- الحكومة فشلت في أمن المواطن والمحليات النزيهة هي الحل

- الفساد "للرُّكَب" والحكومة تتغاضى عن المخالفات لمصالح انتخابية

- النظام كله منهار والحكومة تُعلِّم الشعب السرقة والفساد!!

- المجلس المحلي المزور لا يمكن أن يأتي بخير و"الوطني" لا يستغني عنه

 

تحقيق- هاشم أمين

كشف حادث انهيار عقار حي لوران بالإسكندرية، والذي أودى بحياة 24 ضحيةً حتى الآن عن ضرورة إعادة فتح أخطر الملفات تهديدًا لحياة الآلاف من المصريين، والمتمثل في تعدد حوادث انهيار المباني والعقارات في مصر؛ حيث لم تكن عمارة لوران هي الأولى؛ فقد سبقتها عمارة مدينة نصر، وعمارات دمياط والإسكندرية وشبرا ومصر الجديدة وغيرها.

 

تعددت الحوادث والسبب واحد كما أجمع الخبراء؛ فالإهمال الحكومي المتواصل منذ سنواتٍ بعيدةٍ نتج عنه نزيف مستمر لخيرات البلاد والعباد، بل أعز ما تملكه أي بلد، وهو ثروتها البشرية.

 الصورة غير متاحة

أحد ضحايا عمارة "لوران" محمولاً على الأعناق

 

وتزداد حجم الكارثة وتتفاقم مع تقدير بعض الخبراء بوجود ثلاثة ملايين عقارٍ مخالفٍ في مصر!!، وفي القاهرة وحدها بلغ عدد قرارات الإزالة أكثر من مائة ألف قرار!!، وفي محافظة الإسكندرية- التي وقع فيها الحادث الأخير- وصلت أعداد هذه القرارات إلى عشرة آلاف قرارٍ!!، كل هذا يعني أن أرواح الملايين من أبناء الشعب المصري مهددةٌ بالفعل.

 

الغريب أنه رغم صدور قرارات بإزالة ملايين العقارات المخالفة، إلا أن هذه القرارات لا تزال حبيسةَ الأدراج حتى الآن، وهو ما فسَّره بعض الخبراء بوجود ما يمكن أن نسميه "مافيا عقارات الموت"؛ حيث كوَّنوا لهم نفوذًا داخل مجلس الشعب والوزارات والمحافظات والمحليات، ضاربين عرض الحائط بأرواح ملايين الأبرياء الذين وقعوا فريسةً بين فكي النظام الذي يصمت عن هذه المخالفات عن عمْدٍ؛ لاستغلالها في أغراض ووعود انتخابية وبين أفراد هذه المافيا.

 

فهل تنتظر الحكومة زلزالاً آخر يُظهر لها أن أرواح الكثير من مواطنيها على شفا جرفٍ؟!، أم أنها ستتركهم لنزيف الانهيارات العقارية الذي يحصد الأرواح يومًا بعد يوم؟!.

 

ومن المسئول عن هذه الكوارث المتكررة؟، وهل تتم محاسبة المقصرين والمسئولين عن هذا الأمر، فضلاً عن حجم الخسائر الاقتصادية المترتبة على هذه الحوادث والتكلفة التي تتحملها ميزانية الدولة من التعويضات وتأثيرها على الثروة العقارية في مصر، والتي تُقدَّر بـ 270 مليار جنيه؟، وغير ذلك من الأسئلة التي يحاول "إخوان أون لاين" الإجابة عليها خلال هذا التحقيق.

 الصورة غير متاحة

 د. محمد مرسي

 

د. محمد مرسي- رئيس قسم المواد بكلية الهندسة جامعة الزقازيق وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان- يُرجع المشكلة إلى الإهمال والتقصير الجسيم من قِبَل المهندسين والمحليات؛ حيث تكون هناك مخالفات لشروط البناء، ومخالفات في إخراج التراخيص، ومخالفات في عدم تنفيذ الأحكام، ومخالفات أخرى يتم التغاضي عنها، ورشاوى تزكم الأنوف.

 

ويطالب د. مرسي بتحديد وتعيين هذه المخالفات في البناء بطريقةٍ دورية، سواءٌ كان عمر بناء العقار طويلاً أم قصيرًا، مضيفًا أنه يجب أيضًا مراجعة المنظومة القانونية والتشريعية والتنفيذية غير الموجودة بالفعل على أرض الواقع؛ لعلاج هذا الإهمال، ولمنع تكرار مثل هذه الحوادث، وإن كانت هذه المنظومة موجودةً فهناك مخالفات كثيرة ورشاوى تتجاوز كل هذه الخطوط.

