غزة.. أناديك؛ أودُّ أن أتحدَّث معكِ قليلاً من الوقت لأطمئن على أخباركِ.

 

لماذا لا تلتفتين إليَّ غزة؟!.. أُحدثكِ من مصر الشقيقة، أقف وراءكِ تمامًا.

 

آهٍ.. فهمت..!! تُولِّين وجهكِ تجاه العدو الصهيوني المتربِّص بأمتنا؛ فأنت على الثغر، ولا يجوز لكِ النظر للخلف والغفلة عن ذلك العدو الماكِر الذي ينتظر لحظة غفلة منكِ ليكمل طريق عدوانه ومكرِه في أرض مَن يقفون خلفكِ وبجواركِ!!.

 

على أي حال.. لا مشكلة، سأتسامر معكِ قليلاً، وليس بالضرورة أن أرى وجهكِ!!.

 

بدايةً، يا تُرى كيف حالك وحال أهلك ومواطنيك وسكانك؟!.. لعلهم جميعًا بخير، ويا تُرى كيف حال الخدمات الصحية عندكم والمرضى على الأسِرَّة في المستشفيات؟! وأيضًا كيف حال أبنائك الصغار ولهوهم البريء وأحلامهم الوردية؟! وكيف حال الشباب وجامعاتهم وطموحاتهم واستعدادهم للمستقبل؟! وكيف حال الشيوخ والعجائز وقد أدُّوا رسالتهم وربّوا أبناءهم ليكملوا المسيرة، وآن لهم أن يرتاحوا من طول الحياة وتعبها؟!

 

عفوًا غزة.. أحدثكِ فلماذا لا تجيبين؟!.

 

عفوًا غزة.. لماذا أراكِ تهتزِّين بهذا الشكل؟! ما هذا الصوت الذي أسمعه؟!.. هل تبكين؟!.. بل تنتحبين من البكاء!! اعذريني غزة.. هل أسأت أو أخطأتُ في كلامي؟! لَمْ أسألْكِ سؤالاً غير عادي، بل أسألُكِ عن حال الأطفال والمرضى والشباب والعجائز، وطرحت عليكِ بخصوصهم أسئلةً هي أسئلة عادية يعيشها كل مَن هم مثلهم وفي سنهم!!.

 

تُرى ماذا تُخفين عنا يا غزة؟!.. قِفِي جانبًا لأرى ما تخفينه بجسدكِ عن عيني.

 يااااه.. يا للأسى!!.

 غزة.. ما هذا الذي أراه؟! أصدقًا ما أرى؟! أهؤلاء هم أطفالك؟!!.

 لقد حفرت الأيام في ملامحهم ووجوههم أخاديد وتجاعيد وكأنهم شيوخ جاوزوا التسعين..
أهؤلاء هم أطفالك؟!!.

 ما لهم تركوا الملاهيَ والألعاب، ويحمل كل منهم في كفه الصغيرة حجرًا ويقف بجسمه الصغير في وجه هذه الآلة العسكرية الصهيونية؟!.. أهؤلاء هم أطفالك؟!!.. فلماذا يعتقلهم الصهاينة؟! بأي حق؟! بأي عرف؟! بأي قانون؟!.

 

أهؤلاء هم الشباب؟!!.. ظننتهم يقضون ليلهم في المقاهي وفي المسارح وأمام شاشات التلفاز!!.

ما لهم يبيتون لياليَهم في العراء وبين الأحراش، ممسكين بأسلحتهم وملثمين وجوههم؟!!.
ما لهم يا غزة يتساقطون قتلى، جرحى، ينزفون، يئنون؟!!.

 

يا لحزني!!.. أعمار شهدائك أغلبها في العشرينات، سِنُّ تفتُّح الشباب وجموح الأحلام والآمال.. ما لهم يا غزة لا يتزيَّنون كما يفعل أقرانهم في كل مكان في العالم، ويبحثون عن قصص الحب واللحظات الرومانسية وأشعار الغزل؟!!.

