- تذكير الأبناء بالتاريخ الهجري مسئولية الآباء والمعلِّمين
- التقويم الهجري هو المعتدُّ به في القرآن الكريم
- طمس التاريخ الهجري طمس للهوية وتغريب للأمة
تحقيق: تسنيم محمد
واجهت الدعوةُ الإسلاميةُ منذ بدايتها موقفًا معارضًا من قريش وكانت تشتدُّ هذه المعارضة كلما ظهر من يؤيِّد هذه الدعوة، إلى أن وصلت إلى ذروتها حين رفضت جميع القبائل وجود النبي- صلى الله عليه وسلم- في مكة وخرج النبي بعد الحصار الذي فرضته مكة عليه وعلى أتباعه.
لكنَّ ثقة النبي- صلى الله عليه وسلم- بوعد الله له بالنصر كانت أقوى وأعظم من كل مؤامرات الكفار وأعوانهم من شياطين الإنس والجن؛ الأمر الذي ساهم في تحلِّي النبي صلى الله عليه وسلم بكل معاني الصبر والتحدِّي لنشر وتبليغ الرسالة لجميع البشر، وتأدية الأمانة التي كلفه الله بها.
ولهذا بدأ النبي يفكر في الخروج من الحصار المفروض عليه وعلى أتباعه، وفي ما هو يفكر ويخطط؛ إذ يقطع الوحي الحكم فيأتي الأمر بترك مكة والهجرة إلى المدينة حيث الأنصار والأعوان ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: من الآية 40).
فكانت الهجرة، وبها بدأ التاريخ الإسلامي، وكان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من بدأ التاريخ بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؛ حيث صار حادث الهجرة بداية التقويم الإسلامي، ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا المقام: كيف يحافظ المسلمون على هذا التاريخ الذي يوضح معالم هويتهم لأولادهم، فلا ينسوا هذا التقويم بجملة ما فيه من أحداث وغزوات وفتوحات تشهد بعظمة رسالة هذا الدين ورفعته وسموِّه.
تقول ندا السيد (مدرِّسة) إن معرفة التاريخ الهجري تأتي منذ النشأة الأولى للطفل، ويكون ذلك بتعليم الطفل وتعويده على أمرين: الأول هو معرفة السيرة النبوية الشريفة؛ إذ إن كثيرًا من الناس يعرفون الأحداث التاريخية في الوقت الذي يجهلون فيه التاريخ الهجري لهذه الأحداث والغزوات، أما الأمر الآخر فهو التأكيد على دور المدرسة بجانب البيت لتحقيق هذا الهدف، وهو أهمية أن يعرف الأطفال التاريخ الهجري.
ويؤكد منير محمد (مهندس) أهمية ربط المسلمين بتاريخهم الهجري حتى يشعروا بخصوصيتهم وتميُّزهم، مشيرًا إلى أن التاريخ الهجري يذكِّرنا بالمهاجرين الأوائل الذين ارتوت بلادنا بدمائهم، وقد قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115)﴾ (المؤمنون)، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات)، ومن هذا المنطلق ينبغي لكل مسلم أن يفتح صفحةً جديدةً في العام الهجري الجديد، ويتساءل ويحاسب نفسه على ما اقترف من ذنوب، فإن مثل هذه المناسبات يُستحبُّ فيها الإكثارُ من الطاعات، ويقترح أن نربط هذه المناسبة الجليلة بتكريم أحد الأشخاص الذين نجحوا ليكون أنموذجًا يُحتذى به.
رأس السنة الهجرية
وتشير ليلى محمود (محامية) إلى تقصير أولياء الأمور في الاهتمام بمعرفة التاريخ الهجري، وهذا بدوره يؤثر في معرفة أبنائها ماذا نعني برأس السنة الهجرية، وما أبرز أحداثها وأهم رموزها، وتستنكر عدم اهتمام المسلمين بالعام الهجري، في الوقت الذي يهتمون ويحتفلون باحتفالات أخرى، كالعام الميلادي، والذي يَحتفل به الناس على مختلف مستوياتهم؛ صغارًا وكبارًا.
وتؤكد أهمية وجود بدائل لمثل هذه الاحتفالات؛ إذ إن الطفل الصغير يفرح حين يرى الأم تعدُّ له ما لذَّ وطابَ في رأس السنة الميلادية أو في عيد ميلاده، بينما لا تفعل ذلك في رأس السنة الهجرية، ومن هنا يأتي حبُّه وتعلُّقه وانتظارُه لرأس السنة الميلادية.
فهي تقترح أن تقوم كلُّ أم بمحاولة إدخال السرور على قلب أبنائها في بداية كل عام هجري جديد، وذلك من خلال عمل أشياء محبَّبة إلى الطفل وعمل مسابقات وإقامة الاحتفالات داخل المساجد وفي المدارس، وأيضًا من الممكن أن تقوم الأخت المسلمة بتقديم هدايا لجيرانها لتذكِّرَهم بالعام الهجري مع إعداد لقاءات بأولاد الجيران وعقد مسابقات بينهم، يتحدثون فيها عن أبرز شخصيات الهجرة، وأهم الأحداث والدروس المستفادة منها.