 

وحمَّل د. مرسي الحكم المحلي ووزارة الإسكان مسئولية ما حدث؛ لأنهما من نفس تركيبة الحكومة والنظام القائم الذي له مثيلاتٌ كثيرة في الإهمال والتقصير، وحادث العبَّارة ليس بعيدًا عنا، وكذلك حوادث القطارات وغيرها، كل هذا لا يضع حدًّا لوقف مسلسل إزهاق أرواح المصريين بسبب الإهمال المستمر، والتقصير أو التغاضي عن تنفيذ الأحكام.

 

فنحن نرى صاحب العبَّارة التي أغرقت المصريين لم يتم عقابه منذ سنوات حتى الآن، كما أن هناك وعودًا كثيرةً من الحكومة لا يتم تنفيذها في معاقبة المقصرين، ولا يعاقب المتسبب أو المقصر، والعقوبات الجنائية لا يتم توقيعها!!.

 

وعلَّق د. مرسي على زعم أحد المسئولين عندما ألقى بالمسئولية على المستأجرين لقيامهم بالمخالفة قائلاً: "هذا كلامٌ مرفوضٌ، ونوعٌ من الهروب من تحمُّل المسئولية السياسية والجنائية، ومن يردد مثل هذا الكلام يجب أن يرحل من منصبه فورًا؛ فالجهاز التنفيذي الذي يأخذ أجره من ضرائب المواطنين يجب عليه حمايتهم من عدوان الأفراد الذين يؤْثرون مصلحتهم الشخصية على المصلحة العامة؛ فالقانون والتشريع يتدخل لحماية المواطنين، وإلا فما فائدة وجود الحكومة والنظام والقوانين إذا كان يتم السكوت عن المخالفات؟!"، مضيفًا: "إنني لا أرفع المسئولية عن الأفراد، فمن يخطئ يجب محاسبته، ولكن مَن يسكت عن متابعة هذه المخالفات مسئولٌ أيضًا، ويجب محاسبته".

 

ويلفت النظر إلى عدم الاكتفاء بمحاسبة المخالف فقط، بل يجب أيضًا معاقبة المسئول عن استمرار وجود هذه المخالفة وتركها والتغاضي عنها؛ فمن يسكت ولا يضرب على يد المخالف هو مخالفٌ أيضًا.

 

ويتعجَّب د. مرسي من التعامل الحكومي مع الكوارث؛ حيث تتكرر نفس العبارات على نفس الوتيرة عند حدوث أي كارثةٍ تجد البعض يطالبك بتخطي حدود المشكلة نفسها والبحث عن الحلول المستقبلية، ولا يتم البحث عن مسببات المشكلة نفسها، ويتم التغاضي عن هذا الأمر؛ للسكوت عن محاسبة المقصر، ونجد المسئول أو الوزير يؤكِّد بالطبع كل مرةٍ حزنَه على ما حدث، ولكنه لا يمكن أن يلفت النظر إلى مسئوليته عما حدث!!.

 

ولكل ما سبق يؤكِّد د. مرسي فشل الحكومة في تحقيق أمن المواطنين وإشعارهم بالأمان؛ فحياة المواطن مهددةٌ دائمًا في ظل حكومات الوطني المتتابعة؛ فإذا خرج المواطن إلى الشارع فهناك ستة آلاف نفسٍ تُزهَق سنويًّا بسبب حوادث الطرق، غير آلاف الجرحى والمصابين، وإذا دخل بيته فهو مهددٌ بسقوط بيته عليه بسبب الإهمال والتقصير.

 

وتساءل: متى تكون لحياة المواطن تقديرٌ عند الحزب الوطني؟!، وما مستقبل كل هذه المخالفات والعقارات المهددة بالانهيار في ظل هذا الفساد المستشري؟!، مؤكِّدًا أننا أمام كارثة حقيقية بكل المقاييس.

 

انتخابات المحليات

وأوضح أن هذا الحادث يلفت نظرنا إلى انتخابات المحليات التي نحن على أبوابها قريبًا؛ حيث تتحمل المحليات جزءًا كبيرًا من هذه المشكلة، مع العلم أنه ينبغي لنا التفريق بين نوعين من المجالس المحلية؛ فهناك المجلس المحلي التنفيذي، وهذا يرأسه رئيس المجلس المحلي وبعض المهندسين والموظفين، ويتم بالتعيين، وهو ما يطلق عليه "الحكم المحلي"، وهناك المجلس المحلي الشعبي الذي يتم بالانتخاب، وله دورٌ رقابي ربما لا يرقى لدرجة الرقابة البرلمانية، ولكن ممارسته لدوره الرقابي تقلل بشكلٍ كبيرٍ من المخالفات في المجلس التنفيذي.

