- رشوان: تطور الفكر الجهادي وانحياز الجهاديين للوسطية أوقف نزيف الدم

- كمال حبيب: المراجعات تحوُّل مهمٌّ يواكب التطور العام للحركات الإسلامية

- د. عبد الفتاح: يجب تفسيرها اجتماعيًّا في المقام الأول وليس دينيًّا أو فقهيًّا

 

تحقيق- حسونة حماد

أثارت مراجعات تنظيم الجهاد ووثيقة "ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم" لصاحبها سيد إمام- أحد أبرز منظِّري الحركات الإسلامية- وما لاقته من حفاوة سياسية وإعلامية.. ردودَ أفعال عديدةً على مختلف المستويات؛ المحلية والإقليمية والدولية، خاصةً فيما يتعلق بتأثير هذه المراجعات على قلة العنف في العالم بصفة عامة، وفي مصر والمنطقة العربية بشكل خاص، وكذلك فيما يتعلَّق بمدى صدق هذه المراجعات وتوقيت طرحها، وما يتردَّد من كونها مبادرةً مفتعلةً لمواجهة تيارات سياسية بعينها.

 

 الصورة غير متاحة

 ضياء رشوان

في البداية يقول ضياء رشوان- رئيس برنامج دراسة الحركات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- إن المراجعات بصفة عامة عملية كبيرة ومتراكمة ومستمرة، أثرت تأثيرًا مباشرًا على وقف نزيف دم كبير كان موجودًا في مصر تحديدًا على مدار سنوات طويلة، واستطاعت أن تحمي بلدًا يمثل 1/4 سكان العالم العربي من التعرُّض لكوارث كبرى.

  

ويشير رشوان إلى أن مصر لم تتعرَّض خلال العشر سنوات الماضية منذ عام 1997 وحتى الآن سوى لعملية عنف أسفرت عن مقتل 3 سيَّاح وإصابة البعض، إضافةً إلى ثلاث عمليات في سيناء ما زالت حتى الآن ملابساتُها غيرَ واضحة، في حين أن حجم أعمال العنف في الدول المحيطة بمصر كبير جدًّا، خاصةً بعد غزو العراق.

 

تساؤلات جديدة

 الصورة غير متاحة

أيمن الظواهري

ويضيف رشوان: لو أن الجماعة لم تراجع أفكارها في ظل غزو العراق، فلك أن تتخيَّل آلاف الشباب المستعدِّين للذهاب إلى العراق، ولك أن تتخيَّل حال مصر كيف سيكون إذا لم تحدث المراجعات؟! موضحًا أن مراجعات الجهاد- باعتبار أن جماعة الجهاد ذات طابع دولي ولها فروعٌ مهمةٌ بالخارج، بخلاف الجماعة الإسلامية ذات الطابع المحلي، وانضمام وتأييد عدد كبير من قيادات الجهاد لهذه المراجعات- سيطرح العديدَ من التساؤلات الجديدة على الحالة الجهادية الدولية، مشيرًا إلى أن تخصيصَ أيمن الظواهري أكثر من 42% من خطابه المخصَّص لمؤتمر أنابوليس للحديث عن مراجعة الجهاد يؤكِّد مدى شعوره الكبير بأهميتها.

 

ويؤكد رشوان أن طرح الشكوك والتساؤلات التي سيبدأ أصحابُ الفكر الجهادي في الإجابة عليها سيؤثِّر على تماسك وقدرة هؤلاء الجهاديين، وهو ما يؤكد مدى التأثير لهذه المراجعات.

 

وفيما يتعلق بدلالة توقيت طرح هذه المراجعات وهل جاءت متأخرةً أو لا يقول رئيس برنامج دراسة الحركات الإسلامية إنه لا يوجد في التاريخ شيءٌ اسمه متأخر ومتقدم؛ لأن التاريخ لا يعرف ذلك، ونحن لا نحكم على التقديم أو التأخير، ولكن نحكم على النتائج المترتبة على هذه المراجعات الفكرية.

