كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في منعةٍ من قريش بعمه أبي طالب، بينما تعرَّض المسلمون الأُوَل للاضطهاد والتعذيب على يد أئمة الكفر من قريش، وتحمَّل الصحابة الكثير في سبيل عقيدتهم، وتعرَّضوا للفتنة، ورغم كل ألوان الاضطهاد وصنوف التعذيب ظلوا في ثباتٍ على عقيدتهم ودينهم؛ فمنهم مَن قضى نحبه تحت التعذيب، ومنهم من نجى من الموت حتى هاجر إلى الله ورسوله.
فقد كان الاضطهاد والتعذيب الذي تعرَّض له الصحابة مُقدِّمةً للهجرة- الهجرة من الوطن- وما أصعب ذلك على النفس إلى وطنٍ غريبٍ لا يدري ماذا سيكون!! لكنها هجرةٌ فرارًا بالدين والعقيدة، هجرةٌ إلى الله، فما كان يُفكِّر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الهجرة إلا بعد أن ضاقت مكة وأهلها بهم، وهانت الفئة المستضعفة في مكة.
وهنا نعرض لبعضٍ من صور الاضطهاد والتعذيب والتنكيل الذي تعرَّض له بعض الصحابة، وكانت دافعةً إلى الهجرة.
يروي ابن إسحاق من طريق سعيد بن جبير، قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟. قال: نعم، والله إنهم كانوا ليضربون أحدهم ويجوِّعونه ويعطِّشونه حتى ما يقدر أن يستويَ جالسًا من شدة الضُرِّ الذي به، حتى يعطيهم ما سألوا من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى آلهة من دون الله، فيقول: "نعم"؛ افتداءً منهم بما يبلغون من جهدهم" (البخاري 2/71).
وروى ابن ماجه وابن حبَّان عن ابن مسعود قال: "أول مَن أظهر إسلامه سبعةٌ: رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر، وعمَّار، وأمُّه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فمنعه اللهُ بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراعَ الحديد وأوقفوهم في الشمس".
فقد كان المشركون يلفون أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في جلود الإبل والبقر ويلبسونهم دروع الحديد، ثم يضعونهم على صخرةٍ ملتهبةٍ في وقت الظهيرة، ما زحزحهم ذلك عن عقيدتهم.
إنه الصبر والثبات من أجل العقيدة، إنه تجسيدٌ لقوله- تعالى- ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَم اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 142).
نماذج من الصبر والثبات
تعرَّض ضعفاء الصحابة الذين ليس لهم أهلٌ ولا عشيرةٌ يحتمون بها، تعرَّضوا لشتى أنواع التعذيب النفسي والبدني على يد صناديد الكفر من قريش؛ ليردُّوهم عن دينهم، فما استطاعوا؛ حيث خابت قريش وخسرت، فلم يفلح الملأ القرشي في ردِّ أحدٍ من الصحابة عن دينه رغم صنوف التعذيب وألوانه التي مُورست على المستضعفين من الصحابة، وهنا نذكر نماذج وصورًا ومن الصبر والثبات الذي تحلَّى به الصحابة الأجلاء.
آل ياسر.. نموذجٌ للتضحية والفِداء
عمار بن ياسر.. إنه صحابيٌّ جليلٌ كان مولى لبني مخزوم، فكانوا يُخرجونه وأهله إلى الأبطح في حرِّ الرمضاء، فيعذبونهم.
روى البيهقي والحاكم من حديث جابر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مرَّ بعمار وأهله وهم يُعذَّبون، فقال: "أبشروا آل عمار وآل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة" (البخاري 2/71- المستدرك 3/438 حديث 5666/1264 قال الحافظ صحيح على شرط مسلم).
مات ياسر تحت التعذيب، وطعن أبو جهل سمية أم عمار في قبلها بحربة، فكانت أول شهيدة في الإسلام.. رحم الله ياسر، ورحم الله أم ياسر؛ فإنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
وأما عمَّار فظلوا يعذبونه حتى أرغموه على سبِّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجاء إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- باكيًا معتذرًا فأنزل الله- تبارك وتعالى- ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (ابن هشام 1/319).
