- الحكومة تبيد مزارع الدواجن وتترك الخنازير الأكثر خطورة!
- الهيئة العليا لمواجهة الأزمة ليس بها طبيب بيطري واحد
- إجراء التحاليل بمعامل أمريكية.. تقصير في سبل المواجهة
تحقيق: حسن محمود، تصوير: محمد أبو زيد
أثارت عودة تساقط ضحايا جديدة لفيروس إنفلونزا الطيور في مصر قلقَ منظمة الصحة العالمية، التي وجهت انتقاداتٍ شديدةً لوزارة الصحة المصرية لعدم اتباعها توصيات المنظمة الخاصة بالوقاية من المرض ومكافحته؛ خاصةً فيما يتعلق بالتربية المنزلية للطيور؛ نظرًا لأن كل الحالات التي تُوفيت في مصر كان معظمها لسيدات يربين الطيور في منازلهن.
وتقول المنظمة العالمية للصحة الحيوانية إنه يمكن القضاء على النسخة الشديدة الضراوة من فيروس "إتش 5 إن 1" إذا تمت مكافحة الفيروس بفعالية في مصر وإندونيسيا ونيجيريا حيث توطَّن، والمشكلة أن ملف الأزمة وُضِعَ في أيدٍ لا تستطيع إدارته، ولا تمتلك القدرة العلمية على إنهائه، بينما الهيئات البيطرية وأساتذة الطب البيطري يعانون التهميش والإقصاء حتى تصدَّر المشهد وزاراتٌ تدير المواجهة بالقرارات التنفيذية وملاحقة المحليات وجنود الأمن المركزي، وفرق المكافحة للبؤر المصابة دون تعويض أصحابها، والتعامل بطريقة حضارية مع الشعب.
![]() |
|
د. سامي طه |
يقول د. سامي طه (نقيب الأطباء البيطريين): نحن جزء من العالم، ومقاومة الأوبئة البيطرية لها قواعد معروفة تمامًا؛ ففي أزمة جنون البقر أو الحمى القلاعية اجتمع رؤساء الهيئات البيطرية في دول أوروبا لمواجهة الأزمتين؛ حيث إنهم المنوط بهم تنفيذ هذا العمل، وهذا لم يحدث في مصر حتى وصل الأمر لتشكيل الهيئة العليا لمواجهة الأزمة بدون طبيب بيطري واحد.
ويضيف: رغم أن الهيئة العامة للخدمات البيطرية التي أنشئت برقم 187 لسنة 1984 تجعل الهيئة البيطرية مستقلةً عن وزارة الزراعة ولها شخصيتها الاعتبارية، تم تشكيل لجنة لمواجهة الأزمة داخل وزارة الزراعة جعلت رئيس هيئة الطب البيطري عضوًا فيها؛ مما أدى إلى إضعاف صلاحيات الهيئة وضَعف ميزانيتها.
ويشير إلى أن المهنة الوحيدة التي توقَّف فيها التكليف منذ 13 سنةً هي مهنة الطب البيطري؛ مما جعل هناك نقصًا في القوى الشبابية في مهمة التحصين ضد الأمراض الوبائية، وهي قرابة 5 أمراض يتم تحصينها في كافة أنحاء الجمهورية.
ويستنكر أن يتم إقصاء معهد بحوث صحة الحيوان الذي يمتلك 2000 كادر طبي يحملون الدكتوراه في الطب البيطري، وعمره 100 سنة، ويتبعه 26 فرعًا مقابل الاكتفاء بمعهد "مستنسخ" بوزارة الزراعة يُدعى "معهد الرقابة على الإنتاج الداجني" الذي به عدد محدود من الكوادر، مؤكدًا أنه أصبح عندنا نقص تشخيص في مرض إنفلونزا الطيور، رغم أن هناك كوادر معروفة في الجامعات يمكن لها أن تؤدي نفس المهمة بكفاءة.
![]() |
|
الحكومة تتعامل مع الأزمة بأسلوب غير علمي!! |
ويؤكد أن الادعاء بأن معهد الرقابة على الإنتاج الداجني معمل "مرجعي" كاذب؛ حيث إنه طبقًا للمقاييس الدولية ليس مرجعيًّا، وأن المعمل الذي يتم فيه تحليل العينات حقيقةً هو معمل "nemero3" التابع لوحدة البحوث الطبية للبحرية الأمريكية، محذِّرًا أن رقبة الشعب والثروات الحيوانية والإنسانية في معمل غير وطني!.