 

ويضيف د. مرسي أن هذا المجلس المحلي الشعبي حين يتم اختيار أعضائه بطريقة حرةٍ ونزيهةٍ فإنه يكون أقوى وأكثر فاعلية؛ لأن مَن يعملون فيه جاءوا باختيار الشعب وهم مسئولون أمامهم، أما مَن جاء بالتزوير والتعيين فهو لا يعنيه المواطنين ولا يضعهم في حسابه؛ لأنه لم يأتِ لهذا المكان بأصواتهم.

 

وأكَّد أن تزوير المحليات يؤدي إلى مزيدٍ من الفساد والكوارث في هذا القطاع الحيوي والمعيشي الذي يرتبط بحياة الناس المباشرة، ويؤدي أيضًا إلى غياب الرقابة، ونحن لدينا مجالس محلية منذ 8 سنوات لم تقم بدورها، وأَكَلَ الزمن عليها وشَرِبَ كما يقولون، وهي في الأساس لم تأتِ تحت إشرافٍ قضائي؛ فانتخابات عام 2002م لم تتم تحت الإشراف القضائي الكامل، وكانت بالتزكية لأعضاء الوطني، وكان من المفترض أن تتم في عام 2006م، ولكن تم تأجيلها؛ خوفًا من سيطرة الإخوان عليها بعد فوزهم في انتخابات مجلس الشعب 2005م، مطالبًا النظام بأن يخلِّيَ بين الناس وبين حريتهم في اختيار أعضاء المحليات والذي لا يقلون أهميةً عن أعضاء البرلمان.

 

سحب البساط

 

د. حمدي عبد العظيم

ويضيف د. حمدي عبد العظيم- الخبير الاقتصادي ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا- بعدًا آخر لحجم وتأثير هذه الحوادث؛ فيرى أن لها تأثيرًا سلبيًّا كبيرًا على الثروة العقارية في مصر؛ حيث يسود الشك في كفاءة عملية الإنشاء وشركات المقاولات، وتكرار هذه الحوادث يؤدي إلى سحب البساط من تحت أقدام الشركات التابعة للقطاع العام أو الخاص، ويتم اللجوء للخبرات الأجنبية التي تملك الخبرة والاستعدادات والتكنولوجيا العالية.

 

وأضاف د. عبد العظيم أن حجم الخسائر التي تحدث جرَّاء هذه الحوادث وتبعاتها كبيرٌ جدًّا؛ حيث تقوم الدولة بإنشاء مساكن إيواءٍ، وتتحمل تكلفة إزالة الأنقاض وانتشال الجثث والمصابين والتعويضات التي تدفعها المحافظة ووزارة التضامن الاجتماعي وبعض شركات التأمين، هذا غير الكثير من السلع المعمرة في البيوت والتي يتم تدميرها وتحطيمها، وكذلك ما يتم نهبه من الأموال والذهب، والذي قد يصل في بعض الأحيان إلى الآلاف، وكل هذه الخسائر تتحملها خزينة الدولة.

 

ولفت النظر إلى أن هذه الحوادث يستفيد منها البعض بدرجةٍ كبيرةٍ؛ حيث يصعب شراء عقارٍ مسكونٍ، والاستفادة والعائد منه ستكون قليلةً، ولكن إذا كان مجرَّد أرضٍ خاليةٍ وفي موقعٍ متميزٍ فسيكون لها سعرٌ آخر، وهذا ينطبق عليه المقولة القديمة: "مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ".

 

وأشار د. عبد العظيم إلى حجم الفساد المستشري في المحليات؛ حيث تخرج تراخيصٌ مخالفةٌ للشروط، وهناك رشاوى تتم للمهندسين للسماح برفع وزيادة بعض الأدوار، وكذلك التغاضي عن الفساد في مواد البناء من الأسمنت والحديد؛ وذلك لتوفير التكلفة من جانب المالك الذي لا بد له أن يُرضيَ مهندس الحي؛ للسكوت والسماح له بالمخالفة.

 

وأضاف أن هناك كارثةً تحدث في هذا الإطار؛ حيث يتم بناء بعض العقارات دون تراخيص، وفي نفس الوقت تدخل لها المرافق كلها رغم عدم وجود أي ترخيص لها، وكل هذا نتيجة الفساد المستشري في المحليات.

