- عدد المعتقلين الذي ذكره وزير الداخلية دليل اتهام وليس دليل براءة

- وزارة الداخلية تحاول أن تتجمل بعد فضيحة مصر أمام البرلمان الأوروبي

 

تحقيق- حسن محمود

شنَّ عدد من الحقوقيين هجومًا حادًّا على تصريحات اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية للتلفزيون المصري يوم الجمعة الماضية بمناسبة أعياد الشرطة، والتي أكد فيها أن عدد المعتقلين السياسيين في مصر لا يتجاوز 1800 فقط، وأن تقارير منظمات حقوق الإنسان بشأن تصاعد عدد المعتقلين في مصر خلال عام 2007 مختلفة تمامًا عن الواقع وغير دقيقة.

 

وشكَّكوا في تصريحات الوزير، مطالبين بتقديم كشوف بأسماء هؤلاء المعتقلين، وتحديد أماكنهم، وظروف اعتقالاتهم، وأسباب الإبقاء عليهم لكي تستطيع منظمات حقوق الإنسان مساعدتَهم وتقديمَ خدماتها القانونية لهم، مشيرين إلى أن دور منظمات حقوق الإنسان يَفتخر به أيُّ مصري.

 

 الصورة غير متاحة

حبيب العادلي

 وقد أكدت العديد من المنظمات الحقوقية وجود ما يقرب من 16: 18 ألف معتقل بالسجون المصرية منذ عام 1981 وحتى الآن، والذين يرجع تاريخ اعتقالهم إلى ما يزيد عن 15 عامًا، رغم حصولهم على قرارات بالإفراج عنهم، غير أنها لم تنفَّذ!.

 

وتنتقد منظمات حقوق الإنسان المصرية الاعتقال المتكرر لأسباب سياسية، والذي تعتبره انتهاكًا للحق في الحرية والأمان الشخصي؛ بسبب توسع مباحث أمن الدولة في استخدامها المادة الثالثة من قانون الطوارئ، واعتقال الذين تتم إدانتهم، وتصدُرُ أحكامٌ ضدهم بعد انتهاء تلك الأحكام، واعتقال الذين صدرت بحقهم أحكام بالبراءة في قضايا سياسية.

 

ولاحظت المنظمات الحقوقية من واقع الرصد والتوثيق أن ثمة توسُّعًا من قبل الضباط في مراكز وأقسام الشرطة في إصدار أوامر الاعتقال، بما يتضمَّنه ذلك من احتجاز للمواطنين بشكل غير قانوني لمدد طويلة، دون عرض القرارات على النيابة العامة أو القضاء؛ حيث إن المعتقل لا بد أن ينتظر مدة 30 يومًا من تاريخ صدور قرار الاعتقال لكي يستطيع التقدم بتظلم للقضاء من أمر اعتقاله.

 

في البداية طالب محسن البهنسي (عضو مجموعة المساعدة القانونية لحقوق الإنسان) وزير الداخلية بنشر أسماء المعتقلين الـ1800 الذين حدَّدهم في تصريحه؛ لكي تقدم منظمات حقوق الإنسان الدعم القانوني لهم، متسائلاً: أين مكان اعتقالهم؟ وما هي ظروف اعتقالاتهم؟ وما هي أسبابها؟ ولماذا لم يتم الإفراج عنهم حتى الآن؟ مؤكدًا أن تصريحات الوزير غير دقيقة وغير صادقة في هذا التقدير.

 

الأرقام تتحدث

 الصورة غير متاحة

وأرجع البهنسي ذلك إلى أن مقرَّات مباحث أمن الدولة تغيب عنها الرقابة والمتابعة، وأصبحت أماكن اختفاء قسرية للمعتقلين لا يستطيع أحد أن يرصدها، مشيرًا أن عدد التظلمات التي تقدَّم يوميًّا في محكمة الجلاء يقرب من 300 تظلم.

 

وعَجِب من الإعلان عن هذه الأعداد!! قائلاً: "لقد وصلت اعتقالات الإخوان المسلمين وحدها خلال مظاهرات التضامن مع غزة إلى 1200 معتقل، بالإضافة إلى معتقلي الأطباء والمهندسين، الذين قُدِّرت أعدادهم بـ400 معتقل، هذا غير باقي معتقلي الجماعات الإسلامية!!".

 

وأشار إلى أن وزارة الداخلية أنشأت 7 معتقلات جديدة لتستوعب أعداد المعتقلين التي قدِّرت بـ"17 ألف معتقل"، بحسب تقدير المنظمات الحقوقية المختلفة، ولتقدم دليلاً آخر على التوجه الحكومي القادم تجاه الحقوقيين وأصحاب الرأي والسياسيين في مصر.

 

وشدَّد على أهمية تفعيل قرارات النائب العام والنيابة العامة الخاصة بشأن الرقابة ومتابعة مقرات الاحتجاز، وخاصةً مقرات مباحث أمن الدولة؛ حتي تتم السيطرة على وزارة الداخلية، ومنع إخفائها للمعتقلين، ومنع معلومات بشأنهم عن منظمات حقوق الإنسان.