وانتقد اعتماد الحكومة المصرية على استيراد اللقاحات من الخارج، محذرًا من أن هذا يهدد الأمن الصحي في مصر، ويستنزف العملة الأجنبية في الدولة، موضحًا أن مصر لديها معهد بحوث إنتاج اللقاحات الطبية بالعباسية، ويبلغ عمره 105 سنوات، ويعمل به ما يقرب من 1000 كادر علمي يحملون الدكتوراه، ويقومون بتصدير إنتاجهم إلى دول إفريقيا والشرق الأوسط، ولكن لم يعطوا لهم الإمكانات المادية التي تساعدهم على توفير هذه الأمصال لوطنهم.
وقال: "الخطير في الأمر أنه إذا انتشرت السلالة الجديدة من إنفلونزا الطيور "h7"- وهي موجودة في مصر ولكن غير منتشرة- سيصبح اللقاح المستورد الموجود غير مجدٍ، وسنخسر جهود علمائنا"، واستغرب إبعاد الهيئات البيطرية وتهميشها، وتولِّي وزارات غير متخصصة ملف المواجهة مع المرض مما سبَّب الأزمة وعودتها، قائلاً: "أنا أستغرب ذلك وأدعو إلى اتخاذ قرار سياسي سيادي".
وطالب الرئيس مبارك بالاستفسار من الأوروبيين عن كيفية المواجهة الصحيحة للأزمة قائلاً: الحكومة فشلت يا سيادة الرئيس، ولديها قِصَر نظر في التعامل مع الأزمة وتعتمد على سياسة الاستيراد في الأزمة رغم خطورة ذلك على الأمن العام، موضحًا أن هناك فرقًا بين استيراد القمح، وبين استيراد الحيوانات والطيور.
مسئولية الجميع
![]() |
|
د. محمد سيف |
ويوضح د. محمد سيف- أستاذ الطب البيطري بجامعة بني سويف- أن الشعب والحكومة يتحمَّلان المسئولية معًا؛ حيث إن الشعب تراخى في تحصين دواجنه، كما أن الدولة تراخت أيضًا، ولم تنشئ مجازر تستوعب طاقة المزارع، وتنقل القضية من نقل الطيور الحية إلى تداول آمن للطيور المذبوحة.
ويرى أن هناك ثقافةً مفتقدةً في البيوت تتحمَّل مسئوليتها الدولة عن كيفية التحصين والوقاية من المرض والتطهير للأماكن المصابة، وكيفية التعامل مع الطيور، مطالبًا أن تعوّض الدولة الأهالي التي تعرضت طيورهم للنفوق، موضحًا أن هذا من شأنه طمأنة الناس على ثرواتهم الداجنة، والسيطرة على المرض.
ويشير إلى أن قرار الدولة بمنع نقل الطيور الحية عبر المحافظات قرارٌ جيد لكنه أغلق الطريق أمام الشعب لعدم وجود مجازر كافية؛ مما جعل الطيور قنابلَ موقوتةً للأهالي وأصحاب المزارع، وكانت الأجهزة المصرية المعنية بمكافحة مرض إنفلونزا الطيور قد أمرت بتشديد الإجراءات لمنع السيارات الناقلة للدواجن من التحرك بين المحافظات، وإغلاق محلات بيع الطيور الحية.
ويضيف أن وجود الخنازير- خاصةً في القاهرة- أمرٌ خطيرٌ، ولا بد من الإسراع بنقله خارج القاهرة الكبرى تمامًا؛ لكونه عاملاً مهمًّا في نقل الفيروس.
![]() |
|
د. حمدي حسن |
الدكتور حمدي حسن- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين- تعجَّب من معرفة كل المسئولين، وأصحاب القرار بأنه لا خطورة على انتقال المرض من الطيور إلى الإنسان إلا من خلال الخنازير، ومع ذلك فإن الحملات موجهة لإعدام ملايين الطيور دون أن يتم اتخاذ إجراء واحد ضد الخنازير، وهي مصدر الخطورة الحقيقية وبنسبة 100%، وتركها ترتع في وسط القاهرة، ووسط المناطق الآهلة بالسكان؛ مما يسبب خطورةً حقيقيةً لاستفحال المرض.
وأضاف النائب: كان يجب على المسئولين اتخاذ الإجراءات السريعة لإعدام الخنازير، وإبعادها عن الأماكن السكنية ولم نشاهد حملةً إعلاميةً مستمرةً لتوعية المربين، والجمهور والمستهلكين سوى لأيام معدودة، ثم عاد كل شيء إلى طبيعته، رغم أنه بقليل من النظافة نقضي على المرض، ونحافظ على الثروة.
