لم تكن قضية الحجاج الفلسطينيين التي انتهت الأربعاء الماضي، مجرد قضية إنسانية وحسب، بل هي في أقل توصيفٍ لها ضربة مُوجَّهة للأنظمة العربية التي وقفت تنتظر موقف الكيان الصهيوني وتتوسل إليه لحفظ ماءِ وجهها.
بالفعل كانت 72 ساعةً حاسمةً في فرضِ الإرادة والكرامة الشعبية للفلسطينيين على الكيان الصهيوني المتغطرس، وسلطة أبو مازن والأنظمة العربية وقبلهم الإدارة الأمريكية المتعجرفة، ومع دخول أول فلسطيني لغزة عن طريق معبر رفح، كانت هناك رسالة قومية وهي أن إرادة الشعوب أقوى من آلة عسكرية، وتستطيع أن تحصل على حقها، فما فعله الحجاجُ الفلسطينيون كشف حقيقة الأنظمة العربية.
المعابر الستة
كلمات قليلة وبسيطة عبَّرت عن حجم المأساة التي عاشها أكثر من 2100 حاج فلسطيني بين ميناء العقبة في الأردن إلى نويبع إلى العريش، وأخيرًا إلى غزة عن طريق معبر رفح، كما عبَّرت عن مأساةٍ أخرى يعيشها سكانُ قطاع غزة المحاصرون من كل اتجاه، فقطاع غزة محاط بستة معابر من الشمال والجنوب والشرق، وهي بالترتيب (معبر بيت حانون "إيرز" أو "خمسة خمسة", وناحل عوز, والمنطار "كارني", وصوفا, وكرم أبو سالم "كيرم شالوم" ورفح).
ويقع معبر إيرز إلى شمال قطاع غزة، وهو بمثابة نقطة حدودية ما بين القطاع والكيان الصهيوني يمر منه عادةً المواطنون الفلسطينيون والذين يحملون تصاريح خاصة، وهم عادةً إما مرضى يُعالجون في المستشفيات الصهيونية ومستشفيات الضفة والأردن أو تجار يذهبون لشراء البضائع من داخل الكيان.
![]() |
|
أهالي غزة يرفعون شعارات تندد بالحصار وباحتجاز الحجاج |
وفيما مضى كانت بعض الشخصيات الفلسطينية وعائلاتهم تحمل تصاريح تنقل، وكذلك العمال الذين كانوا يعملون في البلدات الصهيونية المحيطة بقطاع غزة، وقد بنى الكيان الصهيوني المعبر بشكله الحالي قبل حوالي العام بتكلفة 50 مليون دولار بقدرة استيعاب تصل إلى 20 ألف مواطن، وتقوم على إدارته شركة صهيونية خاصة، ويقتصر وجود الجيش الصهيوني به من خلال إدارة التنسيق والارتباط، وبعد سيطرة حماس على القطاع يعمل المعبر بوتيرةٍ عاديةٍ إلا أن عددَ الذي يستخدمون المعبر من الفلسطينيين لا يصل إلى ثلاثين شخصًا يوميًّا، وجميعهم من المرضى أو كبار التجار.
كما يُستخدم المعبر لتنقل الأجانب من والى غزة من منظماتٍ دوليةٍ كالصليب الأحمر والأمم المتحدة أو الصحفيين الأجانب والدبلوماسيين وغيرهم، وخلال الفترة الماضية غادر نحو 500 أجنبي قطاع غزة من خلال إيرز إلى الخارج من جنسيات مختلفة، وكذلك بعض انقلابيي فتح الذين فروا من حماس في غزة ونقلوا لمصر أو رام الله، كما يُستخدم المعبر لنقل البريد والصحف وبعض العلب الصغيرة.
أما المعبر الثاني فهو معبر ناحل عوز والذي يقع إلى شرق القطاع، وهو مختص بنقل المحروقات بأنواعها إلى القطاع، وتُشرف عليه شركة دور الصهيونية؛ حيث إن الجهةَ الفلسطينيةَ مرتبطةٌ بالجهة الصهيونية من خلال أنابيب تعبر الجدار.
وهناك معبر كارني أو "المنطار"، والذي يعد أكثر معابر غزة أهميةً من الناحية الاقتصادية؛ لأنه المعبر التجاري للقطاع، وهو مغلقٌ بشكلٍ عام؛ حيث إن الشيءَ الوحيدَ العامل به هو توصيل الحبوب مثل القمح والشعير عبر شريطٍ كهربائي طوله حوالي 210 مترات، وكان يستخدم قبل سيطرة حماس على القطاع لنقل الحصمة والبحص وغيرها، إلا أنه كان يستخدم قبل فرض الحصار لنقل الحبوب، وتقوم السيارات الصهيونية بإفراغِ حمولتها بوعاءٍ كبيرٍ في الجانب الصهيوني وتنقل من خلال الشريطِ الكهربائي إلى وعاءٍ كبيرٍ في الجانب الفلسطيني، ومن ثَمَّ كانت تقوم السيارات الفلسطينية بنقله.