 

الإصرار والعمد

وحول ما يردده البعض من أن كثرة الضوابط والقوانين والشروط التي تضعها الدولة سيكون لها تأثيرٌ على سوق العقارات، قال د. عبد العظيم: ليس التضييق أو كثرة الضوابط مبررًا للفساد، وما المشكلة أن يقل البناء مقابل إنقاذ الأرواح؟!؛ فخسائر الكوارث والضحايا أكثر، مؤكِّدًا أن السوق العقاري لن يتأثر بهذه الأمور.

 

واتهم د. عبد العظيم الحكومة بالتغاضي عمْدًا عن هذه المخالفات التي تنتظر استغلالها في أوقات الانتخابات؛ حيث يتم عند كل انتخابات فتح الباب لاستخراج التراخيص والتصالح مع المخالفين، وهذا الأمر يحدث في قطاعاتٍ كثيرةٍ، فيتم التغاضي عن المخالفات والتعدي على الأراضي الزراعية حتى وقت الانتخابات، فكل هذه الجرائم يتم السكوت عنها لكسب الشعبية، مؤكِّدًا أن الفساد في مصر مركَّبٌ، بل وله أنياب أيضًا.. ظلماتٌ بعضها فوق بعض.

 

نظامٌ منهارٌ

 الصورة غير متاحة

سعد الحسيني

ومن نفس النقطة ينطلق النائب المهندس سعد الحسيني- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان وعضو لجنة الإسكان- فيؤكد أن الحكومة تغمض العين عمْدًا عن الكثير من المخالفات؛ لتأخير استغلالها لأوقات الانتخابات، أي انتخابات!!.

 

ويرى الحسيني أن الحكومة هي التي تُفسد الشعب فتُعلِّمه السرقة والفساد؛ فعند كل انتخابات يتم البناء العشوائي بأقصى سرعته، والتغاضي عن المخالفات، ومنح التراخيص للمخالفين؛ لإظهار الحكومة بمظهر من يحل المشاكل والأزمات، رغم أنه هو المتسبب فيها.

 

ويوضح الحسيني أن النظام القائم كله منهارٌ، وليست العقارات فقط، والمدان الرئيسي في كل هذه الجرائم هي الحكومة التي استوردت الأسمنت الفاسد والحديد الفاسد في أوائل الثمانينات.

 

ويلفت النظر إلى أن المهندس الذي يعمل في الحي يقبض "ملاليم"، وفي نفس الوقت مُطالبٌ بأن يقوم بمنح تراخيص والتوقيع على قراراتٍ بالآلاف أو الملايين، وهذا يجعله تحت ضغطٍ رهيبٍ؛ فالحكومة مُطالبةٌ بالنظر إلى مرتبات من هم في مثل هذه الأوضاع؛ حتى تكف أنفسهم بالحلال عن الحرام.

 

اتهام المجلس المحلي التنفيذي

أما المهندس طاهر نبيل- نائب رئيس المجلس المحلي الشعبي بحلوان ورئيس لجنة الإسكان، والذي تم انتخابه ضمن المجلس المحلي من عام 1992 إلى 1998- فيقول: المتهم الأول هو المجلس المحلي التنفيذي؛ حيث تنتشر الرشاوى ويغيب دور الرقيب، وهو المجلس المحلي الشعبي الذي يتابع مثل هذه الأمور.

 

ويؤكِّد نبيل أن المجلس المحلي لو جاء بالتزوير أو التعيين فسيغيب هذا الدور الرقابي المهم، وأعضاء الحزب الوطني يريدون أن يظل الوضع على ما هو عليه؛ حتى لا تتوقف هذه الامتيازات!!.

 

ولكن نبيل يضيف أيضًا: إنني لا أريد أن ألقيَ بالمسئولية كاملةً على عاتق أعضاء المجلس المحلي والمهندسين؛ فضمير مالك العقار جزءٌ كبيرٌ من علاج المشكلة؛ فالمهندس أو الموظف يتم إرسال بعض الأوراق له مطابقةً للمواصفات والمهندس يوافق عليها، ولكن ربما مالك العقار يخالف ما أرسله من أوراقٍ تم الموافقة عليه، ولكني هنا لا أنفي مسئولية المتابعة عن مسئولي ومهندسي الحي، ولكني لا ألقي عليهم كل التبعة.

 

وطالب نبيل بتسهيل الإجراءات الروتينية الطويلة التي تضطر الناس للجوء للمخالفة؛ هربًا من جحيم الروتين والرشاوى في المجلس المحلي، رغم أن كل أوراقهم سليمةٌ، وليست لديهم أي مخالفاتٍ، ولكنهم لا يريدون تضييع الوقت في الجري وراء الأوراق.