تناولنا في حديثٍ سابقٍ خُلقًا من أخلاقِ الكبار، وهو الاعتذار، واليوم نتناول خلقًا لا يقل أهميةً عن الاعتذار، وهو خلق السماحة أو التسامح، وهو كذلك من أخلاقيات الكبار الذين يتميزون دائمًا عن غيرهم.
فالمجتمعات الإنسانية لا غنى لها عن السماحة؛ إذ إنَّ الاحتكاك المتبادل قائمٌ بين أفرادها، والمعاملات في شتى جوانب الحياة مشتركة بينهم، وبدهي أن الاحتكاك والمشاركة والاختلاط بين الناس لن يخلُ يومًا من المشادَّات أو الاختلافات، منها البسيط ومنها المعقد، وخلق السماحة والبشاشة هو الخلق الجدير برأب الصدع حال حدوث هذا المشادات.
والشخص السهل اللين في معاملاته هو الشخص القادر على كسب الكثير الأصدقاء والمحبين، بينما المتشدد المتعصب في أفكاره ومعتقداته ومعاملاته، هو أكثر الناس خسارةً لمَن حوله، وأكثر الناس فقدانًا للأنصار والأتباع.
لماذا السماحة من أخلاق الكبار؟
لأن السماحة تعني التنازل عن حظِّ النفس، أو جزءًا من حقِّه ليُنهي مشكلةً هو طرف فيها، عن طيبِ نفس وابتغاء مرضاة الله، وهذا لا يقدر عليه إلا الكبار أصحاب النفوس الكبيرة.
ولأن السماحةَ تعني عدم إحراج الآخرين أو التضييق عليهم، والتعسير معهم حتى يفتضح أمرهم وتظهر سوءتهم أمام الناس، وهو أيضًا ما لا يقدر عليه إلا الكبار الذين يتسامحون مع مَن أخطأوا في حقهم.
ولأن السماحةَ تعني إعفاء الناس من ديونهم إذا عجزوا عن سدادها أو تعثروا في ذلك، وهذا لا يقدر عليه كذلك إلا الكبار؛ لأن نوع المسامحة هنا نوعٌ مادي، وقلما تجد إنسانًا يفعل ذلك.
سماحة في البيع والشراء والاقتضاء:
إن الكبار تتميز أخلاقهم عند الاحتكاك والمشاركة والاختلاط بالآخرين، فأكثر ما تكون المنازعات بين الناس في المعاملات المالية، هذه المعاملات المالية لا تخرج عن البيع والشراء والاقتضاء، والكبار في كلِّ هذه الممارسات والمعاملات يعطون دروسًا في السماحة والرفق واللين عند البيع والشراء وحال الاقتضاء.
فهم سمحاء في شرائهم، أمناء في بيعهم، مُيسرين في قضائهم، صدق فيهم قول الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى". (صحيح البخاري ح (1934)).
سماحة عند اللقاء:
الكبار تستبشر النفوس بلقياهم، وتُسر القلوب بالنظر في وجوههم، ذلك أنهم يُبالغون في الحفاوة بمَن يلقونه، طاعةً لله، واستجابةً لتوجيهاتِ النبي- صلى الله عليه وسلم- ففي الحديثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ" (صحيح مسلم ح(4760)).
شريعة سمحة:
الكبار يستمدون ذلك الخلق الكبير من فهمهم الراقي لمقاصد الإسلام الذي جاء بالحنفية السمحة، فالشريعة التي يدينون بها لم تُكلِّف الناس شيئًا فوق طاقتهم، بل جاءت للتخفيف عنهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157)﴾ (الأعراف)، فلقد جاءت شريعة الإسلام لترفع الأثقال التي كانت على كواهل الناس، والأغلال التي كانت مكتوبةً عليهم في الأمم السابقة.
والكبار أيضًا يفهمون الدين على أنه جاء لرفع الحرج والمشقة أيضًا، فهو يتوافق مع فطرتهم وطبيعتهم البشرية..﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية 78) إنها السماحة والتيسير في أجَلِّ معانيها، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: عَنْ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا" (صحيح البخاري ح (67)).
حياة سمحة:
والكبار يقتدون برسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سماحته ويسره، فهم يبعدون عن التشدد في الدين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ" (صحيح البخاري ح(38)).
وتعقيد الأمور والتشديد على النفس ليست دلالةً على قوةِ التدين أو الإيمان، بل مراعاة الفطرة وطاقة الشخص تُعد من خصائص هذا الدين، فقد رُوي: "مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ" (صحيح البخاري ح(6288)).
الكبار يفتحون أبواب الأمل
الكبار يأخذون من خُلق السماحة وسيلةً للتيسير على الناس، وعدم التشديد عليهم، وفتح أبواب الأمل لعودتهم لربهم، فقد جاء أن العابد الذي سأله قاتل التسعة وتسعين نفسًا: هل له من توبةٍ؟ فلمَّا أغلقَ باب الأمل في وجهه قتله فأتمَّ به المائة.. فكان هذا التشدد مع الرجلِ سببًا في ارتكابه جريمةً أخرى، ولكن عندما ذهب للعالم وفتح له أبواب الأمل والتوبة، جعله مُقبلاً على الله وراغبًا في الهدايةِ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لا. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَتْ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ". قَالَ قَتَادَةُ فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ. (صحيح مسلم ح (4967)).
