بمجرد أن نزل "بوش" أرض المنطقة في زيارةٍ لبعض دولها بدأها بالكيان الصهيوني المغتصب ثم بعض دول الخليج ثم مصر، بمجرَّد أن دنَّس بقدميه هذه المنطقة انطلق الصهاينة ضربًا وقتلاً، وتخريبًا وتدميرًا بصورةٍ تكاد تكون لافتةً للنظر، بل وصادمةً للمشاعر والنفوس؛ فما من يومٍ- طوال هذا الأسبوع- إلا ويسقط القتلى والجرحى، وتُدمَّر البنايات والمنشآت بشكلٍ مخططٍ ومدروسٍ!!.

 

فهل هناك رابطٌ بين بدءِ هذه الزيارة المشئومة وبين هذا الاختيار المبرمج والمنظم؟، وهل ذلك كله هو عربون محادثات السلام والمفاوضات التي تمَّ الاتفاق عليها في مؤتمر البيع للقضية في "أنابوليس"، والذي حشد له أغلب الحكام العرب في تظاهرةٍ استسلاميةٍ لم يسبق لها مثيل؟!، وهل هذا كله كان مُبيَّتًا بليل؟؛ بحيث يتم- وفق التصور الخاطئ- التخلص من العقبة الكئود من المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها "حماس" وغيرها من الفصائل الجادة؟.

 

وهل تشارك جحافل المفاوضين والاستسلاميين من أرباب السلطة في التدبير لذلك والتحريض عليه؛ حتى يخلوَ المجال لبيع القضية وإهالة التراب عليها ونفض الأيدي منها؛ وذلك كله بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة، لا تنفع في الدنيا ولا في الآخرة؟!!.

 

إنَّ المجازرَ التي تتم الآن في غزة والضفة تنفطر لها القلوب، وتقشعر منها الأبدان، وتثور لها النفوس وتنخلع، ولا يكاد المرء يُصدِّق هول ما يحدث وبشاعة ما يتم وشناعة ما يقع، خاصةً أنَّ وسائلَ الإعلامِ الحديثة تنقل المشاهدَ حيَّةً، وتبثُّ الصور والأحداث في التو واللحظة.

 

إنها مشاهد تصكُّ الأسماع، وتفقع العيون، وتلطم الخدود والوجوه، وتصدم المشاعر إن كان هناك مشاعر أو أحاسيس!!، وهي من تكرارها وكثرها وعنفها وقسوتها نخشى أن تُصيب الناس بالتبلُّدِ والتعوُّد والرتابة والعجز!!.

 

ولنا أن نصرخ بأعلى صوت: أين دور الأنظمة العربية والإسلامية؟! أين الغيرة والشهامة والنجدة والنخوة؟! بل أين ذهبت الأصالة والعروبة والرجولة؟! وهل يظن الحكام العرب بهذا الصمت والخرس أنهم في مأمنٍ من عوادي الزمن وتقلُّب الأيام؟! وهل هم الآن بعيدون عن الخطر ومرمى الحجر من الأعداء الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة؟!!.

 

إنَّ المنطقةَ العربيةَ والإسلاميةَ لا تكاد تخلو من الفتن والمحن، والقلاقل والاضطرابات، وهي محط أنظار خصومِ الإسلام وأعدائه؛ لا للإصلاح والرخاء والديمقراطية كما يزعمون، وإنما للاستغلال والابتزاز ونهب الثروات، ثم (وهذا هو الأهم):

- لتفريغ الأمة كلها من عنصرِ قوتها وسر نهضتها وأساس وجودها، وهو الإسلام.

- ولتفريق كلمتها وتمزيق شملها، وتشتيت كياناتها وبعثرة جهودها.

 

وإذا كان هذا هو حال حكامنا بما يبدون عليه من ضعفٍ وعجزٍ وهوان؛ بحيث تجري هذه المجازر والدماء التي تسيل أنهارًا والهوان والدمار الذي يكابده إخوانٌ لنا في فلسطين، وصرخات الثكالى وأنين الجرحى، وصيحات المشردين واللاجئين والمكلومين، يجري كل ذلك وأبشع منه أمام أعين حكامنا!!، وفي أثناء زيارة "بوش" النجسة، ويقابلونهم بالترحاب والأحضان، والقبلات والتراقص بالسيوف، ولم يستطع واحدٌ منهم أن يلفت نظر هذا الطاغية العالمي ويُكلِّمه- ولو على استحياءٍ- في شأن هذا الظلم الواضح البيِّن، وهذا الإجرام الواقع على إخواننا والدمار الذي لَحِقَ بفلسطين بأيدي الصهاينة والسلام الأمريكي الذي يمدهم به نظام "بوش" المحمول على أساطيل بحريةٍ وجويةٍ لا تنقطع.

 

ويزيد الأمر بشاعةً وهولاً أن يُعلن "بوش" في بداية جولته أنه يُبارك يهوديةَ الكيان الصهيوني، ويترتب على هذا الإعلام العجيب أن يقطع الطريق على عودةِ اللاجئين إلى بلادهم وديارهم، وهو بندٌ رئيسي وأساسي للكفاح المتواصل للشعب الفلسطيني، ويجمع كل القوى والفصائل المجاهدة عليه.