حلول غير علمية
وينفي د. عبد المجيد وهبة- رئيس قسم أمراض الدواجن بجامعة القاهرة- أن تكون الحلول التي تُدار بها الأزمة في مصر حلولاً علميةً أو صحيحةً، مشيرًا إلى أن قفل محلات الدواجن ومنع نقلها حيةً دون البحث في مواجهة علمية مدروسة شاملة يُعتبر من مظاهر العدوان على الخصوصية والعلمية، موضحًا أن هناك محافظاتٍ لا يكفيها إنتاجها الداجني، بينما يزيد إنتاج محافظات أخرى، مستنكرًا أن يكون هذا حلاًّ.
![]() |
|
مطالب بالرجوع إلى المتخصصين في التعامل مع الكارثة |
ويهاجم الطريقة التي يتم التعامل من خلالها مع المزارع المصابة، ووصفها بأنها شغل "عافية"، مؤكدًا أن العمق الحقيقي لعلاج هذه المشكلة بالتوسع بإقامة المجازر، واستنكر أن يتعامل معمل واحد في مصر في تقييم التحصينات في 26 ألف مزرعة في مصر، بينما هناك 26 معملاً إقليميًّا، متسائلاً: لماذا لم يتم تدريب من 5 إلى 10 كوادر طبية منه؛ كي يكون مؤهَّلاً بشريًّا وعلميًّا كي يشخص محافظته؟!
وانتقد تحكُّم وزارات غير متخصصة في توجيه الشعب خلال الأزمة، بينما يتم تهميش وإقصاء كل الخبراء البيطريين، قائلاً: لقد وجدت أحد المتحدثين الإعلاميين بإحدى هذه الوزارات يتحدث بكل طلاقة وشجاعة عن تشخيص المرض وكيفية مقاومته، مطالبًا الدولة بالرجوع إلى الخبراء المتخصصين فورًا من أجل حلِّ الأزمة، مؤكدًا أن خسائر مصر وصلت إلى مليار ونصف المليار بسبب التأخر في فعل ذلك.
مستقبل مهدد
ويشير د. إيهاب عبد الصبور- دكتوراه في أمراض الدواجن جامعة القاهرة- إلى ما أسماه "غياب بروتوكول العمل الواحد" لحل المشكلة، وغياب تضافر الجهود والتعاون بين جهات الدولة، محذِّرًا من أن هذا الأسلوب سيبدِّد أيَّ أمل في إنقاذ صناعة الدواجن في مصر، ويثبت عدم مستقبل لهذه الصناعة في مصر، قائلاً: أطالب بوجود إدارة لتضافر جهود المخلصين المتخصصين في مصر؛ حيث إن مصر هي منشأ هذه الصناعة بين الدول العربية، وكانت تصدر الكتكوت للدول العربية.
حكومة خاطئة
![]() |
|
د. أحمد الخولاني |
وينتقد الدكتور أحمد توفيق الخولاني- الطبيب البيطري وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في مجلس الشعب- التعامل الحكومي الخاطئ مع أزمة إنفلونزا الطيور الذي جعل الميكروب يتوطَّن في مصر نتيجة التعاملات الخاطئة، وقال: لقد كان التعامل منذ البدء خطأً، وكان يتم بلا أي أساس علمي وبلا احتياطات علمية، وكانت الإعدامات عشوائيةً يقوم بها جنود الأمن المركزي الذين كانوا يقضون على الدجاج المصاب بطرق لا تمتُّ للعقل بصلة، مثل ضربها وخنقها، بوضعها في أجولة، مع أن المفروض الإعدام الكامل والآمن، سواء بالغاز أو بالتخلص منهم في أماكن بعيدة عن وسائل الري والمياه الجوفية، ويردم عليهم بالجير الحي أو المحارق.
وأكد أن الحكومة دمَّرت في المرة الأولى صناعة الدواجن، وفي المرة الثانية ستدمّر أصحاب المحلات وبقية عناصر الصناعة الموجودة على قيد الحياة، مذكِّرًا أن هناك أكثر من مليوني شخص مرتبطون بصناعة الدواجن تتحمَّل الحكومة مسئوليتهم.
ووصف الخولاني ما يحدث بأنه تدمير لصناعة الدواجن لصالح المستوردين، والمنتج الأجنبي، مشيرًا إلى الحكومة لا تبالي بالشعب طالما هي لم تضرر، مؤكدًا أن نواب الكتلة تقدَّم بعضهم بطلبات إحاطة بمناقشة الآثار المترتبة على التراخي الحكومي في معالجة المشكلة بالطريقة العلمية.