وعلى هذا المعنى يؤكد الرسول- صلى الله عليه وسلم- على ضرورة التيسير على الناس، وإحياء خُلق المسامحة لما له من تأثيرٍ إيجابي على نفسِ البشرية "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ" (سنن أبي داود ح(4258)).
كبار حتى مع المسيئين
والكبار أصحاب النفوس الكبيرة تراهم يتعاملون مع مَن أساء إليهم بهذا الخلق الجم، الذي به تُمتلك القلوب، ويُسهل قيادتها، فلا مجالَ عندهم للتشفي أو الانتقام وحظوظ النفس، تورط الصحابي الجليل مسطح بن أثاثة مع مَن تورطوا في حادثِ الإفك، وخاض مع مَن خاض في عِرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في زوجه السيدة عائشة الطاهرة المُبرَّأة، وهي ابنة الصديق أبي بكر، وقد كان يتولى الإنفاق على مسطح، فلمَّا خاضَ في الحديث أقسم ألا يُنفق عليه، ولا يُعطيه بعدها حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: 22).
وهذا لا يكون إلا من أخلاقِ الكبار الذين استطاعوا التخلص من حظوظِ النفس، والتجرُّد لله ربِّ العالمين والإخلاص له.
سماحة في المعاملات
الكبار تظهر أخلاقهم السمحة في تعاملاتهم مع الآخرين، فهم يتنازلون عن بعضِ حقوقهم أو كلها بنفسٍ راضية، وسماحة متناهية، فلا يتمسكون بحقوقهم إذا كان الطرف الآخر لم يطب بها نفسًا.
فالكبيرُ لا يتمسك بحقوقه لدرجةٍ توصله إلى توتر علاقاته مع الغير، بل ويرفعون الحرج عن الآخرين إذا وقعوا فيه، رويَ أن عثمان اشترى من رجلٍ أرضًا فأبطأ عليه فلقيه فقال: "ما منعك من قبضِ مالك؟ قال: إنك غبنتني، فما ألقى من الناسِ أحدًا إلا وهو يلومني، قال: أذلك يمنعك؟ قال: نعم! قال: فاختر بين أرضك ومالك، ثم قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"أدخل الله الجنةَ رجلاً كان سهلاً مشتريًا وبائعًا وقاضيًا ومقتضيًا" (البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص 242).
سماحة مع المُعسرين
الكبار لهم سماتهم الخاصة التي تظهر وقت الشدائد والأزمات، فهم يُقرضون الناس متى احتاجوا إلى أموالهم، ويُسارعون إلى فكِّ كربِ المكروبين، وهم الصدر الحاني الذي يلجأ إليه المُعسرون، وهم حين يفعلون ذلك لا يستغلون الظروف ويُرابون مع مقرضيهم، بل أخلاقهم أَسْمَى من هذا بكثيرٍ، فهم يصبرون ويعذرون وقد يُسامحون ويتنازلون، جاء في الحديث أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ" (صحيح البخاري ح(1936)).
فالكبار قلوبهم مُعلقة بالآخرة، وأبصارهم تمتد لترى أبعد من الواقع، إنهم ينظرون بكل اهتمامٍ وتركيزٍ إلى أحداثِ اليوم الآخر؛ حيث يكون الكرب والضيق والخوف والرهبة وسوء الحساب، إنهم يرون أن التيسير والتسامح مع المُعسرين قد يكون سببًا في تيسير الله عنهم في هذا الموقف العصيب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (سنن بن ماجةَ ح (2408)).
رفع الحرج
الكبار يرفعون الحرج عن إخوانهم الذين وقعوا في الزلل، أو تعسروا في قضاءِ دينهم، وهذا من سماحتهم التي عُرفوا بها، ونفوسهم الراقية التي تربَّت على الإيمانِ والتخفيف عن الناس، فالكبار لا يشغلهم التفكير فيما لهم عن التفكير فيما عليهم من وجوبِ التسامح والعفو وتقديرِ ظروفِ الآخرين، ومن أجمل ما رُوي في ذلك قصة أبو اليسر التي جاءت على لسانِ الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، قال: "خرجتُ أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار، قبل أن يهلكوا، فكان أول مَن لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومعه غلام له، وعليه برد(1) معافري(2) وعلى غلامه برد معافري ومعه ضبارة(3) صحف، فقال له أبي: كأني أرى في وجهك سفعةً(4) من غضب. قال: أجل كان لي على فلان بن فلان الحرامي مال، فأتيتُ أهله، فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا، فخرج ابنٌ له فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع كلامك فدخل أريكة أمي. فقلت: اخرج فقد علمت أين أنت، فخرج إليَّ فقلتُ له: ما حملك على أن اختبأتَ مني؟ قال: أنا والله أُحدثك ولا أكذبك، خشيتُ والله أن أحدثك فأكذبك، أو أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقلت: آلله، وكنت والله معسرًا؟ فقلتُ: آلله. قال: آلله. فقلت: آلله. قال: آلله. قال: فنشر الصحيفة ومحا الحقَّ، وقال إن وجدت قضاءً فاقضِ، وإلا فأنت في حلٍّ، فأشهد لبصرت عيناي هاتان، ووضع إصبعيه على عينيه، وسمعت أذناي هاتان ووضع إصبعيه في أذنيه، ووعاه قلبي- فأشار إلى نياط قلبه- رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن أنظر معسرًا ووضع له أظله الله في ظله" (المستدرك على الصحيحين ح(2185)).