 

الوسطية

ويلفت رشوان الانتباه إلي أن قيمة هذه المراجعات تمثَّلت في نفي النظرة السكونية الجامدة إلى الحركات الإسلامية؛ باعتبارها كياناتٍ ثابتةً لا تتغير، وأكدت أنها جماعاتٌ تتغيَّر وتتحوَّل، وأثبتت أن السكون والجماد أمرٌ غيرُ إنسانيٍّ وإطلاقه على الحركات الإسلامية إطلاقٌ مغرِضٌ أو إطلاقٌ ينمُّ عن جهل، هذا بالإضافة إلى تأكيد الحقيقة الثابتة في التاريخ الإسلامي كله، وهي أن الجماعات الوسطية هي التي تمثِّل صُلبَ هذا التاريخ، بينما كانت جماعات الغلوّ على هامش هذا التاريخ، فضلاً عن تأكيد زعم أن الإسلام ذو طابع مغالٍ أو متطرف فرضيةٌ غير دقيقة.

 

 الصورة غير متاحة

الشيخ سيد إمام صاحب كتاب المراجعات الفقهية للجهاد

ويرى رشوان أن هذه المراجعات تعطي مؤشراتٍ لما يحدث في المستقبل، وهي حدوث تحوُّلات وتعديل مراجعات على مستوى الجميع على المدى البعيد؛ باعتبار أن عملية المراجعات تأخذ وقتًا كبيرًا.

 

وعما يردِّده البعض من أن هذه المراجعات مجرد مبادرات مفتعَلة لمواجهة تيارات سياسية أخرى، يقول رشوان: "لا أظن على الإطلاق أن هذا أمرٌ واردٌ؛ لأن الجماعات التي أطلقت العنف حتى الآن ما زال محظورًا عليها المشاركة في الحياة العامة وحضور الندوات والمؤتمرات، فضلاً عن أن هذا بعيدٌ أيضًا عن التفكير الحكومي، كما أن هذا ليس في فكر الجماعة الإسلامية نفسها.

 

ويطالب رشوان بتشجيع هذه النوعية من المراجعات، مؤكدًا أنها أمرٌ ضروريٌّ يجب أن تقوم به كل القوى السياسية الأخرى، وإقرار قيمة المراجعات والنقد الذاتي لنفسها، قائلاً: "نحن لا نشجِّع الجماعة الإسلامية أو جماعة الجهاد، وإنما نشجِّع أمن واستقرار المجتمع، وبالتالي يجب أن نُحيِّي أولاً من يقوم بالمراجعات، ثم نبدأ بعد ذلك في توجيه وسرد الانتقادات التفصيلية لها"، ويختتم قائلاً: "أرى أن مراجعات الجهاد جادَّةٌ ومخلصةٌ وصادقةٌ، ولا أشك فيها على الإطلاق".

 

الشبكات الصغيرة
 
 الصورة غير متاحة

د. كمال حبيب

ويعلِّق الدكتور كمال حبيب- الباحث في شئون الجماعات الإسلامية- على تأثير هذه المراجعات قائلاً: بالنسبة لمصر فإن عنف التنظيمات الكبيرة يعتبر قد انتهى الآن، لكن من الممكن أن يكون له أشكال جديدة من العنف، كعنف الشبكات الصغيرة، مثلما حدث للمجموعة العائلية التي قامت بتفجيرات الأزهر الأخيرة، والتي ليست لها صلة بالجسد الكبير.

 

ويضيف: بالنسبة للوضع العالمي فإن هذه المراجعات سوف تُثير الالتفات، وخاصةً فيما يخص علاقة الجماعة الإسلامية بالداخل، أما فيما يتعلق بعلاقة الجماعة الإسلامية في الخارج والقوى الأجنبية المحتلة للأراضي العربية والإسلامية، كفلسطين والعراق وأفغانستان؛ فالوثيقة لم تتعرَّض لهذه العلاقة، واعتبرت القتال هناك يدخل تحت جهاد الدفع وهو واجب.