بلال بن رباح
كان بلال مولى لبني جُمَح، فكان أمية بن خلف- وهو صنديد من صناديد الكفر وإمام من أئمتهم- يخرجه إذا حميت الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفرَ بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقول- وهو في ذلك-: "أحدٌ أحد" (البخاري 2/62).
وكان أمية بن خلف يضع في عنق بلال حبلاً، ثم يأمر الصبيان فيجرونه في "حواري" وأزقة مكة، ثم يُجلسه في بطحاء مكة وقت الظهيرة، فيأمر بصخرة فتوضع على صدره، حتى مرَّ أبو بكر- رضي الله عنه- فرأى ذلك، فرقَّ له وأشفق عليه، فاشتراه بغلام أسود، وقيل بسبع أواقٍ من الفضة (ابن هشام 1/317 بتصرف).
لقد صبر بلال، وضرب أروع المُثَل في الصبر والثبات على العقيدة، فهانت عليه نفسه في سبيل عقيدته.
هلاَّ صبرنا على تنفيذ أوامر الله وعشناها وطبقَّناها في واقعنا حتى نفوز الفوز العظيم وننجو من الخسران المبين!!.
خبَّاب بن الأرت
أما خبَّاب فكان مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية، وقد لقي ألوانًا من التعذيب والتنكيل، فلمَّا فاض به ذهب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يشكو إليه ما يلاقيه من أهل الكفر من تعذيب.
روى البخاري من حديث خباب بن الأرت قال: "أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو متوسِّدٌ بردةً وهو في ظل الكعبة- ولقد لقينا من المشركين شدةً- فقلتُ: يا رسول الله.. ألا تدعو الله لنا؟!، فقعد وهو مُحمَرٌّ وجهُه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط من الحديد ما دون عظامه من لحمٍ أو عصبٍ ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتمِّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه" (البخاري 8/284 حديث 4733-4734).
وكان خبَّاب من أمهر الصُنَّاع في مكة، يصنع السيوف للعاص بن وائل، وكان قد صنع سيوفًا له فذهب يتقاضى أجره فرفض العاص بن وائل أن يعطيَه أجره إلا أن يكفر بمحمد؛ حيث قال له: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، قلتُ: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يحييك. قال: فإذا أماتني الله ثم بعثني ولي مالٌ وولدٌ، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا (77) أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)﴾ (مريم) (البخاري 8/284حديث 4733).
وكان العاص بن وائل يسخر من صهيب ويقول: أليس يزعم محمد صاحبُكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلي من ذهب وفضة؟!، فقال خبَّاب: بلى. فقال العاص بن وائل: فأمهلني يا خبَّاب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقَّك. فجاء الوحي إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)﴾ (مريم).
جاء الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما جاء، فطوبى للغرباء
طوبى للغرباء، طوبى لأولئك القابضين على دينهم في زمن غربة الإسلام بين أهله وفي وطنه، وشعائر الإسلام تُحارَب في موطن الإسلام وبين أهله، طوبى لأولئك الصابرين على فتن الحاضر وفتن المستقبل، الصابرين في مواجهة الظلم والطغيان، الصابرين في مواجهة ظلم السلطان وظلم السجان، الصابرين خلف الأسوار بلا تهم، القابعين في زنازين الظلم والطغيان، لا لذنبٍ اقترفوه إلا أنهم قالوا "ربنا الله" ثم استقاموا؛ ففي المحن تظهر معادن الرجال، وتتجلَّى صور الإيمان، فإن كان ليلُ الظلم طويلاً فإن نور الصبح لا بد آتٍ قريبٌ.
فصبرًا صبرًا؛ فما أروع الصبر والثبات في سبيل هذه القيم النبيلة لهذه الأمة العظيمة!! ولنتذكر دائمًا وأبدًا قوله- تعالى- ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
نعم.. ألا إن نصر الله قريب، ألا إن فرجه قريبٌ، فإن كانت الأمم السابقة وأهلها ضربوا لنا الأمثال في الصبر والثبات على الدين والعقيدة، فحريٌّ بهذه الأمة العظيمة أن يكون فيها مثلُ هؤلاء، وأكثر في الصبر والثبات على المبدأ، وهي الأمة الشهيدة على كل الأمم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).
-----------