و"كارني" معبر فلسطيني صهيوني مشترك؛ حيث تشرف قوات أمن الرئاسة الفلسطيني على الأمن به، وهناك تنسيق لحظةً بلحظة، ولا يمكن أن يعود للعمل إلا بوجودِ شريكٍ فلسطيني يُشرف على الأمن والتنسيق، ويستخدم هذا المعبر في استيراد البضائع من العالم بما فيها الكيان الصهيوني إلى غزة وتصدير البضائع والمزروعات من غزة إلى العالم، ومن أهمها الزهور والتوت الأرضي، والتي يشتهر بها القطاع.
أما رابع المعابر فهو معبر صوفا، ولم يكن له أهمية كبيرة سابقًا؛ ألا أن الصهاينةَ بدءوا استخدامه مؤخرًا؛ حيث يعمد إلى فتحه من الصباح وحتى الساعة الثالثة للطرف الصهيوني والذين يضعون البضائع التي بحوزتهم في ساحةٍ كبيرةٍ ثم ينسحبون والحراسة، ويتقدم الفلسطينيون التجار لأخذ بضائعهم.
والمعبر الخامس هو "كرم أبو سالم أو "كيرم شالوم"، ويقع على الحدود المصرية الفلسطينية الصهيونية، وكان يُستخدم سابقًا لإدخال المساعدات العربية والدولية إلى قطاع غزة، وكذلك للاستيراد عبر مصر، وقد فرضه الصهاينة كحلٍّ لمشكلةِ العالقين على معبر رفح للدخول عبر كرم أبو سالم إلا أن الفصائلَ الفلسطينية رفضت ذلك؛ خوفًا على اعتقال فلسطينيين من العالقين وإلغاء امتياز المعبر الفلسطيني الوحيد وهو معبر رفح.
وأخيرًا معبر رفح، وهو المعبر الفلسطيني الوحيد، والذي افتتح ضمن اتفاقيةٍ تضمن وجود بعثة أوروبية على المعبر وتسمح لدخول أي فلسطيني يحمل هوية فلسطينية ودون فحصٍ أمني.
وقد أُغلق المعبر بعد أن سيطرت حماس على غزة، وقال المصريون إنهم لن يفتحوه حتى يعود حرس الرئاسة إلى المعبر.
القضية الفاضحة
![]() |
|
د. محمد البلتاجي |
وقد فجَّرت قضية الحجاج الفلسطينيين العديدَ من التساؤلات عن أزمة المعابر ووضع الحكومة المصرية؛ حيث يصف الدكتور محمد البلتاجي- منسق رابطة نواب من أجل فلسطين والأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين- بأن القضيةَ الفلسطينيةَ عمومًا ستظل الفاضحة للمواقف العربية والمعرية لها والمظهرة لأهل المبادئ والثوابت والقيم الإنسانية، مضيفًا أن أزمة الحجاج الفلسطينيين كشفت الموقف المصري الذي يعجز في فرض سيادته على أرضه، وأوضحت أن القيادةَ الفلسطينية بعيدة عن شعبها وتقود أجندةً حزبيةً ضيقةً، ولا تنظر إلا لمصالح أمريكا، مشيرًا إلى أن الأزمة فضحت الأنظمة العربية أكثر من أي وقتٍ سابقٍ، ووضح أن الأجندةَ العربيةَ تتبنى أجندةً غير وطنية تهدف لتطبيق أجندةٍ عدائية لتصفية المقاومة وتبني مواقف العدو.
واستنكر البلتاجي التحجج الرسمي باتفاقياتِ المعابر قائلاً: إنها اتفاقيات يخرقها الجانب الصهيوني، والحديث عنها حديثٌ خادع، خاصةً بعد اعتبار الكيان الصهيوني لغزة كيانًا معاديًا.
وأوضح أن الموقف الأوروبي في الأزمة يُعبِّر عن ازدواجيةِ المعايير التي يعاني منها الغرب الذي يملأ الدنيا ضجيجًا لحماية الأقليات والشواذ، ولا يوجد له دور ولا صوت في القضايا الإنسانية.