 

غياب الشفافية

وأكد جمال عيد- المدير التنفيذي للشبكة العربية لحقوق الإنسان- أنه لا يثق في الرقم الذي أعلنه وزير الداخلية، وطالبه بكشوف معتمدة من وزارته بها جميع أسماء الـ1800 معتقل، مؤكدًا أنهم أكثر من هذا الرقم بكثير طبقًا لتقارير منظمات حقوق الإنسان المصرية، فهم يصلون إلى 12 ألف معتقل، مشيرًا إلى أن غياب المعلومات والشفافية في مصر هو الذي دفع وزير الداخلية لإعلان هذا الرقم بكل ثقة.

 

 مشدِّدًا على أن وزارة الداخلية تحاول الهجوم على المنظمات التي كشفتها أمام العالم، ورصدت بكل حيادية وإيجابية كل الانتهاكات التي ترتكبها أجهزة الأمن في حق المصريين.

 

غير دقيقة
 
 الصورة غير متاحة

محمد زارع

وانتقد محمد زارع (الناشط الحقوقي ومدير المنظمة العربية للإصلاح الجنائي) هجوم وزير الداخلية على منظمات حقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن منظمات حقوق الإنسان منظمات محايدة تهدف إلى محاولة منع الكبت والارتفاع بحقوق الإنسان في مصر، ولذلك فنحن نصرُّ على الحقيقة بعيدًا عن التضخيم.

 

وشدَّد على أن تصريحات وزير الداخلية غير دقيقة؛ حيث إن آخر رصد تم رفعه عن طريق الزيارة الميدانية للسجون وأعداد التوكيلات التي على أساسها تُرفع القضايا للمعتقلين، وصل إلى 6 آلاف معتقل خلال 2007، مشيرًا أن الـ1800 معتقل عدد لا يتجاوز الموجودين في سجن الوادي الجديد فقط!!.

 

وعلَّل حديث الوزير بالإعلان عن هذا العدد البسيط فقط بالضغوط الحقوقية التي تقوم بها منظمات حقوق الإنسان في مصر!.

 

دليل اتهام

 الصورة غير متاحة

نجاد البرعي

واستنكر نجاد البرعي- رئيس جمعية تنمية الديمقراطية والأمين العام السابق للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان- أن يعلن الوزير رقم المعتقلين مهما كان صدقه من عدمه في برنامج تلفزيوني، ولا يقوم بإعلانه في مجلس الشعب المصري الذي طالبت لجنة حقوق الإنسان فيه منذ عام 2006 بأن يعلن العدد الحقيقي لها.

 

وطالب البرعي العادلي أن يُصدر بيانًا رسميًّا، وأن ينشر أسماء المعتقلين في الجريدة الرسمية، ونماذج اعتقالاتهم، وأن يفتح السجون المصرية للتفتيش قبل الحديث عن كلام صرَّح به.

 

واعتبر أنه حديث كاذب حتى يثبت عكسه، مشيرًا إلى أن كلام المنظمات الحقوقية يشير إلى أن هناك ما يقرب من 5 آلاف معتقل، وعَجِب من تصريح الوزير الذي أكد أنه دليل اتهام لا دليل براءة، قائلاً: إذا كان وزير الداخلية لديه 1800 معتقل فحسب، فإن لديه 1800 معتقل بدون اتهام، ويحتجزهم بلا إدانة.

 

محاولة الإخفاء

وأكد إسلام لطفي- الناشط الحقوقي والمدير السابق بمركز (سواسية) لحقوق الإنسان- أن الأمر ليس جديدًا على وزارة الداخلية، فهي تعوَّدت على الاستخفاف بالرأي العام، وأن تتجاهل الحقائق على أرض الواقع وتتبع أساليب ملتوية لإخفاء انتهاكات حقوق الإنسان.

 

واندهش من العدد الذي ذكره الوزير، متسائلاً: هل يقصد الوزير أن هذه الاعتقالات تتم في الشهر الواحد؟! مشدِّدًا على أن المنظمات الحقوقية قدَّرت الأرقام بـ18- 22 ألف معتقل في مصر، مرجعًا اختلاف الأعداد بينهم كحقوقيين ووزير الداخلية إلى أن وزارة الداخلية لا تحترم القانون ولا تسجِّل في السجلاَّت الأعداد الحقيقية، بالإضافة إلى الاعتقالات المتكررة ومنع التفتيش على السجون.

 

 الصورة غير متاحة

ودعا لطفي وزير الداخلية وكل من يريد أن يتأكد من عدم صدق هذا الرقم أن يذهب إلى محكمة شمال القاهرة ليتأكد بنفسه أن عدد التظلُّمات تفوق العدد الذي ذكره الوزير، مشيرًا إلى أن قرارات المحافظات إذا أضيفت إلى قرارات القاهرة لأصبح الوزير في موقف محرج.

 

ووصف لطفي هجوم الوزير على بيانات المنظمات الحقوقية بأنها محاولة مكشوفة للتغطية على الدعم المعنوي الذي حصلت عليه منظمات حقوق الإنسان في مصر بعد تقرير البرلمان الأوروبي الذي فضح انتهاكات الحكومة المصرية بحق المصريين.

 

وشكَّك لطفي في إمكانية تصعيد وزارة الداخلية تجاه الحقوقيين في الفترة القادمة، معتبرًا أن الأمر لا يعدو أن يكون تصعيدًا كلاميًّا يهدف إلى إرجاع الهيبة لحكومة فُضِحت حقوقيًّا أمام العالم.