 

ومَن هؤلاء؟!.. لا تخبريني أن هؤلاء هم الشيوخ والعجائز!!.. ما لهم يبدون كجسد بلا قلب؟!!.. آه.. واللهِ حَقَّ لهم أن تذهب قلوبهم مع انفطارها على كل ابنٍ من أبنائهم قد استُشهد.. حَقَّ لهم أن تذهب قلوبهم مع كل شبر من الأرض قد بُدِّد، حقَّ لهم أن تذهب كل قلوبهم مع كل هذا الدمع الذي سكبوه!!.

 

آهٍ يا غزة آه..!! ما بال مبانيكِ مهدَّمة؟! ما بال شوارعكِ تئنُّ من الوحدة؟! ما بال البحر يرسل الأمواج على شواطئك وكأنها سيولٌ من الدمع، والرياح تطلق صفيرها وكأنه تنهدات حارة؟! ما بال لياليكِ مظلمة شديدة السواد؟! ما لي أرى أطفالكِ خرجوا بالشموع في هذا البرد القارس؟!.

 

ما لي أرى أَسِرَّة المستشفيات يُحمل منها مريضٌ بعد مريضٍ بعد أن يكون قد فارق الحياة، ولا تجدون حتى الكفن الذي يوضع فيه فيُكفن في ملاءة سريره؟!! ما لي أرى أفراحكِ قد حوَّلتها صواريخ الهمج إلى مآتم؟!.

 

ما لي أرى كل حدودك مغلقة؟!.. لا أرى وقودًا أو طعامًا أو أدويةً أو علاجًا يدخل لينقذ أهلك ومرضاك!!.

آهٍ يا غزة آه..!! كل هذا وتأبين حتى أن تغادري الثغر الذي تقفين عليه، وتأبين حتى الالتفات للخلف حتى تبكي أو تشتكي!!.

كل هذا وترفضين الذلة والانكسار والخضوع والركوع!!.. كل هذا حتى لا تُوقِّعي على وثيقة اعتراف بالصهاينة، وحتى لا تضعي سلاحك وتُديني المقاومة!!.

 

كَفْكِفي دمعكِ غزة.. فما يجدي دمعك، وتحمَّلي ألمك وحدكِ كما اعتدتِ دومًا، كما لعقتِ الجرح ومسحتِ دم أحمد ياسين والرنتيسى والشقاقي وعياش والدرة!!.

 

كَفْكِفي دمعكِ غزة.. فلستُ أملك لك سوى هذه الكلمات الخجلى وبعض الدمع قد أسكبه في لحظة حين أرى وجه بؤسكِ، ولكن بعدها سأدير قنوات التلفاز لأشاهد فيلمًا أو مسرحيةً لتنسيني همكِ وجرحكِ.

 

كَفْكِفي دمعكِ غزة.. فلدينا أيضًا ما يشغلنا، لدينا فِرقُنا العربية وهي تخوض معارك مصيرية في بطولة الأمم الإفريقية!!.

 كَفْكِفي دمعكِ غزة.. فلدينا زوَّارٌ علينا أن نُكرم وفادتهم ونحسن ضيافتهم، لا يعنينا غزة إن كانت أيديهم ملطخةً بدمائكِ وألمكِ!!.

 

كَفْكِفي دمعك غزة.. فربما تحتاجينه يومًا لتسقي منه أبناءك وأطفالك الرضَّع، حينما يفقدون الأم والعائل والمسكن والمشرب!!.

 

اعذريني غزة إن نكأتُ جراحكِ، ولكن قدري أن تقفي في خاصرة بلادي ولا أملك لكِ سوى أن "أمصمص الشفاه" ثم أمضي وأنصرف لأجلس في بيتي هانئًا وأترككِ وحدكِ لهذا الحصار الخانق وهذا البرد القارس وهذا الجوع والعطش، وعفوًا إن كنتُ أنا نفسي جزءًا من كل هذا الألم!!.

 

لا أعلم كيف أختم حواري معك غزة، ولكن لعل الأكرم لي أن أنطلق في صمت حتى دون كلمة سلام!!.

----------

* طبيب وأمين اتحاد الطلاب الحر الأسبق بجامعة القاهرة.