 

وما زال اللاجئون من أهل فلسطين يعيشون على هذا الأمل، ويراودهم هذا الحلم، ويتحملون هذا التشرد والحرمان من أبسطِ الحقوق؛ على أمل أن يعودوا يومًا ما إلى ديارهم ووطنهم.
ويأتي "بوش" هذه الأيام ليعلن أن الكيان الصهيوني هو دولةٌ لليهود، وأنه بذلك يقطع الطريق على مجرَّد الأمل أو الحلم، وهو- أقصد "بوش"- يخرج بحلٍّ خبيثٍ شيطاني يرمي إلى التعويض المادي للاجئين، ولن يكون بالطبع من أموال اليهود أو "بوش"، وإنما من أموال بترول العرب وخزائنهم!!.

 

ومن التداعيات القانونية ليهودية الدولة أن يحدث تطهيرٌ عرقيٌّ لقرابة مليون ونصف المليون من عربِ فلسطين، وإجلاءٌ لهم وطردُهم من بلادهم وديارهم من داخل الكيان الصهيوني، ويهيمون على وجوههم في مسلسلٍ مأساوي آخر تحت سمع وبصر العالم كله، ولا مغيثَ لهم ولا عاصمَ إلا الله.

 

ثم هناك نقطةٌ أخرى:

فكرة الدولة اليهودية الدينية.. أليست من المحرمات في الفكر المادي العلماني المعاصر؟! أليست الدولة الحديثة التي صدَّع دماغنا بها العلمانيون العرب تقوم على فصل الدينِ عن الدولة؟! ولا دين في السياسة ولا سياسة في الدين- حسب زعمهم-؟!.

 

لقد قامت الدنيا ولم تقعد عندما صدر برنامج الإخوان في قراءته الأولى وبه الإشارة إلى تكوين لجنة من هيئةِ كبار العلماء بالأزهر لمراجعة مشاريع القوانين ومراعاة عدم تعارضها مع الشريعة الإسلامية التي ينصُّ عليها الدستور في مادته الثانية.

 

ومع أن الإخوان قد أعلنوا وقتها أن مهمةَ هذه اللجنة استشاريةٌ، وأنها سابقةٌ للقوانين التي تصدر من مجلس الشعب وليست لاحقةً لها، ومع ذلك شَرَعَ كثيرٌ من العلمانيين الكارهين للشريعة يسددون سهام النقد والتجريح للجماعة، ويصفون الإخوان بأنهم يعودون بالأمةِ إلى الكهنوتية وحكم رجال الدين وظلامية العصور الوسطى!!.

 

فأين هم الآن من إعلان سيدهم "بوش" عن يهودية دولة الكيان الصهيوني؟! وهل هو "حلال" لهم و"حرام" على غيرهم؟! وأين هو التفكير العلمي المجرَّد والموضوعية الدقيقة في تناولهم لمثل هذه الأمور؟!!.

 

إن اتباع الهوى يُعمي القلوب والأبصار، ويُضلُّ عن الحق والصواب ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26)﴾ (ص).

 

 الصورة غير متاحة

 شباب من غزة يكتبون على أجسادهم شعارات تطالب برفع الحصار

وأراني أقف عاجزًا عن تحمُّل رؤيةِ الدم المسلم المسفوح على أرض غزة والضفة بأيدي شر الناس- الصهاينة اليهود- يعيثون في الديار فسادًا وإفسادًا، محاولين تصفية المقاومة والقضية معًا، وإنهاء ما يُسمَّى بـ"فلسطين"، وكذلك القدس، ولا يضعون حدودًا لدولتهم اللقيطة، وستظل هكذا مفتوحةً شرهةً إلى أن يتحقق حلمهم المخطط له "من الفراتِ إلى النيل" كما تُوضحه لافتةٌ بارزةٌ في "الكنيست" عندهم.

 

والسؤال الذي يلح علينا الآن:

وماذا بعد؟ وما المخرج من هذا المأزق وهذه المأساة؟ وما دورنا نحن المسلمين تجاه هذه القضية؟.

 

نقولها بوضوح: إن الأملَ معقودٌ على الأمة، متمثَّلةً في الشعوب الواعية بأبعاد القضية، المتشبثة بدينها، المستمسكة بالحق، المتسلحة بالإيمان واليقين، بأنه لن تقوم الساعة حتى يتحقق نصر الله ويتم إظهار الحق وإبطال الباطل، ولكن بيننا وبين ذلك جهدٌ كبيرٌ وجهادٌ متواصلٌ، وصبرٌ جميلٌ وثباتٌ نادرٌ على المبدأ من غير تفريطٍ فيه أو مساومةٍ عليه، وعلينا أن نُساند الأخوة المرابطين المجاهدين في فلسطين بكل أنواع المساندةِ والمؤازرةِ، ابتداءً من إخلاصِ الدعاء، إلى اقتسامِ كسرة الخبز معهم.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.