السماحة ليست عجزًا
البعض يتخيل أن المسامحة، والتنازل عن الحق، والعفو عن زلاتِ الآخرين في حقِّه يُعتبر عجزًا وخورًا وضعفًا، أما الكبار فالأمور واضحة في أذهانهم تمامًا، ولا تعنيهم هذه التفسيرات التي يسيطر عليها الأهواء، وتتملاها الشياطين، ويستجيب لها أصحاب النفوس الصغيرة، التي تُمثل أنفسهم لديهم شيئًا كبيرًا، وتعنيهم آراء الناس، فيفرحون بالمدح ويساءون بالذم.
أما الكبار فهم يتسامحون مع الناس، ويتساهلون معهم، ليس عن ضعفٍ أو عجزٍ بل طمعًا في أجر وثواب المتسامحين وخوفًا من الوقوع في ظلمِ الفجور والتشدد بما لهم من حق، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُخَيَّرُ فِيهِ الرَّجُلُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالْفُجُورِ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَلْيَخْتَرْ الْعَجْزَ عَلَى الْفُجُورِ" (مسند الإمام أحمد ح(7217)).
سماحة الاستيعاب
إن من فقه الكبار أنهم يستوعبون كل مَن حولهم من خلال السماحة والتساهل مع الناس، ومن أشكال التسامح التبسم في الوجه "تبسمك في وجه أخيك صدقة" (صحيح بن حبان ح(475))، ومنه أيضًا اليسر واللين، قال- صلى الله عليه وسلم-: "حرم على النار كل هيِّنٍ ليِّنٍ سهلٍ، قريب من الناس" (مسند الإمام أحمد ح (3742))، ومنه التغافر والتراحم"ارحموا تُرحموا، واغفروا يغفر لكم" (مسند الإمام أحمد ح (6255))، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اسْمَحْ يُسْمَحْ لَكَ" (مسند الإمام أحمد ح(2122)).
السماحة مع العصاة
الكبار قلوبهم رحيمة، تحتضن الجميع وتخاف عليهم، وترغبهم في الإسلام وتُحببهم فيه، والعصاة من عباد الله زلت نفوسهم، فاقترفوا آثامًا وذنوبًا، والحكيم هو الذي يستطيع التعامل معهم ويجعلهم يتجاوزن الذنب ويندمون على اقترافه ويُقلعون عنه، ويُسارعون إلى التوبة، والعودة من جديد، رغم أن العكس قد يحدث من أصحاب النفوس الصغيرة التي تجد الغلظة والشدة مع أمثال هؤلاء وسيلةً للتعامل معهم، فيتسببون في استحكامِ الذنب لديهم بإغلاقهم أبواب الأمل في وجوههم.
أتي بابن النعيمان إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- مرارًا، أكثر من أربع، فجلده في كل ذلك، فقال رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم العنه ما أكثر ما يشرب، وما أكثر ما يُجلد"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه! فإنه يحب الله ورسوله" (مصنف عبد الرزاق ح(13552) ج7 ص 381).
وفي رواية أبي داود أنه يُقال له: "مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ؟! مَا خَشِيتَ اللَّهَ؟! وَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! ثُمَّ أَرْسَلُوهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَكِنْ قُولُوا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ" وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ الْكَلِمَةَ وَنَحْوَهَا" (سنن أبو داوود ح(3882)).
وفي الحديث أَنَّ رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، فصاح به الناس، [فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقروه"، فدنا حتى جلس بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أتحبه لأمك؟" قال: لا، قال:"وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم"، فقال: "أتحبه لأختك؟" قال: لا، قال: "وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم"، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره، فقال: "اللهم كفِّر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه" (رواه الطبراني (1494)).
----------
الهوامش:
1 - البْرُدُ والبُرْدة: الشَّمْلَةُ المخطَّطة، وقيل كِساء أسود مُرَبَّع فيه صورٌ
2 - المعافري: نوع من الثياب اليمنية منسوب إلى صانعها معافر
3 - الضبارة: الجماعة
4 - سفعة: تغَيُّر إلى السَّواد
----------