 

ويوضح حبيب أن تأثير هذه المراجعات لن يكون فوريًّا، وأنه فقط سيُثير الالتفات والنقاش حول الأفكار الجديدة المطروحة، ويقول: رغم أنها كانت من المفترض أن تكون مبكرةً عن ذلك إلا أن كل شيء يأتي في وقته، مؤكدًا أن هذه المراجعات لها قيمٌ مهمةٌ للغاية، أهمُّها أنها تنتقل من فقه الطائفة أو الفرقة الناجية إلى فقه الأمة، ومن فقه الاستثناء والضرورة إلى فقه الجماعة، وبالتالي تطرح أفكارًا جديدةً ومفيدةً للأجيال الجديدة للشباب الإسلامي،  وتفتح أمامهم طرقًا جديدةً غير طرق العنف، طرقًا قائمةً على فكرة مخالطة الناس ومشاركتهم، وليس طرق المفاصلة أو العزلة أو التكفير.

 

وجه إيجابي

ويقول حبيب إن هذه التيارات كان لها خطٌّ فكريٌّ، له قدرٌ من الجنوح، ومع التطور والتقدم انتقل بهم من الجنوح إلى الوسطية، وهي مسألة داخلية متصلة بطبيعة التكوين الفكري أو التطور العام، لكنَّ مسألة ربط المراجعات بمواجهة تيارات سياسية أخرى يرتبط بطبيعة العلاقة بين التنظيمات وبعضها البعض، ولا بد ألا يكون هناك شيءٌ من هذا القبيل مع الوثيقة الجديدة، مضيفًا أن المراجعات تعدُّ تحولاً كبيرًا ومهمًّا جدًّا، يتواكب مع التطور العام للحركات الإسلامية في العالم، ويصبُّ في مصلحة التيار الإسلامي الوسطي، ويجب أن ننظر له بشكل إيجابي لأنه يغلِّب مسألة أمن الجماعة واستقرار المجتمع واستصحاب الأناس للإسلام، كما أنه يُهيِّئ الإسلاميين لطرح أنفسهم كوجه إيجابي للجماهير والشعوب التي تعلِّق على أعناقهم آمال التغيير.

 

ملف أمني
 
 الصورة غير متاحة

د. سيف الدين عبد الفتاح

ويرى الدكتور سيف الدين عبد الفتاح- أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- أن الجو العام المحيط بالمراجعات قد يقلِّل من قيمة تأثيرها على المجتمع حاليًّا أو مستقبلاً، مشددًا على ضرورة لفت الانتباه إلى أن تفسير هذه المراجعات لا يجب أن يكون دينيًّا أو فقهيًّا في المقام الأول بقدر تفسيره تفسيرًا اجتماعيًّا، على اعتبار أن أيَّ فئة تمارس عنفًا، فهذا يمثل خطورةً وتفكيكًا للمجتمع.

 

ويحذر عبد الفتاح من خطورة استمرار استبعاد السلطة لهذه الجماعات والفئات أو التعامل معها كملف أمني، مؤكدًا أن ذلك سيؤدي إلى استمرار العنف وأنه بعد فترة قد تُكتشف أن هذه المراجعات قد لا تكون حقيقيةً، ليس لأن أصحابها غير صادقين، ولكن لممارسات السلطة، مطالبًا بضرورة دمج هذه الكيانات داخل كيان الوطن، وهذا الدمج له شروطه وله قوانينه وضوابطه الأساسية- كما يقول عبد الفتاح- إذا ما وفَّرتها السلطة وهي صاحبة اليد العليا والقدرة في هذا المجال.

 

أما في حالة إذا ما عبثت السلطة بهذا الأمر، وحاولت أن تميل إلى هؤلاء على حساب جماعات وتيارات سياسية أخرى، فهذا يعدُّ لعبًا بالنار داخل الجماعة السياسية والسلطة، ولا بد من دمج هؤلاء اجتماعيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا وواقعيًّا وسياسيًّا؛ لأن هؤلاء لهم رأيٌ وتوجُّهٌ، ولا بد أن يتعاملوا على قاعدة أساسية حينما يتعاملون في العلن وينتظمون في جماعة أو حزب.