المسيرات في كل العواصم العربية؛ هذه المسيرات أوصلت رسالةً إلى العالم؛ مفادها أننا لا يمكن أن نترك الشعب الفلسطيني وحيدًا.

 

* ما تقييمكم لموقف الشعب المصري تحديدًا تجاه القضية الفلسطينية بشكل عام وأزمة الحصار بشكل خاص؟ 

** أشقَّاؤنا المصريون يعملون بشكل ضخم جدًّا ومنظَّم جدًّا، قلوبهم وعقولهم معنا، وما نلمسه منهم من أفعال وتصرُّفات كبير جدًّا يفوق حتى توقعاتنا؛ فحالة الزخَم والمساعدة التي شاهدناها من الشعب المصري أكاد أجزم أنها حتى تفُوق إمكانياته، ولكنَّ الشعب المصري- المعروف بعزَّته ومواقفه القوية في قضايا الشعب الفلسطيني ومع كل قضايا الأمة العربية والإسلامية- استطاع دائمًا أن يبرهن بما يقدم من أجل هذه القضايا؛ فجيش مصر قاتل من أجل فلسطين، وعدد ضخم من أبناء الشعب المصري هم شهداء من أجل هذه القضية، وبالتالي فإن ما قدموه ليس غريبًا عليهم، بل هم أهلٌ له.

 

 الصورة غير متاحة

الآلاف من سكان غزة يواصلون العبور إلى رفح المصرية لشراء احتياجاتهم

 وفي الحقيقة إني أودُّ أن أشيد بدور بعض المؤسسات؛ يأتي على رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر وفي كل مكان في العالم؛ فالإخوان في مصر كما عهدناهم دائمًا هم الرافعة التي يلجأ إليها أصحاب الأزمات من المسلمين في أي مكان في العالم، لا سيما في فلسطين؛ فالجماعة ومنذ اللحظة الأولى لنشأتها حملت على عاتقها أمانة هذه القضية وهذا الشعب؛ حتى إننا رأينا متطوِّعيها وهم يحاربون من أجل فلسطين، وهم اليوم يقفون نفس الموقف، بالرغم من شحِّ الإمكانيات والتضييق عليهم، ورغم الحواجز والحدود السياسية، ورغم كل الواقع السياسي الذي نحياه، إلا أنهم يصرُّون على أن يعيشوا لأجل هذه القضية، وأن يدفعوا ثمن ذلك من خلال الاعتصامات والمسيرات والمظاهرات والاعتقالات في بعض الأحيان.

 

وبمناسبة أننا ستحلُّ علينا بعد أيام ذكرى استشهاد الإمام الشهيد حسن البنا؛ فإننا نودُّ في الحقيقة أن نطير برسالة إلى جماعة الإخوان العظيمة في مصر، والتي ستظل رايتُها دومًا مرفوعةً في كل بقعة من بقاع العالم، كما يجب ألا ننسى بعض المؤسسات التي قدَّمت- وتقدم- العون لشعبنا المحاصر، ويأتي على رأس هذه المؤسسات اتحاد الأطباء العرب، ونقابة أطباء مصر، والجمعية الشرعية؛ فهذه المؤسسات عهدناها دائمًا واقفةً إلى جوار شعبنا الفلسطيني.

 

الحوار الوطني

* ما رأيكم في الدعوة التي أطلقها الرئيس مبارك من أجل الحوار بين فتح وحماس بالقاهرة؟

** أعتقد أن هذه الدعوة جاءت في وقتها، وأنها تُظهر حِرصَ الرئيس المصري على الشعب الفلسطيني، وعلى وحدة الشعب الفلسطيني، وعلى القضية الفلسطينية، ونأمل أن تجد هذه الدعوة الأصداء، وتجد المتسع الكافي لقبولها وتطبيقها على أرض الوقع والوصول إلى نتيجة من خلال وجود الحركتين الكبيرتين حماس وفتح في القاهرة؛ حتى تعود المياه إلى مجاريها مرةً أخرى.

 

* ما هي رؤية الحكومة الفلسطينية من أجل حلِّ أزمة المعابر؟

** الحكومة الفلسطينية تؤكد دائمًا أن معبر رفح هو معبر فلسطيني مصري؛ لذا فيجب أن يدار هذا المعبر بإدارة فلسطينية مصرية فقط، ولا ينبغي أن نخضع للابتزاز الأمريكي ولا الضغط الأمريكي؛ فأمريكا تغيب عن المنطقة، وغائبة في وجودها، وهي في طريقها إلى الزوال بإذن الله عز وجل، ونحن كإرادة عربية يجب أن نحقِّق طموحَنا على الأرض العربية وبشكل يحقق مصالحنا الوطنية المصرية الفلسطينية؛ فلا يخفى على أحدٍ أن قطاع غزة هو عمقٌ لمصر، ومصر هي عمقٌ للقطاع، وبالتالي فمن الواجب علينا أن نحافظ على هذا العمق وهذه الروابط، ونُدير الموقع الفلسطيني المصري بإدارة وقرار فلسطيني- مصري مشترك، ونسمح بأن ينتقل الأفراد والبضائع من خلال إدارة سليمة ومنظمة، ولهذا فنحن ندعو الحكومة المصرية أن نجلس سويًّا من أجل إدارة سليمة للمعبر، وأن نعزّز الوحدة الوطنية الفلسطينية من أجل إدارة سليمة للمعبر.

 

شاهد الحوار