أين السيادة؟
ويشير الدكتور عمار علي حسن- مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط- إلى أن الشعوب العربية فُطِرت على الرغبة للانتصار للإرادة الفلسطينية على الإدارة الصهيونية الغاشمة، وبالتالي فهي على عكسِ أنظمتها التي وضح عجزها وهشاشتها، وكيف أن صديقهم الصهيوني وضعهم في موقفٍ محرجٍ أمام شعوبهم.
![]() |
|
فرحة عارمة استقبل بها الحجاج عقب عبورهم معبر رفح |
وأوضح أن ما حدث للحجاج الفلسطينيين يؤكد أن المعاهدات مع الكيان الصهيوني لم تشفع للأردن أو مصر في أن يحققا ما تقتضياه السيادة وبنود المعاهدة فيما يخص السيطرة علي الحدود، وبالتالي ما فعلته مصر من استقبال للحجاج إنما هو جاء لحفظ ماءِ الوجه وتعويضًا عن حقٍّ أصيلٍ مهدر.
وبرر د. عمار الموقف المصري وتأخيره في فتح المعبر إلى أن مصرَ لم ترغب في الدخول في خطوةٍ تصاعديةٍ قد تؤدي إلى مزيدٍ من التأزم وردود أفعال الصهيونية غير مسئولة، مؤكدًا أن الحل يمكن في تمكين الشعوب من ناصيةِ القرار عبر طريق الديمقراطية والانتخابات وفتح المجال لتكوين الأحزاب ووقتها سيقف البرلمان معبرًا عن الشعب ليحاسب الحكومة على تصرفاتها المحرجة واللا معقولة.
فك الحصار
![]() |
|
د. عصام العريان |
"الحمد لله انتهت الأزمة على خير، ونسأل الله تحل مشاكل المعابر كلها"، هكذا بدأ الدكتور عصام العريان- القيادي في جماعة الإخوان المسلمين- كلامه، والذي أعرب فيه عن استمرارِ الدور المصري في حلِّ أزمة المعابر كلها والتعامل مع الحكومة الوطنية في غزة من أجل فك الخناق عن الشعب الفلسطيني.
وأضاف العريان أنه شيء جديد أن يتعرَّض الحجاج إلى مساوماتٍ من أجل العودة إلى ديارهم بعد أداء المناسك، وهو يُولِّد شعورًا سلبيًّا بالإذلالِ والقهر، مؤكدًا أن التاريخ سيسجل هذه الفترة التي نحياها أنها من أسوءِ الفترات التي تحياه أمتنا، مؤكدًا أن مصر قادرةٌ على رفضِ أي مساوماتٍ والتعامل بإيجابيةٍ لصالح الشعب الفلسطيني، داعيًا الحكومةَ المصريةَ إلى إزالةِ آثار ما حدث مع الحجيج بفك حصار غزة؛ لأن غزة أمن قومي ولا يجوز أن نترك الكيان الصهيوني يعبث به هكذا، مشيرًا إلى أن انفجارَ هذا القطاع ليس انفجارًا في وجه العدو فحسب بل قد يطول مصر!!
اتفاقيات المعابر باطلة!!
![]() |
|
عبد القادر ياسين |
ويشير المفكر الفلسطيني عبد القادر ياسين إلى أنه رغم انتهاء أزمة الحجاج إلا أنها تكشف عن جملةٍ من الاستنتاجاتِ من أهمها، أن مصر ملزمة بإغلاق أو فتح المعبر من جانبها، وإذا كان اتفاق دحلان في15/11/2005م قد أبقى للصهاينة حقَّ السيطرة على المعبر فإن السلطة الفلسطينية مسئولة عمَّا يحدث، إضافةً إلى أن اتفاق دحلان ينصُّ على ضرورةِ النظر في الاتفاق بعد سنةٍ واحدةٍ من توقيعه دون أن تقدم السلطة الفلسطينية على تعديلِ الاتفاق.
وأوضح أن القول بأن مصرَ في حرجٍ من فتح المعبر أصبح في ذمةِ التاريخ، خاصةً أنه لا يستطيع أحدٌ أن يُحرِجَ مصر في سيادتها وفتح المعبر من جانبها، وهو أمرٌ وثيقُ الصلةِ بالسيادة المصرية لا تستطيع وقاحة الصهاينة أن تُغيره، مؤكدًا أن الأمر كان يحتاج لعدمِ الابتزاز منذ البداية للقابع في البيت الأبيض- على حدِّ تعبيره- واتخاذ مواقف صريحة وواضحة وجريئة، خاصةً أن القضيةَ إنسانيةٌ وقوميةٌ وقانونية.