وتوافقها كريمة عبد الغني (واعظة) في هذا الرأي، فتقول: كلنا يعلم تمامًا أن للمسلمين عيدين فقط؛ هما: عيد الفطر وعيد الأضحى المباركان، ونحن نلتزم بهذا، ولكن هناك أشياء نعدُّها في إطار السنَّة الحسنة، خاصةً إذا كانت تربطنا بالإسلام وبتاريخه العظيم؛ فالعام الهجري الجديد هو ذكرى عظيمة، على المسلم أن يخصَّها بفرحة؛ فيقوم مثلاً بتكريم حفَظَة القرآن الكريم وإقامة الأناشيد الإسلامية في المدارس والمساجد وإعداد شيء محبَّب لنفس الطفل، يذكِّره بهذا التاريخ، ويجعله يسأل عنه ويتلهَّف له من العام إلى العام الآخر.
وتقول إن الأخت الداعية عليها عامل أيضًا في هذا، فإن تذكَّرَتْ قبل أن تذهب إلى مكان لقائها بالأخوات ماذا حدث في هذا اليوم بالتاريخ الهجري أو في هذا الشهر، ستذكِّر الأخوات أثناء إلقاء الدرس بهذا التاريخ، فتذكِّرهن بأحداث معينة كالغزوات والفتوحات الإسلامية وغيرها من الأعمال الجليلة، مؤكدةً في الوقت ذاته أن الأيام الفُضلى التي فضَّلها الله تعالى لعباده المسلمين لا تُعرف إلا مِن خلال التقويم الهجري.
طمس الهوية
د. جمال عبد الهادي

من جانبه يؤكد الدكتور جمال عبد الهادي- أستاذ التاريخ الإسلامي- أن التاريخ الهجري جزءٌ من الهوية الإسلامية، ولهذا سعى المستعمر من خلال هجماته الشرسة إلى طمس هذه الهويَّة، من خلال طمس التاريخ واللغة العربية، وأيضًا السلوكيات والأخلاقيات، في محاولةٍ لقهر هذه الأمة حتى تنسى؛ لأن التقويم الهجري يذكِّرها بالصفحات المشرِقة في حياة الأمة وفتوحاتها الإسلامية.
ولهذا فهو يؤكد أن عملية ترك المسلمين لتاريخهم الهجري إنما هي مقصودةٌ ومتعمَّدةٌ منذ سقوط الخلافة الإسلامية وحتى يومنا هذا لتغريب الأمة، وهذا يتضح من فرض التقويم الميلادي في جميع الدوائر الحكومية، وذلك منذ بداية الاحتلال الفرنسي، ومرورًا بالاحتلال الإنجليزي، ووصولاً إلى ما تتعرَّض له الأمة الآن، من هجماتٍ تريد النَّيل من دينها وثوابتها وهويتها.
وفي هذا الإطار يطالب الدكتور جمال عبد الهادي جميعَ أجهزة ووسائل الإعلام- من خلال بثِّ النشرات الإخبارية والإعلانات- بإبراز التقويم الهجري، وأن يطالب المدرِّسون في المدارس والأساتذةُ في الجامعات الطلابَ بالتقويم الهجري، على الأقل أن يكون التقويم الهجري مقارنًا بالتاريخ الميلادي.
منظومة مشتركة
وفيما يتعلق بكيفية ربط أبنائنا بالتاريخ الهجري يرى الدكتور حمدي حافظ- الخبير الاجتماعي- أنه من الواجب على المدرسة والبيت تذكير الأبناء باستمرار بالتاريخ الهجري؛ حتى يظلَّ الطفل مرتبطًا به؛ فعلى المدرِّس أن يكتب التاريخ الهجري ويعاقب على نسيانه ويكافئ من يذكره ويذكر أهمَّ أحداثه، وكذلك دور الأب داخل البيت، عليه أن يذكِّر أبناءه بأهم الأحداث التاريخية الإسلامية؛ لتبقى ذاكرة الأمة حيَّةً ولا تُسقط من ذاكرتها الغربالية هذا الزمنَ الذي مثَّل وعاء الأحداث الإسلامية ومستودع الجهود الإنسانية الكبرى.
مشيرًا في الوقت نفسه إلى أهمية تضافر الجهود في هذا الشأن لتصير منظومة يشترك فيها الجميع: المدرسة والبيت والإعلام الإسلامي الهادف، وأيضًا أهمية وجود نتيجة هجرية داخل كل بيت مسلم، وهي تُسهِم بشكل كبير في معرفة المسلم بتاريخه الهجري وتذكِّره بأهم الأحداث الإسلامية.
وقفة مع النفس
د. منير جمعة

ومن جانبه يرى الدكتور منير جمعة- الأستاذ بكلية الآداب بجامعة المنوفية- أن التقويم الهجري هو التقويم الإسلامي الذي ارتضاه خير البشر، وهم صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم- كما أن الله تعالى لم يعتدَّ إلا بهذا التقويم الهجري؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (التوبة: من الآية 36).
ومع بداية عام هجري جديد يرى الدكتور منير جمعة أهميةَ أن يقف الإنسان مع نفسه في نظرة تأمُّل وتذكُّر واعتبار، أما الوقفة الثانية فتكون مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم "إن المؤمن بين مخافتين: أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانعٌ به، فليتزوَّد المرءُ من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشباب قبل الهرم، ومن الصحة قبل السقم؛ فإنكم خُلقتم للآخرة، والدنيا خُلِقَت لكم، والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار".
ومن هنا يؤكد أهميةَ أن يعتبر الإنسان مما مضى من عمره، وينظر ماذا قدَّم فيه، فينظر ما حدث من تقصير على المستوى الفردي، وإخفاقه على المستوى الجماعي، وعلى مستوى الأمة؛ في محاولةٍ لعلاج الأخطاء ومراجعة النفس وتقويمها؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (إبراهيم: من الآية 5).